قيادي كردي : نموذج الدولة القومية منتهي الصلاحية.. والحل بالإدارات الذاتية
يقول الأكراد السوريون، وتحديداً «حزب الاتحاد الديموقراطي»، إنهم مدركون تماماً للطبخة التي تعد للمنطقة. معركة عين العرب (كوباني) لم تغير قراءتهم بأن هناك قوى دولية تعمل جدياً على تغيير خريطة الشرق الأوسط، وإزالة الحدود التي رسمتها «سايكس-بيكو». لذلك هم يتحضرون لموقعهم في هذه اللعبة، مشددين على أن مستقبل المنطقة هو للدول الاتحادية. من هنا يخوض الحزب الكردي ما يعتبرها معركة دفاع عن نموذج «الإدارة الذاتية»، مؤكداً أن نموذج الدولة القومية صار «منتهي الصلاحية».
هذه القراءة يشدد عليها صالح محمد مسلم، رئيس «حزب الاتحاد الديموقراطي»، الذي بات أحد أبرز اللاعبين في الشمال السوري.
خلال حديث إلى «السفير»، يلفت مسلم إلى أن المعارك لتحرير عين العرب وما حولها لا تزال مستمرة، لكن وجهتها باتت محسومة برأيه: «نحن قلنا ذلك سابقًا، هزيمتهم في كوباني هي بداية هزيمة شاملة لهم كي يخرجوا من كل هذه المناطق. هزيمتهم هناك كانت بداية انكسارهم، وبداية النهاية بالنسبة إليهم».
لا يزال 160 من مقاتلي البشمركة على أرض المعركة السورية. هؤلاء دخلوا عين العرب من تركيا مع أسلحة نوعية أحدثت فرقاً في المعركة، خصوصاً صواريخ «ميلان» المضادة للدروع. ساندت المعركة حملة جوية لقوات «التحالف الدولي»، وصارت تتم بالتنسيق مع المقاتلين الأكراد لاحقاً. كل هذا جعل عين العرب مضرب مثل عن إمكانية نجاح نموذج «التقاء المصالح» المتنافرة، والمبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا يتحدث عنه محاولاً حشد الدعم لخطة تجميد القتال انطلاقاً من حلب.
تسأل «السفير» رئيس «الاتحاد الديموقراطي الكردي» عن الانطباع الذي ساد حول وجود ثمن سياسي، دفعوه لتركيا خلال المساومات لإدخال البشمركة، فينفي ذلك قائلاً إن «ما حدث لم يتم بكيف الأتراك. الأسلحة المتطورة أتت مع البشمركة، وهم دخلوا تحت الضغط الأميركي. قبول تركيا جاء تحت هذا الضغط وليس لسواد عيون الأكراد».
كان مسلم حريصاً على حضور مؤتمر صحافي، أقامه شركاء للقوات الكردية في قتالهم ضد «داعش». إنهم السريان السوريون في منطقة الخابور، وهم يطالبون بالدعم الأوروبي لـ «المجلس العسكري السرياني»، الذي أنشأوه للدفاع عن قراهم التي لا تزال تتعرض لغزوات «داعش» وأشباهه.
والسريان هم أحد مكونات «الإدارة الذاتية» التي يقدم «الاتحاد الديموقراطي» جهود إنشائها، وتضم أيضاً ممثلين عن مكونات المنطقة من عرب وآشوريين وكلدان وغيرهم.
ويقول السياسي الكردي عن تعاونهم هذا إن «المقاومة المسيحية موجودة منذ سنتين على الأقل. نحن نعمل سوية، ولدينا قيادة مشتركة. هناك وحدات حماية الشعب الكردية (الذراع العسكرية للاتحاد الديموقراطي)، وهناك إخواننا العرب من الجيش الحر، الذين يقبلون بالوجود الكردي، مثل بركان الفرات وغيرهم، وهناك مجموعات السريان (سوتورو) في الأماكن الموجودين فيها».
ويدافع الرجل الستيني بشراسة عن ضرورة صمود نموذج الإدارة الذاتية، المتعدد القوميات والأديان، مشدداً على أن هذا النموذج يشكل المعيار الذي يجب أن تكونه دول المنطقة بعد المخاض الجاري. يقول عن ذلك: «لماذا نحن نقاوم؟ للدفاع عن هذا النموذج، فالهجوم القائم هو لتدميره. نحن مع وحدة الناس، سرياناً وأكراداً وعرباً. ندافع عن نموذج سيكون نموذجاً للشرق الأوسط ولسوريا المستقبلية»، قبل أن يستدرك «كنا مجبرين على ذلك، فربما الحرب والاضطرابات تستمر عشر سنوات، ولا يمكن أن نترك الناس هكذا. نحن نشكل نموذجاً للمنطقة، للتعايش والديموقراطية. نحن نتحدث عن إدارة حكم ذاتية، وليس انفصالاً عن سوريا».
تحدث الأوروبيون عن الأكراد امتيازياً، في آخر استراتيجية نشروها للتعامل مع سوريا والعراق وتهديد «داعش». أشاروا لهم، دون غيرهم، بوصفهم «مقاومة». وجهت الاستراتيجية دعوات لدعمهم، لكن مع تقديم ضمانات قوية لدول المنطقة بالنسبة إلى الالتزام بوحدة أراضيها.
نسأل مسلم عن ذلك، فيقول إن تغير اللغة لم يغير جوهر الموقف حتى الآن: «اللغة تتغير، لكن الاستراتيجية يمكن أن تتغير أيضاً. عقليتهم لا تزال كلاسيكية، فهم يتحدثون عن دولة الأمة، التي لا نؤمن بها، وهي ليست صالحة للشرق الأوسط. يجب أن تتغير، فحتى بالنسبة إلى الأكراد هناك أسئلة كثيرة. ألمانيا الموحدة، داخل الاتحاد الأوروبي، يمكنها أن تكون نموذجاً للشعب الكردي، يمكنهم أن يعيشوا في أربعة بلدان وفي الوقت ذاته يعيشون معاً. الشيء ذاته بالنسبة للسريان. لمَ لا، علينا قبول بعضنا بعضا».
خلال الأيام المقبلة سيسافر مسلم للقاء قيادات كردية في أربيل. سيحمل معه خلافاً لم يحلّ حول أي مستقبل ممكن للأكراد، في ظل ما يطبخ للمنطقة: «نحن أمة واحدة، لكن ليس بالضرورة لدينا العقلية ذاتها. البعض لديه عقلية الدولة القومية، لكن هذه انتهت صلاحيتها حتى في أوروبا. نحن نريد الإدارة الذاتية».
نسأله إن كانت حكومة أربيل اقتنعت بهذا المنطق الذي يسوقه، فيقول بنبرته الهادئة المعهودة: «لا، ليس بعد. تحتاج القضية إلى القليل من العمل. تحتاج إلى زمن حتى يقتنعوا بهذا الشيء (يضحك). موضة الدولة القومية انتهت».
وجود الأكراد في قلب اللعبة السياسية للمنطقة، وفي جبهات معاركها، جعلتهم يخرجون بخلاصة واضحة: وجود محاولات جدية لتغيير خريطة الشرق الأوسط بحدوده السابقة. يقول السياسي الكردي المخضرم: «ليس نحن من يريد تغيير خريطة الشرق الأوسط، بل هم من يخططون لذلك».
دائماً يتحدث بضمير الغائب، ولا يحدد بالضبط من يقصد. بتحديد أكبر يقول «دول إقليمية». لكن سيناريو تغيير حدود اتفاقية «سايكس-بيكو» يجعل بعض اللاعبين الدوليين، كما يقول، ينخرطون في محاولة لإلغاء وجود بعض المكونات العرقية من مناطق محددة. الفكرة ليست جديدة، لكن المحاولة الآن باتت جــــدية برأيه: «منذ غزو الكويت، قيل يجـــــب أن تتغير الحدود، وبعضهم قال يجب تقسيم العراق إلى ثلاثة أقســـــام. لذلك ربما تحقيقاً للمصالح يمكن أن تتغير الخريطة الآن. بعضهم يريد تغيـــــير الخريطة، ولذلك يقـــــولون إن وجود بعض المكونات يجب أن يتم إنهاؤه».
ما طالب به الممثلون السريان والأكراد هو دعم مباشر للإدراة الذاتية. هنا يلفت رئيس الحزب الكردي إلى وجود تحفظات أوروبية غير مبررة برأيه، وكله يدور في حسابات السياسة: «بعضهم يسأل عن الشرعية. نحن لا نأخذ شرعيتنا من نظام دمشق أو نظام تركيا، فهي دول قومية. إذا أرداوا فلدينا منظمات كردية وسريانية في كل مكان، يمكنهم التعاون معها. على الاتحاد الأوروبي التعامل مباشرة مع الإدارة، وليس السؤال عن الشرعية. غير ذلك كلها أعذار، فالتعامل شيء والاعتراف شيء آخر».
وشهدت مدينة الحسكة مؤخراً اشتباكات بين قوات «حماية الشعب» الكردية والجيش السوري الموجود هناك. كانت هذه المعارك مفاجئة بين طرفين بدا أن هناك تفاهمات واضحة بينهما. نسأل مسلم إن كانت الخلافات التي أدت إلى ذلك قد تمّ حلها، فيقول إن «وقف إطلاق النار مستمر، لكن الخلاف لم يحل».
على كل حال، قال مسلم إنه ليس هناك لا تقارب ولا ثمن أعطي لتركيا، في مقابل إدخال البشمركة، لكن ليس واضحاً إن كان الأمر ينطبق على واشنطن التي قررت، مع «التحالف الدولي»، عدم السماح بسقوط عين العرب. ليس واضحاً أيضاً إن صار الأكراد جزءاً من استراتيجية التحالف، خصوصاً لجهة إصراره على ألا تعاون مع دمشق ونظامها حتى لو بات تغييره أولوية متأخرة على حرب «داعش».
المصدر : السفير
التعليقات مغلقة.