قانون “قيصر”.. بين افتراض عقاب النظام والتداعيات السلبية على المواطنين

55

سوريا-07 يونيو/حزيران-2020

من المتوقع والمرتقب أن يدخل القانون الأمريكي المعنون “قانون قيصر” حيز التنفيذ، اعتبارا من السابع عشر من يونيو/حزيران الجاري، حيث تبدأ الولايات المتحدة في الإعلان تباعا عن أول حزمة من العقوبات الاقتصادية ضد النظام السوري، وفقا للقانون الجديد الذي أقره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل عدة أشهر.

وبموجب القانون، ستتمكن الولايات المتحدة من فرض عقوبات على الأسد وملاحقة الأفراد والشركات التي تمول النظام سواء كانوا سوريين أو أجانب. كما يسمح القانون بتجميد أصولهم ومنعهم من الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

قانون قيصر.. عقوبات واستهداف للبنية المالية

ومن المقرر أن يؤدي تفعيل القانون إلى شلّ مفاصل الاقتصاد السوري، من خلال استهداف البنية المالية له (مصرف سورية المركزي) والشبكات المرتبطة به، بالإضافة إلى وضع قيود على حركة التبادل الاقتصادي بين النظام وحلفائه فيما يتعلق بالتمويل وغيرها من الإمدادات الخاصة بالأسلحة ومواد أخرى. ويتضمن القانون بنود تسمح بفرض عقوبات على إمداد النظام بكل ما يساعد على استمرار الحرب السورية.

ويسعى القانون إلى التأثير على المصانع العسكرية والبنى التحتية والمصرف المركزي في سورية، كما يسمح بمعاقبة روسيا وإيران في حال استمرارهما في دعم نظام بشار الأسد.

وكان مجلس الشيوخ الأمريكي، صادق على “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” عام 2019، وأطلق على القانون اسم “قيصر” نسبة إلى مسؤول سابق في نظام الأسد، التقط آلاف الصور الفوتوغرافية لضحايا التعذيب والانتهاكات ضد السوريين. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت بالفعل عقوبات على عدد من كبار المسؤولين السوريين، لكن الصلاحيات الجديدة ستسمح بـ”استهداف الشركات الأجنبية إذا ثبت أنّها تدعم القمع”.
ومن المقرر أن يستثني قانون قيصر مناطقَ الإدارة الذاتية، حيث سيتم العمل والتنسيق المشترك في إطار برامج الدعم الأمريكي.

حسن عبد العظيم: قانون قيصر ثمرة جهود أمريكية-سورية

وفي الإطار ذاته، قال المنسق العام لهيئة التنسيق المعارضة حسن عبد العظيم، إن “المتابع لنشرات الأخبار على القنوات الفضائية العربية والإقليمية والدولية المهتمة بالتطورات السياسية والميدانية في سوريا والإقليم والعالم، سيتبين أن قانون قيصر الأمريكي كان ثمرة جهود سورية وأمريكية ومنظمات مجتمع مدني وقوى سياسية وكيانات تفاوضية بدأت من شخصية عسكرية صورت إجراءات التعذيب الوحشية للمعتقلين التي تنتهي في غالبيتها بالموت أو الإعاقة الجسدية أو بالانهيار النفسي والاعتراف الاضطراري بالتهم التي تضمنتها تقارير المخبرين الكاذبة والاستناد إليها وإلى قوانين استثنائية لإصدار أحكام ظالمة مبرمة عن محاكم استثنائية أو ميدانية بعقوبات تتراوح بين الإعدام والمؤبد والعقوبات الجنائية المؤقتة بين حديها الأدنى والأعلى 3 إلى 15عاما مع الأشغال الشاقة”.

وأضاف “عبد العظيم” أن العديد من منظمات المجتمع المدني السورية، من محامين وناشطين حقوقيين وقضاة ومدنيين، ساهموا في مهمة العمل على توثيق الجرائم بحق الإنسان التي كشف عنها (قيصر) أو التي أدلى بها معتقلون تم إطلاق سراحهم بعد الإفراج عنهم أو تمكنهم من الفرار، حيث عُرض ما تم توثيقه على الأمم المتحدة ومؤسساتها وعلى الدول الداعمة للمعارضة من أصدقاء سورية، بما في ذلك منظمة أمريكية غير حكومية شكلت فريق عمل (سوريا للطوارئ) برئاسة المدير التنفيذي معاذ مصفى والعضو الثاني في الفريق أسعد حنا”.

وتابع حسن عبد العظيم: “انضم إلى فريق قانون قيصر أحزاب سياسية ومؤسسات تشريعية وتنفيذية وعسكرية أمريكية للمساهمة في إصدار القانون والعمل على تنفيذه للضغط على النظام والدول الفاعلة لإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين الذين يرفض النظام إطلاق سراحهم وبيان مصير المفقودين والأسرى والمغيبين، تنفيذا لقرار مجلس الأمن 2254/2015، حيث يرفض النظام الانخراط في العملية السياسية التفاوضية ويتهرب من إرسال فريقه في اللجنة الدستورية إلى جنيف كمدخل للمسار السياسية وعملية الانتقال السياسي لتنفيذ بيان جنيف 1، والقرارات الدولية وأهمها القرار 2253”.

وأردف، “وكان لهذا النشاط اثره في تشكيل رأي عام أمريكي ومنظمات حقوقية مدنية أمريكية وأوربية ضاغطة وتيار واسع في الكونغرس بمجلسيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ يتبنى يدعم الموافقة على إصدار قانون قيصر في العام الماضي وموافقة الرئيس على إصداره في نهاية العام الماضي وتنفيذه بعد ستة أشهر تدريجيا في 17 من الشهر الحالي وشمول هذا القانون للحلقة الضيقة في قمة السلطة من عسكريين ومدنيين ومن يتعاون معهم أو مع النظام من تجار مستفيدين أو أحزاب أو قوى سياسية وأحزاب أو دول أو شركات أو مؤسسات أو مصارف أو مع المصرف المركزي بما في ذلك الدول الحليفة للإدارة الامريكية في الإقليم والمنطقة العربية والاوروبية والعالم مع استثناء المساعدات الانسانية والاغاثية والطبية والعمل على اخراج الحرس الثوري الإيراني والميليشيات المذهبية التابعة له من سورية”.

وبخصوص العقوبات التي سيفرضها هذا القانون ، قال حسن عبد العظيم، أنه سيكون له تداعيات على الاقتصاد السوري الذي يتعرض للانهيار وعلى الوضع المعيشي لطبقة واسعة تحت خط الفقر والبطالة غير أن تداعياتها على قمة النظام وداعميه ستكون كبيرة وبخاصة في الانقسام والشرخ الظاهر بوضوح في قمة السلطة تجعله مضطرا للرضوخ للضغوط الأمريكية والأوروبية والروسية للقبول بالانخراط في العملية السياسية التفاوضية في جنيف تلافيا لانطلاق ثورة الجياع في كل انحاء سورية.

محمد خالد الشاكر: تغيير النظام أم تغيير سلوك “ضامني” العملية السياسية

وفي نفس الإطار، قال أستاذ القانون الدولي محمد خالد الشاكر، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن “مدرجات قانون قيصر يمكن أن تتضمن شقين، الأول سياسي يتعلق بفرض عقوبات على داعمي النظام السوري، والثاني إجرائي قانوني يتعلق بتقديم الدعم للسوريين والكيانات المعنية بجمع الأدلة للمحققين بجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سورية منذ مارس/آذار 2011”.

وصرح: “تعود المرجعية القانونية لإصدار قانون قيصر كإجراء لحماية المدنيين، وهو ما كان آخر أولويات القوى المتصارعة في سورية، فالشعب السوري يموت ويتشرد ويجوع منذ أكثر من تسع سنوات، دون وصول الأطراف المتصارعة لصيغة قادرة على حماية المدنيين السوريين. وكما هو ثابت في واقعية العلاقات الدولية، فالدول ليست جمعيات خيرية، لذلك من الأرجح أن القانون لن يتجه نحو تغيير سلوك القوى الداعمة للنظام السوري وحسب، بل لإحداث تغيير في شكل ومسار العملية السياسية برمتها، وإعادة موقع الرؤية الأمريكية فيها، وبالأخص تغيير سلوك القوى التي تستحوذ على الملف السوري أي بالتحديد (روسيا، تركيا، إيران)”.

وأكد الشاكر أن “الهدف الذي جاء من أجله القانون هو مساءلة النظام لما ارتكبه من فظائع، وستكون هي الأخرى أحد محددات العملية السياسية التي تريد من خلالها الإدارة الأمريكية مساحة أكبر للتأثير في الملف السوري، ودليل ذلك أنّ الإدارة الأمريكية استثنت من قانون قيصر مناطق شمال شرق سورية دون غيرها، الأمر الذي يشير إلى أنها رسالة لـ(ضامني) العملية السياسية (روسيا، تركيا، إيران)، في إشارة لها دلالات كبيرة لوجودها بقوة في الملف السوري إلى حد الإيحاء بقدرتها في تحديد شكل ومستقبل الدولة السورية كمهمة روسية جرى الاتفاق عليها، عدا تواجدها المتعلق بثنائية حماية النفط ومحاربة تنظيم الدولة”.

ويعتقد “الشاكر” أن الإدارة الأمريكية نفسها، ومن خلال الكثير من التجارب التاريخية المتعلقة بفرض العقوبات، تدرك أنّ إمكانية قانون قيصر في التأثير على بنية النظام الأمنية والعسكرية، ستكون ذات أثر محدود، إذا لم تقترن هذه الإمكانية بإحداث تغيير فعلي، ليس في سلوك إيران وروسيا وحسب، بل في تغيير صيغة وتفاهمات أستانا برمتها، خصوصاً أن العملية السياسية في سورية ستبقى عرجاء”، مضيفا: “وفي حالة استعصاء دون الوصول إلى تفاهمات أمريكية – روسية قد يكون قانون قيصر أحد مدخلاتها، لا سيما وأن القانون يشمل العقوبات على كل من يقدم الدعم المالي أو العسكري أو التقني من الشركات والأشخاص والدول بما فيها روسيا وإيران”.

ومن جهة أخرى، اعتبر محمد خالد الشاكر أن “القانون يستهدف كل من يقدم الدعم لإعادة الإعمار، وهو ما يفهم منه أن لا عملية سياسية جادة بدون عودة آمنة للاجئين، يسبقها إعادة إعمار لبيوتهم المدمرة، خصوصاً وأنّ تفاهمات ثلاثي أستانا لا تزال تنأى عن واقع هذا الحال، وتجنح نحو نوع من تحالف الضرورة الذي لا يزال يتعلق بتحديد مناطق النفوذ ورسم خطوط التماس، وهي العملية ذاتها التي وصلت إلى طريق مسدود، أثبتته الحرب المباشرة بين الثلاثي في إدلب، التي انعكست على المدنيين، الأمر الذي يعكس خلافات بنيوية وعميقة بين الضامنين أنفسهم في سوريا”.

وتابع أستاذ القانون الدولي أن “المؤشرات المذكورة سالفا من شأنها أن تبقي العملية السياسية في حالة من الاستعصاء وانسداد الأفق الذي سئم منه السوريون، بعد أن انعكس وبالاً على أحوالهم الاقتصادية والأمنية، سواء في مناطق النظام أو مناطق المعارضة، بل وأصبحت حالة الهشاشة والفقر التي يعاني منها أهالي تلك المناطق أحد أدوات السيطرة للتحكم بالمدنيين سياسياً وعسكرياً، وبالتالي فشل صيغة أستانا في تحقيق أدنى مقومات الحماية للمواطنين أمنياً واقتصادياً حتى هذه اللحظة”، وفق تقديره.

أما بالنسبة للشق المتعلق بتقديم أفضل السبل لمساعدة ودعم السوريين والكيانات المعنية بجمع الأدلة للمحققين بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سورية منذ مارس 2011، التي تضمنها قانون قيصر، فيعتقد “الشاكر” أن “القانون قادر على المدى المنظور على إحداث أي أثر قانوني يحقق المساءلة الدولية لمرتكبي الجرائم الدولية والجرائم ضد الإنسانية في سورية، قبل إحداث تغيير بنيوي في العملية السياسية، يكون قادراً على تطبيق فكرة العدالة الانتقالية، التي ترتكز على المساءلة وجبر الضرر وإعادة الاعتبار لكرامة المواطنين كبشر”، مضيفا: “وبالتالي، فإن الآثار القانونية لقانون قيصر تحتاج إلى شعور الضحايا بالأمان في بلدهم، وعدم الضغط عليهم من أية سلطة كانت، والأهم من ذلك تعزيز حقوق الإنسان في مراحل ما بعد الصراع، وذلك بأن تكون المؤسسات السياسية والدستورية كالبرلمان والقضاء والشرطة والنيابة مستقرة وشفافة، وهو ما يعيدنا من جديد إلى ضرورة إحداث تغيرات جذرية في مسار وشكل وأدوات العملية السياسية”.

واختتم “الشاكر” بالقول إنه “بالتالي، يمكن القول إنّ قانون قيصر قد يكون عصا أمريكية لتغيير سلوك القوى الفاعلة الآن في العملية السياسية، أكثر من كونه إجراءاً لتغيير سلوك النظام ذاته على المدى المنظور”.

إبراهيم مسلم: الضرر يقع على الجميع

من جهته، أوضح الأكاديمي والباحث السياسي السوري المعارض الدكتور إبراهيم مسلم، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن “قانون قيصر” موجه أساسا ضد النظام السوري إلا أن “الجميع سيتضرر منه، لأن الاقتصاد السوري متكامل، كما أن جميع المناطق السورية تتعامل بالليرة السورية باستثناء مناطق سيطرة الفصائل الموالية لتركيا التي تتعامل بالليرة التركية”.

وأضاف: “شئنا أم أبينا، لا يمكن تجاوز حقيقة أن الاقتصاد السوري متكامل، والمنطقة بشكل عام ستتضرر من هذا القانون”. وذكر أن “هناك إجراءات للحد من توسع الضرر”، مذكرا بتصريحات قيادات أمريكية في هذا الشأن، بشأن استثناء مناطق الإدارة الذاتية (مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية)، لافتا إلى أن الخلافات التي حدثت بين الروس والإيرانيين والنظام تسببت في تراجع قيمة الليرة السورية، إلى جانب تأثير الخلافات العائلية بين عائلة بشار الأسد ورامي مخلوف على الوضع الاقتصادي أيضا.

ووصف “إبراهيم” الوضع في سورية الذي وصفه بـ”المشتت”، في ظل غياب نظام صحي واقتصادي يحمي الشعب، مشيرا إلى أن “هذا القانون سينعكس سلبا على أغلب شرائح المجتمع”.

وفيما يتعلق بانعكاسات القانون على الوضع السياسي للإدارة الذاتية، أوضح أن “الإدارة الأمريكية راجعت نفسها بخصوص التعامل مع الإدارة الكردية منذ إعلان الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من المنطقة، خاصة مع تدهور الوضع”، لافتا إلى أن “الإجراءات اللاحقة المتخذة من واشنطن تم تبريرها بكونها من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية كي لا يظهر مجددا في تلك المنطقة، إضافة إلى التركيز على منطقة الإدارة الكردية، خاصة بعد إجراء فرنسا والولايات المتحدة مصالحات كردية-كردية وسوريا–كردية”.