كرد سوريا ومصيرهم بين الأمريكيين والروس

أدت تداعيات ثورة السوريين على نظام بشار الكيماوي، والاستراتيجية التي اتبعها هذا الأخير في مواجهتها، بالنسبة للكرد، إلى أمرين متلازمين: أولهما صعود حزب «الاتحاد الديمقراطي» إلى واجهة المشهد في المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية، وثانيهما فصل أو تحييد تلك المناطق عما يحدث في سائر سوريا. يمكن القول إن هذين (الصعود والتحييد) شكلا نوعاً من تحالف موضوعي بين النظام الكيماوي والحزب الكردي ذي المرجعية الأوجالانية، لأن الطرفين التقيا على مصلحة مشتركة.
فقد أدرك النظام، منذ الأشهر الأولى لاندلاع الثورة، أن الحرب التي يريد خوضها خياراً وحيداً في مواجهتها، لا تحتمل تشتيت قواته المحدودة بتوزيعها على كامل مساحة سوريا، وأعني النواة الموثوقة من الجيش والشبيحة، بعد طرح القسم الأكبر من الجيش غير مضمون الولاء المطلق. ومن جهة أخرى اشتغل النظام، منذ البداية، على تفكيك العدو، من خلال استثمار البنى الأهلية والمصالح الاجتماعية المتباينة، وتفعيل المخاوف وضروب نقص الثقة المتبادلة في ما بينها، سواء كانت وهمية أم لها أساس، واختلاقهما حيثما لم تكن موجودة.
كان طرح الكرد خارج المعادلة الوطنية، وتسليم مناطقهم لحليف سابق موثوق ومسلح، من شأنه أن يريح يد النظام في ضرب المناطق المنتفضة، وأن يؤمّن ظهره، على مثال ظهره المؤمن من إسرئيل في الجنوب، ليتفرغ لضرب درعا وريف دمشق. وبطرح الشريط الساحلي الذي ضمن ولاء سكانه المطلق من المعادلة الوطنية، وبتحييد الدمشقيين والحلبيين بطبقتيهما التجاريتين، تمكن النظام من حصر الثورة في عدد محدود، نسبياً، من البؤر المشتعلة التي خيل إليه أن القضاء عليها مسألة وقت وصمود.
من جهته، رأى حزب الاتحاد الديمقراطي في اضطرار النظام للانسحاب الطوعي من مناطق نفوذ الحزب التقليدية، فرصته للسيطرة على الأرض وخلق واقع جديد لا بد من أخذه في الاعتبار في أي ترتيبات قادمة لمستقبل سوريا ما بعد النظام. وكان هذا يتطلب، قبل كل شيء، ترتيب «البيت الداخلي» الكردي بإفراغه من أي تنوع سياسي أو تباينات اجتماعية، لمصلحة أحادية صارمة تجعل من الحزب «الممثل الشرعي الوحيد» لكرد سوريا.
بعد مناورات مديدة، تمكن الحزب من إخراج الأحزاب التقليدية الكردية المنضوية في إطار «المجلس الوطني الكردي» خارج معادلات القوة، وتفرد بحكم مناطق نفوذه بقوة جناحه العسكري المسمى «وحدات حماية الشعب»، مع إرساء حكمه، سياسياً، بإنشاء كانتونات الإدارة الذاتية وفقاً لنظرية عبد الله أوجالان الخاصة بـ»الأمة الديمقراطية» العابرة للأقوام.
تركيا، المهجوسة تاريخياً و»جينياً» بالوجود الكردي العابر للحدود، اعتبرت هذه التطورات على حدودها الجنوبية خطراً على أمنها القومي، لتتحول سياستها السوريا من المساهمة في إسقاط نظام دمشق الكيماوي إلى تركيز كل جهودها على تقويض الكيان الكردي المحتمل داخل الحدود السوريا. وبإعلان داعش دولة الخلافة على حدود هذا الكيان المحتمل، تورطت تركيا في الظهور بمظهر المتحالف مع الجهاديين ضد الكرد، سواء قام هذا المظهر على أساس واقعي أم لا. بالمقابل كان إعلان الولايات المتحدة لقيام ائتلاف دولي لمحاربة داعش، وبدء عمليات قصفها الجوي لمواقع التنظيم، بمثابة «هدية من السماء» وقعت بين يدي حزب الاتحاد الديمقراطي الذي سرعان ما أبدى استعداده ليكون بمثابة القوات البرية لهذا الائتلاف.
وشكلت معركة كوباني (أيلول / سبتمبر 2014- كانون الثاني / يناير 2015) المدخل لقيام تحالف امريكي ـ كردي في سوريا يوازي نظيره القائم منذ التسعينات، في شمال العراق، مع كردستان البارزانية. ودفع الامريكيون حزب الاتحاد إلى التخفيف من كردية قواته بالتحالف مع بعض العشائر العربية في المنطقة، إضافة إلى قوات من الأقليات السريانية – الآشورية ومجموعات مسلحة كـ»جيش الثوار»، لشرعنة تمدد قوات حماية الشعب خارج مناطق «الإدارة الذاتية» لمحاربة داعش في مناطق يقطنها العرب السنة وأخرى مختلطة بغالبية عربية كمنطقة تل أبيض.
بقدر ما اقترب الامريكيون من الاتحاد الديمقراطي، ابتعدوا عن حليفتهم التقليدية في حلف الناتو، تركيا، منذ معركة كوباني إلى اليوم. ثم دخل العامل الروسي، بكل فظاظته، في المعادلة، بناءً على اتفاق مع نظام دمشق الكيماوي، سلم الأخير، بموجبه، مصيره ومصير ما تبقى من الدولة السوريا لموسكو.
موسكو التي استلمت «التركة السوريا» من الامريكيين، أرادت أن تخرج تركيا من معادلات القوة في الصراع السوري. فاستفادت من الذريعة التي قدمتها لها تركيا المخذولة امريكياً حين أسقطت طائرة السوخوي في تشرين الثاني / نوفمبر 2015. وهكذا لاحت «هدية ثانية من السماء» لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي بات في حيرة من أمره بين الهديتين الامريكية والروسية، القوتين الأعظم في العالم بالمعنى العسكري على الأقل. وبمقابل غض الامريكيين الطرف عن تجاوزات قوات حماية الشعب في تل أبيض بحق السكان العرب والتركمان (وثقتها منظمة العفو الدولية كتهجير قسري لسكان قرى بكاملها)، شجعها الروس على اجتياح مناطق عربية في الريف الشمالي لحلب، بما في ذلك الاستيلاء على مطار منغ العسكري، والتقدم نحو مدينة اعزاز، آخر بوابة تركية على مدينة حلب ذات الثقل الاستراتيجي.
جاء اتفاق الهدنة الامريكي ـ الروسي في هذه الأثناء. وكان الامريكيون، قبل ذلك، قد طلبوا من الاتحاد الديمقراطي وقف تمددهم باتجاه إعزاز إرضاءً لتركيا. لا نعرف، بعد، هل ستضع الولايات المتحدة كل ثقلها لإبقاء البوابة التركية في إعزاز وجوارها مفتوحة، أم يستغل الروس انشغال شريكهم الامريكي بالانتخابات الرئاسية المحتدمة، لدفع حليفهم الكردي نحو استكمال وصل كانتوني كوباني وعفرين وفقاً للسيناريو الكابوسي الذي طالما حذرت منه أنقرة.
المؤكد هو أن الامريكيين يريدون من تركيا إغلاق ما تبقى من حدودها المشتركة مع سوريا لوقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا عبر تركيا، في حين يريد الروس قطع آخر خطوط إمداد القوات المعارضة للنظام الكيماوي في حلب وريفها الشمالي. وهكذا يتحول الكرد، تحت حكم الأوجالانيين، إلى جوكر بيد الامريكيين والروس، في الوقت الذي يظن فيه الاتحاد الديمقراطي أنه لاعب يملك الجوكرين الأمريكي والروسي معاً ضد تركيا.
في غضون هذه اللعبة الدموية، خسر الكرد جيرانهم العرب إلى حد بعيد، وأسسوا، بشطارة الاتحاد الديمقراطي، لأحقاد مديدة.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي