المرصد السوري لحقوق الانسان

كاراباخ ودروس سورية وليبيا

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي المرصد السوري لحقوق الإنسان

إذا كان نهج غضّ الطرف الذي اعتمدته القوى الدولية في الأيام الأولى لاشتباكات إقليم معارك ناغورنو كاراباخ ممكناً، لحسابات كل دولة، ورغبتها في إيصال رسائل محدّدة، سواء إلى أذربيجان وأرمينيا، فإنّ تسارع الأحداث وتشعبها قلب الطاولة على الجميع. مجرّد تبادل اتهامات بين يريفان وباكو باستقدام مقاتلين أجانب دقّ ناقوس الخطر. كان هذا الأمر كافياً، على ما يبدو، للانتقال من حالة اللامبالاة في الأسبوع الأول من المعارك إلى تكثيف الحراكيْن، الإقليمي والدولي، الضاغطين من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار، والإعلان عن مباحثاتٍ ثلاثية تجمع أميركا وفرنسا وروسيا. 

تريد الدول الثلاث بدء حوار بين طرفي الأزمة بدون شروط مسبقة، على الرغم من معرفتها صعوبة تحقيق ذلك سريعاً، لكن لكل منها أوراق ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية، يمكن أن تُشهرها في اللحظة المناسبة للدفع باتجاه تحقيق هذا الأمر. تعمل هذه الدول بمنطق استباقي، لا تريد لما يجري في ليبيا من تحوّل المرتزقة إلى عامل أساسي في الصراع ومعقِّد له. وما حدث في سورية على مدى السنوات التي أعقبت الثورة من تحوّلها إلى مغناطيس للمقاتلين الأجانب وتحوير للإنتفاضة الشعبية أن يتكرّر في ناغورنو كاراباخ، فعشرات المقاتلين الأجانب، إن صحّ وجودهم، سرعان ما قد يتحوّلون إلى مئات ثم آلاف، وعندها فإن الحل الذي قد يستغرق شهراً أو عاماً سيحتاج سنوات. وهذا الأمر ليس في مصلحة أحد، خصوصاً أن الدول المعنية بالصراع الأرميني الأذربيجاني هي نفسها المنخرطة على الأرض في سورية وليبيا، ما يعني حكماً أن هذه الملفات لن تكون في منأىً عن تداعيات ما يجري. وهو أمر لا يرغب فيه كثر، تحديداً موسكو. 

بالنسبة إلى روسيا، يكفي ما يجري في حدائقها الخلفية من اضطرابات، بدءاً من بيلاروسيا مروراً بأوكرانيا وصولاً إلى قرغيزستان أخيراً. حتى أن موقف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كان واضحاً في قوله إن بلاده لن تساند أرمينيا حالياً، لأن المعارك خارج أراضيها. أما الولايات المتحدة فصحيحٌ أن القضية كانت، حتى الأيام الأخيرة، خارج دائرة اهتماماتها، لا سيما أنها تتزامن مع الأسابيع الأخيرة من حملة الإنتخابات الرئاسية في الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، وهي التي يوليها دونالد ترامب الأهمية القصوى حتى على حساب علاج نفسه بعد إصابته بفيروس كورونا، إلا أن احتمال تحول ناغورنو كاراباخ إلى نقطة جذب للمرتزقة يغير المعادلة. ومن دون إغفال أن موقف طهران كان، منذ اليوم الأول، يطالب باحترام سيادة الأراضي الأذربيجانية، فإنه ما قاله الرئيس الإيراني، حسن روحاني، لجهة أنّ “إيران لن تسمح أن ينقل بعضهم، تحت ذرائع، إرهابيين قاتلناهم سنوات طويلة في سورية وقمعناهم إلى حدودنا”، يعبر بوضوح عن كيف تنظر طهران بقلق اليوم إلى تطورات هذا النزاع القديم، لكن المتجدّد، وتتلاقى في مخاوفها مع موسكو والدول الأوروبية وواشنطن. 

يبقى موقف تركيا الذي سيكون الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاهات الصراع، خصوصاً بعدما أعلنت، منذ اليوم الأول، مساندة أذربيجان، واستعدادها لمنحها جميع أنواع الدعم. صحيحٌ أنه لا يوجد أي طرف دولي وإقليمي جاهز لدعم أرمينيا بالمستوى نفسه الذي تساند فيه تركيا أذربيجان. ولكن مَنْ ليس إلى جانب يريفان، وليس ضد باكو اليوم، قد لا يحافظ على موقفه طويلاً في ظل تحوّلات المشهد في كاراباخ. ويفترض أن باكو، ومن خلفها أنقرة، تعيان ذلك جيداً، وستحاولان استثمار اللحظة، لمحاولة حصد تنازلاتٍ تفضي أقله إلى ربط نزاع طويل الأمد بشأن الإقليم.

 

 

 

الكاتبة:جمانة فرحات – المصدر: العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول