في ذكرى انطلاقة الثورة.. سياسيون سوريون للمرصد السوري: الثورة هي الشكل الوحيد من الحروب التي تنتصر بعد الهزائم

إنني أؤمن بحقي في الحرّية وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح.. ذلك شعار مختلف الثورات العربية ومن بينها الثورة السورية التي خرج ملايين الأشخاص مطالبين بالحرّية والعيش بكرامة والحياة الآمنة، دون أن يعلم أبناؤها أن تلك الانتفاضة السلمية ستتحوّل إلى أكبر حروب القرن الواحد والعشرين وسيكون ثمنها باهظا من الأرواح ومن الخراب والدمار والتهجير.
من وحي الإيمان بالثورة وبالانتصار جاب ملايين الثوّار شوارع سورية وأزقّتها حاملين آمالهم في صدورهم ،مرددين مطالبهم بالحرية والكرامة.. ولم يتوقعوا أن خيوط مؤامرة لحرف حراكهم، نحو متاهات التسليح ودخول القوات الأجنبية والجماعات المسلحة على الخط لتتداخل بذلك المصالح الواسعة.

عشر سنوات مرّت على أول هبّة شعبية سورية في الخامس عشر من شهر آذار / مارس 2011، وبرغم المآسي وتحول أحلام السوريين إلى كوابيس مع سيطرة لغة العنف والرصاص والدم وغياب الأمن، ظلّ السوريون مؤمنين بنجاح ثورتهم يوما ما، كما تؤكد المنظّرة الاقتصادية والفيلسوفة البولندية ، روزا لوكسمبورغ، أن الثورة هي شكل الحرب الوحيد الذي لا يأتي النصر فيه إلا عبر سلسلة من الهزائم”.
وإحياءً لهذه الذكرى، تحدّث المرصد السوري لحقوق الإنسان مع مجموعة من السياسيين والفاعلين السوريين الذين حول المشهد الحالي بعد عقد من الصراع والتوظيف السياسي لثورة سلمية انقلبت إلى أكبر حروب القرن ..

ويقول السياسي السوري المعارض يحيى عزيز، في تصريح للمرصد: من المعلوم أن الثّورات تمرّ بمرحلة يمكن تشبيهها بـ”الخداج”، تحتاج فيها مناخا وشروطا مناسبة، لنموها وتطورها وبقائها على قيد الحياة.
و”في ظل هذا الواقع المأساوي لا يزال النظام الحاكم يرفض الدخول الفعلي في العملية السياسية التفاوضية برغم قبوله نظرياً بقرار 2254 ومشاركته في اللجنة الدستورية ، حيث تحولت سورية إلى دولة فاشلة متصدعة الأركان باستثناء ركنها الأمني المتماسك بقبضته الأمنية ، تتنازعها علامات التقسيم إلى مناطق نفوذ خارجية وسلطات الأمر الواقع المحكومة بسياسات إقليمية ودولية نافذة في الملف السوري مع استمرار استعصاء الحل السياسي لسنوات في مرحلة اللا حل واللا استقرار”.
ويتابع: ” استنزاف حقيقي يدفع ثمنه الشعب السوري الذي أثقلته هموم المآسي والمعاناة مما ينذر بانفجار يكون أشد قوة وتأثيرا من ذلك الذي بدأ في آذار عام 2011 .. يلهب هذا الانفجار الجوع الذي يسيطر على أغلبية شعبنا السوري” .
ويخلص إلى التساؤل: ” أمَا آن الأوان أخيرا لإنهاء معاقبة السوريين على سعيهم من أجل العيش في مستقبل سوري أفضل لهم ولبلدهم ؟ “

بدوره يرى الأمين العام لحزب اليسار، عبد الله حاج محمد، في لقاء مع المرصد، أنه بعد عشر سنوات من المآسي في سورية وتراجع وتيرة الحرب والمعارك في البلاد لا تزال الجراح تنزف خاصة مع استمرار آلة القمع لدى النظام في أرض باتت فريسة لقوى أجنبية متناحرة،في حين ينوي الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة بحماية الطائرات الروسية والمليشيات الإيرانية التي تنازل لها عن كل السيادة الوطنية وهجر عشرة ملايين من السوريين وقُتل ما يقارب من المليون بالإضافة إلى المسجونين والمفقودين.. وبرغم أنّه أوحى بأن الحرب انتهت بفعل سياسة الدمار والأرض المحروقة إلا أن حياة السوريين اليوم أكثر سوءً من أي وقت مضى .
ويضيف عبد الله حاج محمد: “حتى الجهود الدولية لم تثمر في التوصّل إلى تسوية سياسية، وبدون هذه التسوية لم تتمكن روسيا من استقطاب الجهات المانحة لتمويل عملية الإعمار( كما يفعل وزير خارجيتها بالخليج)،لأن سورية الآن مسرح لتوتر روسي- أمريكي من جهة، وروسي- تركي من جهة ثانية، وإيراني -إسرائيلي من جهة ثالثة، وقد فجر هذا النزاع فيها أزمة هجرة لم يعرفها التاريخ أرعبت أوروبا وأضحى الوضع في سورية بعد عشر سنوات من الدمار بين نظام لايملك قراره بل سلمه لروسيا وإيران وكل منهما تدعي حمايته من السقوط، وبين معارضة ضعيفة ارتهن بعضها لتوافقات الدول التي فرضتها( الائتلاف) ومعارضة عسكرية سيطرت عليها جبهة النصرة وإنضوت تحت النفوذ التركي، وأمريكا المتمركزة في شمال شرقي سورية داعمة لقوات سورية الديمقراطية بحجة حماية البترول السوري ومنافسة الوجود الروسي والإيراني، وإيران التي تهدف إلى الوصول إلى البحر المتوسط برا ، ظل السوريون ينتظرون موقفا من جوزيف بايدن الذي شجعت تصريحاته الآمال بالوقوف معهم “.

ويشدّد محدثّنا “على أن لا حل في سورية إلا بتطبيق القرارات الدولية وإنشاء هيئة حكم كاملة الصلاحية، دون النظام الحالي، للوصول إلى إعلان دستوري وانتخابات يشارك فيها كل الشعب السوري بإشراف الأمم المتحدة، ولكن يبدو أن روسيا قد غيرت خطتها وعمدت إلى التفاهم مع تركيا التي تهدف بدورها إلى إقامة كنتون إخواني في شمال غربي سورية، ويتطلب هذا الأمر استبعاد إيران وهذا ما تبادر للعيان في اجتماع الدوحة”.

من جانبه، يرى المفكّر السوري برهان غليون، في حديث للمرصد، أن العالم العربي ككل يدفع ضريبة نصف قرن من سياسةٍ بائسةٍ تقوم على الإهمال والجشع وشهوة السلطة والجهل وانعدام الشعور بالمسؤولية الجماعية، ووضع السلطة في خدمة المصالح الخاصة لأهل الحكم وأبنائهم وأعوانهم وأزلامهم، في الوقت الذي لم يكفّ التقدم الحضاري، الاقتصادي والتقني، لكن أيضا القانوني والسياسي والأخلاقي في المجتمعات المركزية، عن توجيه تحدّياتٍ لم تحاول النظم السياسية القائمة حتى النظر إليها، والتعرّف إلى آثارها، ولم تنهل منها إلا ما يساعدها على إخضاع مجتمعاتها وإذلالها، وتعميق الهوّة التي تفصلها عنها، وهكذا تراكمت المعضلات والمشكلات التي لا حل لها، وكبرت المظالم والاختناقات والتناقضات التي لا تجد مجالا للتنفيس عنها أو للتخفيف من آثارها. فما كان منها إلا أن تفجّرت في وجه أهل الحكم أنفسهم، وفجّرت معها الصراعات العميقة، الاجتماعية والسياسية والثقافية والأيديولوجية التي كان في اعتقاد هؤلاء أن الأنظمة القهرية والقاهرة التي أفرزتها قادرة على تجميدها، بل إخمادها إلى الأبد..
ويتابع غليون: ” لم تقم هذه النخب التي تحولت اليوم إلى ما يشبه المافيات المحترفة والجبارة، بما تحوزه من موارد هائلة جرّاء سيطرتها على الدولة التي جعلت من هذه المافيات ذاتها المحاور الشرعي الوحيد للمجتمع الدولي والمؤسسات العالمية، بأي مبادرة أو استعدادات من شأنها أن تساعد الشعوب على مواجهة العاصفة أو حتى الحد من آثارها. وها هو نظام مثل نظام الوحش (الإسم الحقيقي للأسد) الذي تعترف المنظمات الحقوقية العالمية اليوم صراحةً بمسؤوليته عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتنشر الوثائق الدامغة عن هذه الاتهامات، يسرح ويمرح كما يشاء على ما تبقى له من الجغرافيا السورية، ويستمر في اعتقال السوريين وتعذيبهم وقتلهم من دون عقاب، ويستمع أعضاء مجلس الأمن لمرافعات مندوبه وشتائمه بشكل دائم، بل لا يمانعون في ترشيح هذا الأخير لرئاسة لجنة نزع الاستعمار، وهو الذي يمثّل نظاما يمارس شكلا مطوّرا وأكثر عنفا منه، داخل حدود سورية نفسها، وضد الشعب الذي يفترض أن يكون المسؤول الأول عن حمايته وضمان أمنه والدفاع عن حقوق كل فرد فيه”.

