قاعدة التنف الحدودية الجنوبية… ساحة تبادل رسائل روسية أميركية

تشهد قاعدة التنف العسكرية التابعة للتحالف الدولي لمحاربة «داعش» بقيادة واشنطن، عند الحدود السورية الأردنية العراقية، المعروفة باسم منطقة الـ55 كم، تطورات جديدة أعادت الاهتمام لتلك الساحة النائية مع فصيل «مغاوير الثورة» الذي قال في تغريدة على «تويتر»، الخميس الماضي، إن التدريبات الأخيرة تمت بالذخيرة الحية في ميدان الرماية لبناء قدرات مقاتلي الفصيل.

الاهتمام بالقاعدة من جديد، من قبل التحالف الدولي، جاء في أعقاب استهداف طائرات مقاتلة روسية في يونيو (حزيران) الماضي، لإحدى نقاط «جيش مغاوير الثورة»، المدعوم من التحالف في المنطقة، حسب ما صرحت به القيادة المركزية الأميركية عبر «تويتر». وكان الفصيل قد أعلن في منتصف يونيو، عن تعرض أحد مواقعه في التنف، لهجوم من طائرات مجهولة، قال إنها لم تحدث إلا أضراراً بسيطة في الموقع المستهدف، ولم توقع خسائر بشرية في صفوف عناصره، واصفاً الهجمات بأنها «تهدف إلى إيذاء المدنيين في منطقة خفض التصعيد».

وتمثلت التطورات التي أعقبت الاستهداف الأخير، في زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال مايكل كوريلا، منتصف يوليو (تموز)، للقاعدة الأميركية، واجتماعه مع قيادات «جيش المغاوير»، الذي يتلقى تدريبات ودعم التحالف منذ سنوات، وهو فصيل معارض تشكل عام ٢٠١٤ من منشقين عن الجيش السوري، ويتحدر معظم عناصره من مناطق البادية شرق سوريا.

وسبق الزيارة، نشر «المغاوير» في 6 يوليو، صور تدريبات على أسلحة صاروخية أميركية من نوع «هايمرز»، وهي صواريخ زودت بها أميركا الجيش الأوكراني مؤخراً في الحرب مع روسيا. مسؤول المكتب الإعلامي في «جيش المغاوير»، عبد الرزاق خضر، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن منطقة الـ55 كم التابعة للتحالف في سوريا، تتعرض بين الحين والآخر «لهجمات عسكرية ليس لها مبرر»، لكن التدريبات التي يجريها «جيشه»، والقدرة على سرعة الانتشار وتلقي المعلومات من قيادة التحالف، كان لها أثر إيجابي كبير ساهم في تقليل الخسائر واقتصارها على الماديات. وسيساعد تزويد «جيش المغاوير» بالسلاح النوعي، في شن معركة أو في الدفاع عن النفس، حسب تعبير المسؤول الإعلامي، الذي أكد أن قوات «(مغاوير الثورة)، التي لا تزال موجودة حتى اليوم في منطقة الـ55 كم، تحظى بدعم عسكري ولوجيستي من قوات التحالف في قاعدة التنف».

في العموم، توجد نقاط عسكرية لـ«المغاوير» داخل وعلى أطراف منطقة الـ55 كم، مهمتها تأمين حماية المنطقة من هجمات «داعش» والميليشيات الإيرانية، ومكافحة تهريب المخدرات، بالتعاون مع الدوريات المشتركة للقوات الأميركية.

وتحظى منطقة التنف بأهمية جغرافية استراتيجية، فهي تقع على مثلث التقاء سوريا والعراق والأردن، ويقابل التنف من الجهة العراقية معبر الوليد الحدودي، كما أن المنطقة تعد طريقاً برياً يربط بين إيران وسوريا مروراً بالعراق. ووجود قاعدة التحالف مع الفصائل في منطقة الـ55 كم، قطع طريق دمشق – بغداد الذي يشكل الشريان الرئيسي لإمداد الميليشيات الإيرانية إلى سوريا.كانت وزارة الدفاع الروسية قد نشرت بياناً وشريطاً مصوراً في 16 يونيو الماضي، قالت إنه لاستهداف مجموعات مسلحة مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية في الصحراء السورية. واتهمت الدفاع الروسية، في بيانها، هذه المجموعات، أنها اخترقت، سراً، الصحراء السورية، وخططت لهجمات على منشآت صناعة النفط في المنطقة.

واستغلت القوات الروسية ظهور مجموعات في عام 2021، أطلقت النار على حافلة مدنية على حدود محافظتي الرقة ودير الزور لتلقي التهمة على «مغاوير الثورة». كانت وكالة «سانا» الرسمية، قد تحدثت عن مقتل 11 عنصراً من قوات النظام ومدنيين اثنين، بينما جرح آخرون جراء هجوم استهدف حافلة تقلهم في ريف محافظة الرقة، بالتزامن مع حملة عسكرية كانت تقوم بها قوات النظام السوري بدعم وإشراف روسي بباديتي البشري ومعدان، بهدف ملاحقة خلايا التنظيم وتثبيت نقاط جديدة في المنطقة.

وسبق الضربة، تحذير روسي للجيش الأميركي، كشفت عنه شبكة CNN»» الأميركية، نقلاً عن مسؤولين دفاعيين أميركيين، من أن الطيران الروسي سيشن ضربات جوية ضد مسلحين محليين متحالفين مع واشنطن في جنوب شرقي سوريا.

تهديد للميليشيات الإيرانية

حسب مراقبين، فإن قاعدة التنف العسكرية لا تشكل خطراً على مصالح روسيا في المنطقة بقدر تأثيرها على المخطط الإيراني، لكنها تتحول إلى ساحة رسائل بين الطرفين؛ الروسي الذي طالما وصفها في تصريحات إعلامية بـ«أرض سورية محتلة»، والولايات المتحدة التي وجدت فيها حماية لمصالحها ومصالح حلفائها بالمنطقة ومنطلقاً لمحاربة «داعش». وتتصاعد وتيرة التصريحات الروسية الأميركية عند الحدود السورية الأردنية، حسب معطيات وسياسة كل مرحلة، وتعد هذه الزيارات والتدريبات الأميركية والدوريات الروسية الأخيرة بمثابة رسائل متبادلة بين الأطراف الدولية تعلن استمرار وجودها ودفاعها عن مصالحها في المنطقة.

تعد منطقة الـ55 كم على الحدود السورية الأردنية العراقية، «منطقة خفض تصعيد». وظهر اسم «قاعدة التنف» التابعة للتحالف الدولي بقيادة واشنطن، في عام 2015، على أرض التنف، وهي منطقة حدودية تابعة لمحافظة حمص السورية، بعد أن تم طرد تنظيم «داعش» منها، وقد أنشئت تحت شعار محاربة التنظيم الذي كان نجمه يشهد صعوداً في سوريا والعراق في تلك الفترة. وتزامن ظهور قاعدة التنف، أيضاً، مع تشكيل قاعدة حميميم الروسية في اللاذقية السورية عام 2015.

تعرضت القاعدة التابعة للتحالف بقيادة أميركا، لأول محاولة استهداف أو تهديد في 18 مايو (أيار) 2017، عندما حاول رتل عسكري تابع لقوات النظام السوري وميليشيات إيرانية، الاقتراب من منطقة التنف، وأوضح «مغاوير الثورة»، في حينها، أن الرتل تألف من أربع دبابات، وعربة شيلكا، و12 شاحنة بعضها محمل بمضادات طيران، وقد استهدف من قبل طائرات التحالف بعد تجاهل تحذيرات بعدم الاقتراب من منطقة القاعدة. واعترف الإعلام السوري وقتها أيضاً بخسائر مادية وبشرية قرب التنف، بعد الضربة الأميركية تلك.

وبعد هذه الحادثة بأيام، ألقت طائرات التحالف منشورات ورقية على مناطق سيطرة قوات النظام السوري القريبة من التنف، في مناطق تل شحمي وجليغم وظاظا تحذرهم من الاقتراب من قاعدة التنف بمسافة 55 كم، ومن هنا بدأت تسمية المنطقة المحيطة بقاعدة التنف بمنطقة الـ55 كم. وباتت هذه المنطقة محظورة الطيران وتحظى بحماية التحالف الدولي، ما دفع النازحين من المعارك ضد «داعش» ومعارك النظام والمعارضة من سكان وأهالي البادية السورية، إلى إنشاء مخيم في منطقة الركبان داخل هذه المنطقة الأمنية. كما دخلت المنطقة فصائل محسوبة على المعارضة تنتشر في البادية السورية، ووجدت في التنف ملجأ، أبرزها «جيش مغاوير الثورة» و«قوات الشهيد أحمد العبدو» و«لواء القريتين».

المصدر: الشرق الأوسط