في حي القابون الدمشقي صديقات يفترقن

19

تعانق الشابة سعاد صديقتها منى طويلاً قبل ان تودعها وتصعد الى حافلة تغادر حي القابون الدمشقي الى شمال غرب سوريا، على غرار اكثر من الفي مقاتل ومدني تم اجلاؤهم الاحد بموجب اتفاق تسوية.

وتاتي عملية اخلاء حي القابون في شمال شرق دمشق بعد أيام من اتفاق مشابه تخلله اجلاء مدنيين ومقاتلين من حيي برزة وتشرين المجاورين، في خطوة تمهد لسيطرة القوات الحكومية بشكل شبه كامل على العاصمة السورية.

وتقول سعاد (22 عاماً) بعد افتراقها عن صديقتها منى (22 عاماً) التي فضلت البقاء مع عائلتها في الحي وبتأثر بالغ “لم أشأ الرحيل، لكنّي مضطرة لملازمة والديّ، وهما يفضلان التوجه إلى إدلب”، المحافظة الواقعة في شمال غرب سوريا والتي تشكل وجهة سكان المناطق التي يتم اخلاؤها في دمشق ومحيطها.

وتتابع الشابة مرتدية حجابا أبيض وكنزة زرقاء بغصة “لم أتوقع يوما أن أكون في موقف مماثل” مضيفة “حالتي لا توصف”.

ومنى واحدة من اكثر من الفي شخص خرجوا الاحد من حي القابون، بموجب اتفاق تم اعلان التوصل اليه مساء السبت اثر عمليات قصف مكثفة للقوات الحكومية على الحي وتحقيقها تقدما ميدانيا فيه.

واشار محافظ دمشق بشر الصبان وفق ما اوردت الوكالة العربية السورية للانباء  “سانا” مساء الاحد الى “انتهاء المرحلة الاولى من التسوية في حي القابون بخروج 2289 شخصا بينهم 1058 مسلحاً”.

وقالت الوكالة ان من شان عملية الاجلاء هذه “انهاء جميع المظاهر المسلحة في الحي”.

وذكر التلفزيون السوري الرسمي في وقت سابق ان الحافلات في طريقها الى ادلب، متحدثا عن “تسوية اوضاع 500 مسلح ضمن اطار التسوية المتعلقة بالحي”.

وشاهد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية داخل حي القابون صباح الاحد حافلات بيضاء تقل مسلحين وعائلاتهم وتستعد للانطلق تباعاً الى وجهتها.

وحمل الخارجون معهم أمتعة بسيطة وحقائب صغيرة، فيما فضل آخرون البقاء وتسجيل اسمائهم لدى نقطة أمنية من أجل “تسوية أوضاعهم”.

وكانت احياء القابون وبرزة وتشرين تحت سيطرة الفصائل المعارضة منذ العام 2012. وكثفت القوات الحكومية في الاسابيع الاخيرة قصفها على الاحياء الثلاثة، مضيقة الخناق عليها.

واوضح مصدر في قوات الدفاع الوطني الموالية للقوات الحكومية ان “الجيش السوري تمكن السبت من إكمال طوق دائري حول عشرات من العناصر المسلحة داخل حي القابون، ما أجبرهم على الاستسلام وتسليم سلاحهم”.

وبدت اثار الاشتباكات الاخيرة واضحة في الحي الى جانب الدمار الذي خلفته سنوات الحرب والمعارك الشرسة في كل مكان. ويجمع ركام المباني المهدمة كليا أو جزئيا على جوانب الطرق.

وينبعث الغبار جراء تجول الدبابات في وسط الطريق الدولية القديمة التي تربط دمشق بباقي المحافظات السورية والواقعة على اطراف حي القابون. وعلى جانبي الطريق ابنية متضررة وركام فيما يتصاعد الدخان الاسود من مكان مقابل.

ويقول أحد الجنود السوريين “قبل أيام لم يكن بإمكاننا الوقوف هنا، كان الطريق عرضة للقنص”.

ويتجه الجندي الثلاثيني الذي رفض كشف اسمه نحو نفق حفره المسلحون وكانوا يستخدمونه في تنقلاتهم.

وبعد سلوكه درجا يقود الى داخله، يضيف “النفق بعمق عشرة أمتار تحت الارض، وارتفاعه متران يمتد على مسافة 300 متر ويصل حي القابون ببلدة عربين” في الغوطة الشرقية.

وعبر هذا النفق، “كانت تتم عمليات تهريب الأسلحة والطعام بين المسلحين” وفق الجندي.

ويتحدث الجنود في المكان عن انفاق عدة، تم تدمير احدها السبت وكان يربط القابون بحي برزة المجاور.

ويقول ضابط برتبة ملازم لوكالة فرانس برس “استغرقت المعركة الأخيرة خمسة عشر يوما، رغم اننا كنا نخطط لهذه المعركة منذ ستة آشهر”.

ويوضح “ما كنا لنتمكن من حسمها لولا السيطرة على شبكة الأنفاق، عثرنا على أكثر من عشرة أنفاق حتى الآن، وما زال هناك المزيد”.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، تمكن عدد من افراد عائلات مقاتلي المعارضة في الغوطة الشرقية، معقل الفصائل المعارضة قرب دمشق، من الوصول عبر هذه الانفاق الى القابون واستقلال الحافلات المغادرة الى ادلب.

ويعد اخلاء حي القابون العملية الثالثة من نوعها في ايام، اذ غادر الجمعة أكثر من 1200 شخص، أكثر من نصفهم من المقاتلين من حيي برزة وتشرين باتجاه إدلب ايضاً.

وتأتي عمليات اخلاء الاحياء الثلاثة في اطار سلسلة من اتفاقات بين الحكومة السورية والفصائل المعارضة، تم بموجبها وقف القتال مقابل توفير ممر آمن للمقاتلين وعائلاتهم ومن يرغب من المدنيين الى إدلب عموماً.

ولا يزال وجود الفصائل المقاتلة يقتصر على ثلاثة أحياء في العاصمة هي جوبر والتضامن واليرموك.

وتعتبر الحكومة السورية هذه الاتفاقات الطريقة الامثل لانهاء فصول من الحرب المستمرة منذ ست سنوات والتي تسببت بمقتل اكثر من 320 الف شخص وبدمار هائل ونزوح وتشريد اكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

في المقابل، تعتبر المعارضة هذه الاتفاقات بمثابة “تهجير قسري”. وانتقدتها الامم المتحدة في وقت سابق.

المصدر: النهار