قمة طهران وتقاسم جلد الدب السوري

29

يقول مثل روسي شائع عن الشركاء، الذين يتقاسمون الغنيمة قبل غنمها، بأنهم يختلفون على جلد الدب قبل صيده. كثير مما في هذا القول، مع قدرٍ من التحفظات، ينطبق على قمة طهران في 7 أيلول/سبتمبر الجاري بين الرؤساء بوتين وروحاني وأردوغان، الذين يلتقون لتقاسم جلد “الدب” السوري، الذي تأمل موسكو وطهران في الإجهاز عليه نهائياً في إدلب. ولا تلتفت موسكو إلى تحذير العالم بأسره من مأساة بشرية مرعبة تُسفر عنها عملية عسكرية في إدلب، تمضي مع طهران في دعم جيش النظام السوري في زحفه نحو المدينة وحصارها، الذي أنجزه، حسب “إذاعة الحرة” بالروسية.
وفي إشارة إلى عدم تعويلها على قمة طهران، وتأكيدها على دورها، الذي تعتبره مفصلياً في “النصر” السوري، استبقت موسكو القمة وأعلنت، قبل يومين من موعد انعقادها، عن “حدث تاريخي” سوف تشهده سوريا، ويتمثل بمؤتمر دولي حول قضية المهجرين، لم يتحدد بعد تاريخ انعقاده ومكانه، وتُدعى إليه منظمة الأمم المتحدة والبلدان المعنية. ونقلت نوفوستي عن رئيس المركز القومي لإدارة الدفاع في روسيا الجنرال ميخائيل ميزينتسيف قوله، بأن الرئيس بشار الأسد استقبل “بإيجابية إستثنائية” مبادرة عقد مؤتمر دولي في سوريا، وحدد ممثلي القيادة السورية من أجل إعداد الفعاليات الملموسة لهذا المنتدى. وقال الجنرال، الذي يترأس هيئة تنسيق عودة المهجرين إلى سوريا، بأن المؤتمر سوف يسمح بجمع “سفراء النوايا الطيبة” من البلدان، التي استضافت المهجرين السوريين، “ويوحد كل القوى السليمة في السعي إلى إرساء الحياة السلمية في هذه البلاد”.
واعتبر الجنرال أن المؤتمر هو “منصة جديدة” سوف تسمح، وبشكل صريح وعلني، بمناقشة مختلف المواضيع والمسائل الملحة، بغية النهضة السريعة لسوريا من جديد. ويرى الجنرال، أن هذه المنصة سوف تتيح إمكانية وضع الحلول الواضحة والمفهومة، وبلورة مجموع المسائل الفنية والتنظيمية من أجل إزالة العقبات من طريق عودة المواطنين السوريين.
بعد الرد المتشدد من قبل الولايات المتحدة وأوروبا على مبادرتها الأولية لعودة المهجرين السوريين، تقوم روسيا الآن بمناورة جديدة لتمرير المبادرة عينها، وفرض “انتصارها” السوري على الجميع. ومن الواضح، أنها لا تعول على منصة أستانة ودولها الغارقة مثلها بالعقوبات، بل تحاول خلق “منصة جديدة”، لا جديد فيها سوى تذاكي الفتوة الروسي. 
لم تبد روسيا حماساً يذكر لانعقاد القمة الراهنة، بل كان الإعلام الروسي، طيلة الأيام الماضية، يمرر الكثير من الغمز حيال كل من أنقرة وطهران، لكن ليس دمشق. فقد كتبت صحيفة “NG” الروسية الإثنين المنصرم مقالة، ركزت فيها على نقطة ضعف أردوغان المالية والإقتصادية الراهنة، وعنونتها بالقول: “الأسد يستعد للضرب على محفظة نقود أردوغان”. وقالت الصحيفة بأن الهجوم الجديد في سوريا يهدد البزنس التركي ويتحول إلى وجع رأس له، إذ أن السوريين، وبسبب الوضع في المنطقة، لا يستطيعون تسديد ديونهم لرجال الأعمال الأتراك. وأشارت إلى أن تدفق البضائع التركية لم ينقطع حتى خلال الحرب في إدلب، وهو ما قد يتغير الآن بسبب خطط دمشق بدء عملية تحرير هذه المنطقة.
من جانب آخر، نقلت وكالة نوفوستي، منذ يومين، عن أحد الخبراء الروس قوله، بأن تركيا في إدلب سوف “تفقد ماء الوجه في جميع الأحوال”. وقال هذا الخبير، بأن الأتراك يملكون معلومات جد دقيقة عما يدور في إدلب، إذ أنهم على تواصل مع المجموعات الموجودة هناك، ولهم مجموعتهم الخاصة “أحرار الشام”، التي خسرت في الفترة الأخيرة الكثير من مواقعها. وتركيا، على قوله، معنية باختيار الأقل سوءاً من بين الشرور، وهي تعرف أن الحل في إدلب لا يمكن أن يكون جيداً للجميع، وهي في جميع الأحوال سوف تفقد ماء الوجه، على الأقل أمام أولئك الذين تدعمهم .
في ظل الإندفاعة الروسية الراهنة لتدمير إدلب، “دمل القيح” و”محمية الغيلان” و “موطئ السفلة”، لم تكن موسكو مرتاحة للتصريح الأخير لوزير الخارجية التركي، والذي انتقد فيه القصف الروسي الأخير للمنطقة “عشية لقاء طهران”. وحذر الرجل من “المخاطر الكبيرة”، التي تحملها خطط الحكومة السورية لشن عملية عسكرية على إدلب، وعبر عن أمله في التمكن من تسوية الوضع في القمة الروسية التركية الإيرانية في طهران.
أما في ما يتعلق بإيران، فلا يزال المراقبون يحتارون في تفسير التسريب الآن لنبأ الزيارة السرية، التي قام بها، بطلب من الرئيس بوتين، كبير حاخامي روسيا بيرل لازار إلى طهران في التاسع من نيسان/أبريل الماضي، وهو المعروف بعدائه الشديد للنظام الإيراني، وتأييده الطبيعي لإسرائيل.
فقد نقلت صحيفة “Newsru” الروسية في نسختها الإسرائيلية، في 2أيلول/سبتمبر الجاري، عن المواقع الإسرائيلية، أن القيادة الإيرانية كانت تقف ضد زيارة بيرل لازار، لكن بوتين أصر على إدخال الرجل في عداد الوفد الروسي إلى طهران، الذي كان يترأسه رئيس مجلس الدوما فيتشسلاف فالودين. 
وتقول صحيفة “kommersant” في تعليقها على تسريب نبأ الزيارة تحت عنوان “زيارة غير مفهومة”، أن مصدراً في دوائر السياسة الخارجية أكد لها حصول هذه الزيارة. وتنقل الصحيفة عن مصدر في “أوساط الخبراء” قوله، بأن من المحتمل جداً أن تكون الزيارة مرتبطة بنقل “رسائل معينة، عبر قنوات غير رسمية، متعلقة بالوضع في سوريا”. كما تنقل الصحيفة عن نيكولاي كوجانوف من الجامعة الأوروبية في سانت بطرسبورغ قوله بأنه، “على الرغم من الخطاب الأيديولوجي المتشدد من جانب إيران وإسرائيل، إلا أن الطرفين يدركان على المستوى السياسي، بأن الصراع الشامل ليس في مصلحة الطرفين، وأن من الأفضل لو تم تحديد خط فاصل في المنطقة وكذلك في سوريا”.
يلتقي الأطراف الثلاثة في قمة طهران، ويخفي كل طرف منهم “الحجر تحت زناره”، كما يقول المثل الشعبي الروسي، ويدرك كل منهم، أنه مهما كانت الإتفاقات، التي يتوصلون إليها بشأن سوريا، فلن تعني شيئاً كثيراً إذا اصطدمت برفض الغرب لها، على قول صحيفة “RBK”. ولذلك لن يكون تقاسم سوريا في ما بينهم، إلا تقاسم جلد الدب قبل اصطياده.

بسام مقداد
المصدر: المدن