“قسم” الأسد: خطاب بلا قيمة سياسية

ترجم رئيس النظام السوري بشار الأسد، في “خطاب القسم” لولاية رئاسية جديدة تنتهي في عام 2028، ما يعتبره انتصاراً في الانتخابات الرئاسية التي أجراها في مايو/ أيار الماضي، على الرغم من عدم الاعتراف الدولي بها، إذ أغلق الباب أمام أيّ جهود تُبذل من المجتمع الدولي بهدف التوصل إلى حلول سياسية، ولم يتطرق إطلاقاً إلى العملية التفاوضية التي ترعاها الأمم المتحدة، في خطاب منفصل عن الواقع، متجاهلاً أنّ كلّ مقدرات البلاد باتت بيد الروس والإيرانيين وقوى أخرى، فيما المناطق الخاضعة لسلطاته تعيش في أسوأ أوضاعها الاقتصادية والمعيشية. وبينما اختصر الأسد الحلّ بانسحاب ما وصفها بـ”قوات الاحتلال” واستئصال الإرهاب، كانت قواته تواصل مجازرها بقتل مزيد من المدنيين في إدلب.

وأغلق الأسد الباب أمام أيّ جهود للتوصل إلى حلول سياسية في الصراع السوري، واستغرق في استعراض ما جرى في سورية خلال عشر سنوات هي عمر الثورة ضد نظامه، محاولاً التنصّل من مسؤولياته في قتل واعتقال وتهجير ملايين السوريين نتيجة الحرب المفتوحة التي شنّها على عموم السوريين بمساندة من الإيرانيين، وتالياً من الروس. ومن الواضح أنّ الأسد اعتبر الانتخابات نهاية للعملية السياسية، ما يرجح أن تعلن الأمم المتحدة فشلها في إقناع النظام بجدوى الاستمرار في التفاوض مع المعارضة في مدينة جنيف السويسرية.

اختصر الأسد الحلّ في سورية بانسحاب ما وصفها بـ”قوات الاحتلال”، واستئصال الإرهاب واستعادة سلطة نظامه في عموم سورية

واختصر الأسد الحلّ في سورية بانسحاب ما وصفها بـ”قوات الاحتلال”، واستئصال الإرهاب واستعادة سلطة نظامه في عموم سورية، ما يعني العودة بالبلاد إلى ما قبل ربيع عام 2011. وكرّر في خطابه وصف المعارضين للنظام بـ”المرتزقة” و”العملاء”، معتبراً ما يُطرح اليوم “يهدف في المحصلة للوصول إلى دستور يضع سورية تحت رحمة القوى الأجنبية ويحوّل شعبها إلى مجموعة من العبيد والمطايا”، في إشارة غير خافية إلى محاولات الأمم المتحدة وضع دستور جديد للبلاد وفق قرارات دولية أبرزها القرار 2254.

وشنّ في أكثر من مفصل في كلمته هجوماً على الأتراك والأميركيين، معلناً نيّته العمل على استرجاع سلطته على المناطق الخارجة عن سيطرته، في شمال سورية، داعياً من وصفهم بـ”المغرّر بهم” للعودة إلى سلطته، “لأنّ الرهانات سقطت وبقي الوطن” وفق تعبيره. واعتبر أنّ “الحلّ الوحيد هو دخول قواتنا المسلحة إلى المناطق (الخارجة عن سيطرته) والقضاء على الإرهاب وتحرير السكان المدنيين وفرض سلطة القانون، ونحن سنستمر في اتباع هذه السياسة لتحرير باقي أرضنا”، مضيفاً: “نعلم أنّ التركي غادِر وأنّ الأميركي مخادع”.

وحمل خطاب الأسد نبرة تصالحية مع العرب من خلال التأكيد أكثر من مرة على الهوية السورية والانتماء للعروبة. وفشلت كلّ جهود النظام خلال السنوات الماضية في العودة إلى الجامعة العربية التي جمدت عضوية سورية أواخر عام 2011. وحمّل الأسد العقوبات الدولية وتجميد الأموال السورية في المصارف اللبنانية، والتي قدّرها بما بين 40 و60 مليار دولار، مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي تطحن نظامه منذ سنوات وهو ما أوقع نحو 9 ملايين سوري تحت سلطته في ظروف معيشية خانقة.

وحاول تبديد مخاوف الخاضعين لسلطته من الوضع الاقتصادي المزري من خلال الزعم بوجود مدن صناعية في عدة محافظات تضم منشآت ومعامل، مشيراً إلى أنّ الاستثمارات في المرحلة المقبلة ستركز على تأمين الطاقة البديلة، واصفاً ذلك بأنّه “استثمار رابح ومجزٍ”. ويقع النظام منذ عدة سنوات تحت وطأة عقوبات دولية استنزفت اقتصاده، فضلاً عن خسارته الشمال الشرقي من سورية؛ مستودع الثروات في البلاد، والذي تحوّل إلى منطقة نفوذ للولايات المتحدة.

وكان النظام قد استبق خطاب القسم للأسد، بارتكاب مجزرة جديدة في إدلب. وذكر الناشط محمد المصطفى لـ”العربي الجديد” أنّ 4 مدنيين، بينهم سيدة وطفلان، قتلوا وأصيب آخرون، بينهم متطوعون في الدفاع المدني السوري، جراء قصف مدفعي لقوات النظام والمليشيات المساندة له، صباح أمس، لبلدة سرجة في جبل الزاوية، بريف إدلب الجنوبي.

ولم تكن قوى المعارضة السورية تعوّل على خطاب الأسد في إحداث اختراق كبير في العملية التفاوضية، لأنّ النظام عرقل منذ منتصف عام 2012 كلّ الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حلّ سياسي. ولم يكترث النظام بتنفيذ الحد الأدنى من مضامين القرارات الدولية، خصوصاً لجهة وضع دستور جديد للبلاد، أو تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات مشتركة بين النظام والمعارضة تشرف على فترة انتقالية، بل إنّ الأسد لم يشر طوال سنوات إلى مئات آلاف المعتقلين في سجونه.

ورأى المتحدث باسم هيئة التفاوض التابعة للمعارضة، يحيى العريضي، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّه “حتى اللحظة ولأكثر من عقد على انتفاضة سورية، ما زال خطاب النظام منفصلاً ومنفصماً عن الواقع، وهو بالتأكيد لا يستطيع أن يكون غير ذلك، إذ لم يعتد هذا النظام على قول الحقيقة أو مواجهتها. فهل سيعترف بأنّه دمّر واعتقل وشرّد وخرّب البلد على كلّ الصعد؛ اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً؟”. واعتبر أنّه ليس لدى النظام أيّ مشروع سياسي “سوى الحديث عن الصمود والمقاومة والأمور الخلبية”. وأشار إلى أنّ “الأسد يعرف أنّ سلطته محدودة في عموم سورية، وأنّ كلّ مقدرات البلاد باتت بيد الروس والإيرانيين وقوى أخرى جاثمة على صدور السوريين”. ورأى أنّ الأسد “حاول الوصول إلى مواليه عبر الخطاب، لكنّ هؤلاء الموالين يعرفون حجم الأسد بدقة، وأنّهم ليست أمامهم فرصة للعيش إلّا العيش الذليل”. واعتبر العريضي أنّ الأسد “يراهن على ما لا يمكن المراهنة عليه”، مضيفاً: “من أين يأتي المواطن السوري المسحوق بما يمكنه توليد تنمية. وكيف يمكنك (يقصد الأسد) تجاوز المقاطعة الدولية والحصار من دون عملية سياسية؟”.

يحيى العريضي: ما زال خطاب النظام منفصلاً ومنفصماً عن الواقع

من جهته، رأى المحلل السياسي رضوان زيادة، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ خطاب الأسد “لا جديد فيه”، معرباً عن اعتقاده بأنّ الأسد “في أدنى حالاته، ويدرك أنّ أحداً في العالم المتحضر لا يعترف به”. ومضى بالقول: “حصار درعا البلد، وقصف ريف إدلب الذي أوقع قتلى بين المدنيين أثناء الخطاب، يختصران كذب الديكتاتور على شعبه. كلماته خاوية من أيّ معنى”. وعن أسباب عدم تطرق الأسد إلى العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، قال زيادة: “لأنّه (الأسد) يعتقد أنّه هو العملية السياسية”. ووصف المحلل السياسي الأسد بـ”الديكتاتور في أسوأ حالاته الذي لا يدرك معاناة السوريين ويكرر نفس الأكاذيب، فهو أشار إلى السوريين الذين أُجبروا على الهجرة وكأنّه ليس هو من هجّرهم. كلماته لا تستقيم في المعنى والدلالة”.

 

 

 

المصدر: العربي الجديد

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد