المرصد السوري لحقوق الانسان

قانون “قيصر” ومناطق النظام السوري: السوريون ضحية لعقوبات كارثية تطال الجميع.. وحكومة “الأسد” تحاول تجميل صورتها

يبدو أن تداعيات حزمة العقوبات الجديدة التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية تحت مسمى قانون “قيصر” لحماية المدنيين، لن تقف عند حد إجبار النظام السوري على تعديل سلوكه، بل ستؤدي إلى مزيدٍ من التدهور في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب السوري كافة.

 

 

عقوبات مُغلظة

ينص القانون على معاقبة داعمي مؤسسات النظام السوري من الشركات والأفراد والدول عسكريًا أو ماليًا أو تقنيًا، وكذلك معاقبة كل من يقدم المعونات الخاصة بإعادة الإعمار في سورية. وتشمل العقوبات المصرف المركزي السوري على خلفية إمكانية تورطه في عمليات “غسيل أموال”. ويلزم القانون رئيس الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول الحليفة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ووضع لائحة بقيادات ومسئولي النظام السوري المقترح فرض العقوبات عليهم بتهمة انتهاكات حقوق الإنسان. ويسمح القانون برفع هذه العقوبات في حالة التزام النظام بالشروط التي حددها القانون.

وعلى الرغم من أن النظام يخضع بالفعل لعقوبات اقتصادية أمريكية وأوروبية، استطاعت دمشق التغلب عليها، فإن حزمة العقوبات الجديدة أكثر تشددا، حيث يوسّع القانون نطاق إجراءاته العقابية ليطال كل شخص حقيقي أو اعتباري، سوري أو أجنبي، يتعامل مع الحكومة السورية. ويتميز القانون الجديد عن غيره في عدة أمور، هي:

– اقتران القانون بقانون الدفاع الوطني الأمريكي، ما يدل على أهمية الملف السوري بالنسبة للإدارة الأمريكية، وأنه بات مرتبطًا بالأمن القومي الأمريكي.

– شل حركة النظام السوري داخليًا وخارجيًا من خلال عزله عن داعميه، والسعي لحصاره لإجباره على تعديل سلوكه بما يتفق مع الرؤية الأمريكية.

– تقويض مفاصل الاقتصاد السوري، باستهداف البنية المالية من خلال المصرف المركزي السوري والشبكات المرتبطة به والبنى التحتية والمصانع العسكرية ووقف عمليات إعادة الإعمار.

– توقيت فرض العقوبات جاء في فترة تعاني فيها سورية من الانقسام السياسي الداخلي، لا سيما مع تفاقم الخلاف بين رجل الأعمال رامي مخلوف مع ابن خال رئيس النظام السوري “بشار الأسد”. كما جاء قرار “الأسد” بإقالة رئيس وزرائه عماد خميس يوم 11/6/2020، مؤشراً واضحاً على الانهيار الاقتصادي والمعارضة الصريحة التي تشكل تحدياً حقيقياً لشرعية النظام.

– القانون يعد إفصاحا صريحا عن رغبة واشنطن بالتفرد بالملف السوري وإقصاء أي قوى دولية أو إقليمية، لا سيما روسيا وإيران.

 

 

معاناة مضاعفة

منذ ما قبل دخول القانون حيز التنفيذ في 17/6/2020، تدهورت قيمة الليرة السورية في مواجهة الدولار الأمريكي؛ حيث انخفضت قيمتها إلى مستويات غير مسبوقة، فقد وصل سعر الصرف في 8/6/2020، إلى 3400 ليرة مقابل الدولار الواحد للشراء و3600 ليرة للبيع وهو الانهيار الأكبر تاريخياً للعملة السورية.

 

وفي 17/6/2020 تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، بلغ سعر الصرف 2675 كحد أدنى للبيع و2825 كحد أقصى للشراء في السوق السوداء.

وبالتوازي مع ذلك، شهدت الأسواق في محافظات اللاذقية وحمص وحماة ودمشق ودرعا والسويداء وطرطوس ارتفاعًا كبيرًا في أسعار جميع السلع، إضافة إلى اختفاء عدد كبير منها وعدم توافرها، فضلاً عن إغلاق معظم المحال التجارية والتوقيف المؤقت لكثير من شركات الحوالات المالية الداخلية والصرافة. وتفاوتت الأسعار تفاوتًا كبيرًا بين مناطق المحافظات الخاضعة لسيطرة النظام.

وفي هذا السياق، رصد “المرصد السوري” تباينات كبيرة بين أسعار السلع الأساسية قبل الإعلان عن تطبيق قانون “قيصر” في منتصف ديسمبر2019 وأسعارها بعد تطبيق القانون، حيث ارتفع سعر الأرز من 600 إلى 2300 ليرة، والسكر من 250 إلى 1650 ليرة، والحليب ارتفع من 275 إلى 4500 ليرة، كما ارتفع سعر الدجاج إلى 3000 و3200 ليرة بعدما كان يباع بـ2100 ليرة.

كذلك، ارتفعت أسعار الأدوية الخاصة بعلاج الأمراض المزمنة كأدوية أمراض القلب وأمراض الكلى والسكري والضغط، وبعض الأدوية المخصصة للأطفال، واختفت بعض الأصناف من الصيدليات في دمشق وفي المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. وأخلت وزارة الصحة مسؤوليتها عن اختفاء الأدوية، مرجعةً السبب إلى إغلاق عشرات معامل الأدوية في دمشق وريفها، وإيقاف خط إنتاجها نهائياً، ما زاد الضغط بشكل كبير على باقي المعامل، الأمر الذي أجبر عدد كبير من المواطنين على شراء الأدوية اللازمة بشكل يومي من السوق السوداء بأسعار مضاعفة.

ودفع تفاقم الأوضاع إلى اندلاع احتجاجات ومظاهرات مناوئة للنظام لتحميله مسؤولية تجويع السوريين وإفقارهم.

وخرج سكان السويداء ذات الأغلبية الدرزية في جنوب سورية، في 6/6/2020، بمظاهرات احتجاجية على الأوضاع المعيشية الصعبة، وأطلقوا هتافات معارضة للنظام وطالبوا بإسقاطه ورحيل بشار الأسد وخروج روسيا وإيران. ورصد “المرصد السوري” 9/6/2020 خروج العشرات من أبناء مدينة طفس في ريف درعا الغربي في مظاهرة احتجاجية طالبت بإسقاط النظام والإفراج عن المعتقلين. وفي 11/6/2020، وثق “المرصد السوري” مظاهرات في مدينة جاسم شمال درعا، حمّلت النظام مسؤولية انهيار الليرة.

ومع أول يوم لتطبيق العقوبات، اعتقلت قوات النظام 10 متظاهرين خلال مظاهرة في مدينة السويداء. وشهدت تلك المظاهرة اشتباكات مع موالين لـ”النظام”، ما أسفر عن إصابة عدد من المتظاهرين.

 

 

إجراءات وقرارات.. آليات النظام لمواجهة العقوبات

يتبع النظام السوري عددًا من التكتيكات والآليات التي قد تضمن له مواجهة العقوبات التي يفرضها قانون “قيصر” على مناطق نفوذه، أو التخفيف من وطأتها على أقل تقدير، وتتمثل في:

-إلزام تجار الجملة ونصف الجملة في الأسواق بجميع محافظات النظام بتدوين سجلات نظامية لحركة المواد والسلع لديهم، مؤكدة على ضرورة التقيد بتداول الفواتير.

-التوسع في إجراءات التقشف الذي لن يكون حصرًا على الفقراء الذين تبلغ نسبتهم أكثر من 83% من السوريين، بل سيشمل أيضًا الأقلية الميسورة.

-محاولة تثبيت سعر الدولار في التعاملات والسيطرة على السوق السوداء. وقد نجح النظام في 14/6/2020، في خفض سعر صرف الدولار، بعد حملة كبيرة على الصرافين والعاملين في السوق السوداء ومصادرة كميات ضخمة من العملات الأجنبية.

-ضبط أسعار السلع عبر شراء الخضر والفاكهة من المزارع مباشرة وطرحها للبيع بسعر التكلفة، وزيادة المواد الأساسية المستوردة التي تبيعها عبر البطاقة الذكية بالسعر المدعوم.

-إعادة تشغيل دورة الإنتاج في سورية على الصعيد الزراعي والصناعي، وتحويل منطقة الغاب في محافظة حماة إلى خزان ومعمل غذائي، ودعم المعامل التي تعرضت للتخريب.

– إعلان حزمة إجراءات لدعم الصناعة الدوائية عبر تخفيض عمولات تحويل العملات الأجنبية، ما يساهم في خفض التكاليف للحد الأدنى.

– محاولة الحفاظ على استئناف الدعم المقدم من الداعمين، لا سيما من خلال صفقات سرية مع عدد من الدول التي تخضع بالفعل لعقوبات.

 

 

عقوبات قانون “قيصر” والمعادلة الصعبة

لا تزال حزمة العقوبات التي يفرضها قانون “قيصر” تشكل معادلة يصعب حلها، فلا يمكن تصور أن تؤدي مثل هذه العقوبات التي تمثل تماسًا مباشرًا مع الأوضاع المعيشية الصعبة للسوريين، إلى ضمان الحماية والرفاهية للسوريين، والتسليم بأنها تقتصر على عقاب النظام ورموزه، فهي إن ضمنت إنقاذهم من قمع وبطش النظام، فمن المحال أن تضمن بأي شكل من الأشكال انتشالهم من الجوع والفقر والموت المتربص بهم. وبما أن السوريين سيتأثرون بشكل هائل بتلك العقوبات، فإن المرصد السوري يطالب المجتمع الدولي بتوفير الحماية لهم من الجوع والفقر الذي يطاردهم بعد أن أصبحوا في غالبيتهم من النازحين والمشردين في المخيمات ومناطق اللجوء.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول