في سورية… جوع يفتك ووضع مأساوي يتطلب التدخّل

34

لم يكن سهلا على السوريين تحمّل المشاق والمعاناة عبر أكثر من عقد من الزمن وهم محاصرون بثنائي الجوع والحرب.. ما عاشوه كان استثنائيا مؤلما بطعم العلقم، فكيف لعائل أن يتحمّل رؤية رضيعه جائعا وفلذة كبده معتلا دون القدرة على توفير الحاجيات والأدوية؟.. فالليرة منهارة والرواتب لا تتجاوز بعض الحفنات التي لا تسدّ رمق عطشان أو جائع، وبرغم ذلك كابد السوريون ولازالوا يتمسكون بصراط الأمل للعيش.

كم هو صعب أن تتجول وسط سوق أسبوعية تشاهد الخضروات والغلال واللحوم ولا تقدر على شراء ولو الجزء اليسير جدا مما تحتاجه الأسرة!.. ومع ذلك تتجمّل بالصبر والانتظار لعل الواقع المرّ يتغير ولعل هذا الكابوس ينقشع وترتسم البسمة على محيّا هذا الشعب الذي قاوم أكبر حروب القرن الحالي ولا يزال صامدا.
يفتك الجوع والفقر بشعب تعيش غالبيته تحت خط الفقر المدقع، وقد ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤخرا أن نحو 90% من السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وأكثر من 15 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

ودعت المجتمع الدولي إلى مواجهة الحقيقة الصعبة التي تؤكد أن الوضع في سورية لا يُحتمل، وأن عدم التحرك سيترك تداعيات خطيرة على جميع المعنيين، وسيعيق أي احتمالات للتوصل إلى تعافٍ مستدام.

وهذه التصريحات سبقتها صيحات فزع من الأمم المتحدة التي أكدت أن المجاعة تفتك بالسوريين وأن الوضع بات مرعبا في وقت عادت الأمراض المعدية وغيرها نتيجة سوء التغذية وتلوث المياه والتلوث عموما إلى الظهور، مشددة على أن ضعف وصول المساعدات إلى مختلف المناطق التي يسيطر عليها النظام والتي تسيطر عليها المعارضة ومناطق الشمال السوري سيتسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة، خاصة مع الغلاء المشط في أسعار المواد الأساسية وعدم قدرة السكان على توفيرها ما يضطرهم أحيانا إلى خلط حليب الأبقار بالمياه وتقديمه للرضّع، وغيره من الظواهر الغريبة التي يلجأ إليها السوريون للعيش.
السوريون الذين حاصرتهم القوى من الداخل والخارج وجردتهم من قوتهم وقواهم باتوا اليوم أمام وضع مأساوي لا يحتمل الانتظار فلا أحد يتحمل الجوع.

تلك الوضعية المأساوية فاقمت أزمة المساعدات الإنسانية التي يتحكم فيها الفيتو الروسي وحتى الصيني المساند للنظام ، حيث تتأرجح آمال هؤلاء بين مزاد روسيا والداعمين لها ودمشق، حيث توضع حياة الملايين كل ستة أشهر على المحك في مشهد دراماتيكي محزن.

لقد باتت المعابر تحت رحمة المضاربين بقوت السوريين وأصبحت مدخلا لتحقيق مآرب سياسية واستغلال مواقف على حساب الجوع، علما وأن معبر باب الهوى الوحيد المتبقي الذي تصله المعونات بتباطؤ وسط اتهامات للنظام السوري بالسعي للسيطرة عليها وبالتالي التحكم في مؤونة الملايين بالشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة على الحدود مع تركيا.

وتحدثت تقارير عن مساعي روسية بالتعاون مع دمشق لاستخدام الفيتو في مجلس الأمن لغلق المعبر وتمرير المساعدات عبر دمشق، ذلك ما يثير سخط المعارضة التي تعبر عن رفضها لمثل هكذا خطوات قد تفجر الوضع وتخلق أزمة إنسانية خانقة، علما أن مناطق النظام السوري ليست الأفضل حالا بل تعيش على وقع جوع صامت.. فمن يتجرأ ويعلي صوته برغم الجوع ؟؟.. وحتى المساعدات إن بلغت غالبا ما تنهبها “الشبيحة” وتتاجر بها في السوق السوداء أمام أعين السلطات ومرآى منها وهي تصرفات كان المرصد السوري قد حذر مرارا من خطورتها وتداعياتها.

وتسعى روسيا لاستخدام ورقة المعابر في الشمال السوري لدعم موقف دمشق السياسي، وتوفير الدعم الاقتصادي سيما أن قيمة الأموال المتدفقة عبر المساعدات تُقدر بمئات ملايين الدولارات سنويا، ويعمل النظام وحلفاؤه على الاستحواذ عليها، بتعلة الحق السيادي في السيطرة على كل المعابر والتحكم فيها.
صورة سوداوية للوضع في سورية التي يحاصرها العنف والدم والتنظيمات المتطرفة والجوع والقهر والصمت القاتل بعد سنوات من التعبير والتحذير حتى جفّت الأقلام وبحّت الأصوات .. كارثة إنسانية لا يمكن أن تحلها منظمة أممية أو نظام عالمي رأسمالي يقوم على المتاجرة بشقاء الشعوب ولا يعير اهتماما لآلام الأطفال وآهات الأمهات والثكالي.. كارثة تحتاج إلى إرادة وطنية حرة، إلى حل سياسي سلمي في سورية تجتمع حوله مختلف الأطراف المتحاربة بغية بناء” وطن الجميع”.

ومع الصيحات التي ترد يوميا منددة بسياسة دولية هدفها تجويع السوريين لحسابات سياسية ضيقة ، يذكّر المرصد السوري من جديد بأنّ أكثر من نصف السويين تحت عتبة الفقر المدقع يعانون انعدام الأمن الغذائي، وقد أصبحت سورية من بين الدول التي تعاني أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في العالم.
كما يلفت إلى أن معاناة الجوع لحقتها معاناة المرض خاصة بعد قصف المشافي وعدم توفر الأطباء والأدوية، إضافة إلى معاناة مرضى السرطان الذين يكابدون أوضاعا صعبة مع قلة الحيلة وعدم توفر المال للسفر والتداوي، علما أن استقبال تركيا للبعض منهم يوميا لا يمكن أن يحل مشكلة أكثر من 300مصاب أغلبهم من النساء .
ويدعو المرصد السوري إلى تغليب مصلحة السوريين على بقية المصالح السياسية ، مشددا على أن الحوار بين مختلف الأطراف وخاصة المعارضة الرصينة قد يحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لشعب مقهور يتصارع مع آفة الجوع والخصاصة.
ويشير إلى أنّ ترحيل اللاجئين من تركيا أو لبنان إلى بلد منهك وبنية تحتية مدمرة، ودون ضمانات دولية وإقليمية، سيخلق أزمة جديدة خطيرة..
ونؤكد أن انفراج الأوضاع يبدأ مع رسم خطة واضحة تضع حدا لآلام الماضي مع المحاسبة لكل من أجرم في حق الشعب وكل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، وكل من قصف وعنّف وقتل ودمر…. محاسبة قانونية بعيدا عن التشفي ولغة الدم والسلاح.