بدوره، يقول وزير الإعلام السوري الأسبق والسياسي حبيب حدّاد، في لقاء مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، تزامنا مع الاحتفال بالذكرى العاشرة للثورة السورية:” تمرّ السنوات على انطلاق انتفاضة الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة والعدالة بهدف وضع حد لنظام القهر والتخلف والفساد وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تواكب مسار العصر.. مياه كثيرة جرت تحت جسر هذه الانتفاضة التي فجّرها شباب سورية خلال تلك المرحلة والتي كان يؤمل منها أن تكون مشروع ثورة تحرّر وطني ديمقراطي، الأمر الذي أدّى إلى حرفها عن مسارها واغتيال أهدافها وتحولها قبل أن تُكمل عامها الأول إلى حرب أهلية طاحنة تستهدف كيان سورية ووحدتها ومصيرها” .

ويتابع الوزير الأسبق: “صحيح أن نظام الاستبداد الحاكم يتحمل المسؤولية الأولى في الوضع المأساوي الذي تعيشه بلادنا اليوم عندما واجه الحراك الشعبي السلمي باستخدام الأسلوب الأمني العسكري المتوحش الذي استهدف البشر والحجر وكل مقومات الحياة، وصحيح أن المجتمع الدولي يتحمّل بدوره مسؤولية خاصة في عدم الاضطلاع بواجبه بدعم مطالب الشعب السوري المشروع، لكن المسؤولية الكبرى كما يؤكد مسار الأحداث والتطورات حتى اليوم تتحملها تشكيلات المعارضات السورية وبخاصة الخارجية منها التي أعطت لنفسها دور الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري والمعبر عن إرادته.. سنوات عشر انقضت حتى الآن وهذه المعارضات لم تتقن مع الأسف إلا دور الأدوات المسخرة لخدمة أغراض الجهات الاقليمية والعالمية التي ارتبطت بها” .

“سنوات عشر انقضت حتى الآن والأزمة السورية تتفاقم أخطارها وتستفحل تحدياتها حيث الوحدة الوطنية والجغرافية لبلادنا تتعرض لأخطار التشظي والتفتت، وحيث الهوية الوطنية السورية العروبية تصبح هدفًا دائمًا لكل حملات تشويه الوعي العقلاني المسمومة.. سنوات عشر عجاف كان خلالها شعبنا ضحية وحشية المنظمات الإرهابية التي غزته من كل حدب وصوب والتي استهدفت تدمير قيمه وتراثه الحضاري ونسيجه المجتمعي وإنهاء دوره المتميز في دعم قضايا التحرر والعدل والسلام على صعيد العالم كله.. سنوات عشر بدا واضحًا للجميع أبعاد وأخطار ذلك المخطط الذي سموه صفقة العصر أو مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يشمل المنطقة كلها والذي يرمي إلى إعادة ترتيب أوضاعها بما يكفل تأبيد حالة التخلف والتجزئة والتبعية.. سنوات عشر تكشفت خلالها لكل القوى الوطنية والتقدمية العربية طبيعة الدور الخطير الذي اضطلعت به ومارسته قوى الإسلام السياسي وكذلك دور الفكر السلفي والانتقائي والتوفيقي في الحيلولة دون امتلاك الوعي العقلاني للماضي والحاضر من قبل أجيالنا في تطلعها لبناء المستقبل الحضاري المنشود “.

ويؤكد السياسي السوري”أن ما يتوجب في الذكرى العاشرة لانتفاضة الحرية والكرامة أن يقف الجميع وقفة مسؤولة لتقييم الوضع بوعي سليم للواقع الذي تعيشه البلاد اليوم، في الوقت الذي نقدّر ونجل التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا ولا يزال يقدمها كل يوم في ظل طبيعة الأخطار والتحديات التي يواجهها الآن.. علينا أن نتجاوز مشاعر الإحباط واليأس ونتسلح بإرادة التفاؤل والتصميم والأمل وندرك أن الخطوة الأولى في طريق الإنقاذ والانتصار هي أن نتمسك بالعروة الوثقى في حماية وجودنا ومصيرنا ومستقبلنا وهي وحدتنا الوطنية، التي تشكل هويتنا الوطنية السورية ملاطها المتين والجامع” .

ويختم بالقول:”في ضوء النتائج والحصيلة المرة التي تمخضت عنها أحداث السنوات العشر الماضية بتنا ندرك نحن السوريين أن أول خطوة في كفاحنا المشروع من أجل تحقيق أهدافنا في الوحدة والتحرر والديمقراطية هي أن نستعيد قرارنا الوطني المستقل وذلك لن يتحقق في الظروف الراهنة إلا بالدعوة إلى مؤتمر وطني سوري عام تحت إشراف الأمم المتحدة ،مؤتمر وطني حر الإرادة يضع خارطة طريق لمرحلة الانتقال تنفيذا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد