المرصد السوري لحقوق الانسان

في معنى التاريخ: لماذا غّيرتْ إيران أسماء شوارع مدينة الميادين ( الرحبة)، واتخذتها عاصمة لمشروعها الطائفي؟

تجرأتْ المليشيات الإيرانية على تغيير أسماء شوارع تاريخية في مدينة الميادين، واستبدلتها بأسماء طائفية كـ ” شارع الخميني” و ” شارع قاسم سليماني” وغيرها. ومن بين الشوارع التي تم تغيير اسمائها “شارع الجيش”  كأهم شارع في المدينة، ليحمل اسماً طائفياً بلغة فارسية، في محاولة إيرانية للانتقام من المدينة تاريخياً، وجغرافياً، وديموغرافياً، وفي إطار عملية ممنهجة لاغتيال العقل الجمعي السوري بدءاً من مدينة الميادين، التي أصبحت عاصمة المشروع الإيراني الطائفي، ومركز ثقله في سورية.

في قراءة سيمائية لدلالات ماتقوم به المليشيات الإيرانية في الميادين، يتبدى معنى التاريخ وحدسه، فقبل الإسلام وفي الجغرافيا ذاتها، فتكَ صاحب المعلقة الشهيرة عمرو بن كلثوم التغلبي، وجد أمير الرحبة ( الميادين حالياً) مالك بن طوق بأقوى وأشرس ولاة الفرس عمرو بن المنذر؛ الذي كان يحكم المنطقة من الحيرة قرب النجف اليوم إلى حوض الفرات؛ فانتزع منه المُلك في حادثة المعلقة الشهيرة.

في مراحل مابعد الإسلام، اضطلعت مدينة الرحبة ( الميادين حالياً) بمقاومة الخوارج الذين ظهروا في الجزيرة الفراتية بقيادة الضحاك بن قيس الشيباني سنة 128ه – 746 م، الذي حارب الدولة الأموية و كفرها.  وعلى أسوار قلعة الرحبة اندحر القرامطة بعد أن استولوا عليها بقيادة أبو طاهر القرمطي سنة  212هـ – 827 م، قبل أن ينتفض أحمد بن مالك بن طوق التغلبي لاستعادتها في العام 218هـ – 833 م.

شهدت الرحبة صراعات داخلية خلال حكم أبي تغلب بن حمدان بن ناصر الدولة، فاستولى عليها البويهيين الساسانيين سنة 381هـ – 978 م، الذين أخذوا على عاتقهم  – خلال حكمهم لغرب بلاد فارس و كامل العراق- رعاية الحركة الشعوبية، إلا أن أهالي الرحبة سرعان ما استعادوها، قبل أن يعهد صلاح الدين الأيوبي بحكم الرحبة لقادته أمثال يوسف بن الملاح وشريكوه، حيث بقيت تحت الحكم الأيوبي قرناً من الزمن ( 1164م- 1264 م).

في العام  712هـ – 1312 م، حاصر المغول مدينة الرحبة وفشلوا في الاستيلاء عليها؛ بسبب مناعة أسوار قلعتها. و تذكر كتب التاريخ أن قائد المغول خربنده – الذي كان يفرض التشيع بالقوة- ترك وراءه المدافع التي حاصر بها المدينة، فاستولى عليها المدافعون، ونقلوها إلى داخل القلعة.

 الحوادث التاريخية ذاتها، صاغت عقلاً جمعياً، حال – في مراحل لاحقة- دون قدرة الصفويين على نشر عقيدتهم في مناطق الجزيرة والفرات، بالرغم من سيطرتهم على بلاد مابين النهرين سنة 1618 م، حيث ظلت الرحبة وقلعتها حصناً منيعاً لصد هجمات الصفويين وملاحقتهم.

 وعليه؛ يبدو التغول الإيراني في الميادين بشكل خاص، وفي سورية بشكل عام، رهاناً آخر للتاريخ والجغرافيا في مواجهة الإيديولوجيا؛ والمنتصر في هذا الرهان هو من يقرأ التاريخ كمعنى وحدس، وليس مجرد واقعة حدثت وحسب.

على صعيد النسيج المجتمعي، تتميز الميادين عن الكثير من المدن بحالة غرائبية غير معهودة في المدن، فجميع أبنائها تربطهم صلات القربى، إما نسباً كغالبية عظمى، أو حسباً بسبب تاريخية من سكنوا في القلعة فالمدينة.، ومن النادر أن تجد ميادينياً واحداً لا تربطه صلة قربى بالآخر، أو لا يعرف أهالي المدينة بيتاً بيتاً.

تحرياً للدقة، يوجد في الميادين عائلتان مسيحيتان، شكلتا تاريخياً مصدر فخر وتقدير من قبل جميع أبنائها، أحدهما عائلة الأرمني، الذي يعد مرجعاً صناعياً في المدينة، وعائلة ” البابيك” التي تعتبر أيقونة ميادينية تاريخية، و يُعد أبنائها وجهاً من وجهاء وأعيان المدينة، يشاركون أهلهم أفراحهم وأتراحهم، فأصبحوا محط تقدير واعتزاز الجميع، لما تميزوا به من العطاء والأخلاق والطيبة والعلم.  

تشكل الميادين اليوم الممر الاستراتيجي للكريدور الإيراني الممتد من طهران فالعراق، فسورية، فالمتوسط، ولهذا تلعب إيران على إطالة أمد الصراع، مستفيدة من عامل الوقت، بغية تغيير البنية المجتمعية في الميادين، حيث تعمل على تشكيل مجتمعات عسكرتارية مؤدلجة، تساعدها على التمكين جغرافياً من الممر، مستغلة في ذلك الظروف المعيشية للقلة المتواجدين في الداخل، و عدم قدرة أكثر من 90 % من أهلها على العودة إليها.

أمام هذه الثنائية تعمل إيران على تكريس الحواجز النفسية العميقة بين أبناء الميادين المتواجدين في الداخل، و أولئك الذين مازالوا في الخارج، في إطار سياسية ممنهجة تؤسس – حتى في حال إنجاز التسوية السياسية- لانقسامات مجتمعية مستدامة، أقسى بكثير من انقسامات ثنائية النظام والمعارضة كحالة سياسية عابرة.

بالنسبة لأبناء الميادين، مازال تاريخ مدينتهم عشقاً يحملونه إينما حلوا وارتحلوا، ومازال شارعهم الأغلى -شارع الجيش- ملتصقاً بذاكرتهم، كمحج لفعالياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ومركز لتجمعاتهم، وأعيادهم، و أعراسهم، ومآتمهم. وهو قبلة أدباء، وشعراء، وفناني، وعشاق، ومثقفي الميادين، الذين دوّنوه في أشعارهم وكتاباتهم، أحاديثاً، وقصصاً، وهمهمات، وهمسات، وتواريخ، وقصائد حب، أصبحت معها” كل الشوارع،  لشارع الجيش رصيف”.

 

د. محمد خالد الشاكر

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول