كاميرون ومأزق المسلمين المعتدلين

تحدث رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، عن «العبء المُلقى على عاتق المسلمين المعتدلين» الذين لا يقومون بما ينبغي في شكل كافٍ ومؤثّر لمواجهة خطر التطرف والعنف والإرهاب واختطاف المعاني الإنسانية والأخلاقية في الدين. هذه كارثة لا تقلّ في فجاعتها عن فجاعة إرهاب الأنظمة واستبدادها وفسادها. ومع ذلك، يكاد يغيب بيننا التفكير في الحلول الجذرية. لا أحد يقول لنا أننا في حاجة إلى علوم الفلسفة في مناهجنا المدرسية والجامعية لمواجهة واحدية الفكر والانجذاب الهش إلى التطرف. لا نجد توجهاً في مجتمعاتنا نحو الأدب وعلوم الاجتماع والتاريخ والإنثربولوجيا، فهي الأقل حظاً في فُرص التوظيف وإيجاد عمل مميز!

ونتساءل، مثلاً: كم من جامعاتنا يتوافر على قسم أو مساقات لتاريخ الأديان المقارن؟ إن المجتمعات تتقدم حين تزداد حساسيتها للكلمة.

ظهور «داعش» وغيره من تيارات الإرهاب والتشدد والعنف الديني والطائفية السياسية لدى السنّة والشيعة على حدّ سواء، إنما هو مرآة لمسألة «الصراع على الإسلام» و«الصراع داخل الإسلام» من جانب أهله، وضعف مقولة «الاعتدال الإسلامي» من جهة تجاهلها قيمتي الحرية ومركزية دور الإنسان في الحياة المتمثلة في استقلاليته في صنع الحياة والمستقبل. المعتدلون الذين يناديهم كاميرون لا يملكون في غالبيتهم النقد الجذري للفكر الديني السائد، و«اليد المرتجفة لا تصيب هدفها»، كما أخبرنا محمد الماغوط.

الخبرة التاريخية تقول أن الحروب الأهلية («الفتنة» بالمصطلح التاريخي الإسلامي) تحدث عندما يعجز المعتدلون عن وقف المتطرفين ومنعهم من النطق باسم الجميع أو تمثيلهم.

من هنا، تميل هذه المقالة إلى أن من أنواع النقد الجذري الصريح وغير التلفيقي، القول أن فكرة تجديد الخطاب الديني التي تحتل مساحة من خطابنا الثقافي منذ عقود، يشوبها الالتباس والعمومية وغياب الضبط أو القدرة على الحكم على كفاءتها، والمطلوب بدلاً منها الحديث عن خطاب ديني جديد يتأسس على مركزية فكرتي الحرية والإنسانية المتساوية وتحرير الدين من الدولة وتحرير الدولة من توظيف الدين لغايات سياسية، عبر التركيز على أنه لا أسباب سياسية لما تعاني منه مجتمعاتنا من أزمات وتخلّف.

 

محمد برهومة

الحياة اللندنية