كيري: العالم لن يسمح للأسد بخداعه في موضوع الإرهاب

بيروت – لندن: «الشرق الأوسط» واشنطن: هبة القدسي
حذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس (الجمعة) من أن العالم لن يسمح لنظام الرئيس السوري بشار الأسد بـ«خداعه» خلال مؤتمر «جنيف 2»، مكررا القول إن الهدف من هذا المؤتمر الذي تنطلق أعماله الأسبوع المقبل وضع أسس الانتقال السياسي في سوريا. وفي موسكو أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم أمس أن حكومته تجاوبت مع رغبات موسكو وسلمتها خطة لوقف إطلاق النار في محافظة حلب (شمال سوريا)، مشيرا إلى استعدادها لتبادل قوائم من أجل تبادل محتمل للسجناء مع قوات المعارضة. أما بالنسبة للوضع الميداني، فقد دارت اشتباكات عنيفة بين مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من جهة، ومقاتلي الفصائل الإسلامية والكتائب المقاتلة في محيط مدينة منبج في محافظة حلب من جهة أخرى.

كلام كيري، الذي يبدو أنه موجه مباشرة إلى «الائتلاف الوطني السوري» الذي بدأ اجتماعا حاسما في مدينة إسطنبول التركية للبت في أمر مشاركته في مؤتمر «جنيف 2» أو مقاطعته له، جاء في أعقاب تصريح آخر له في واشنطن في الاتجاه نفسه شدد فيه على أن الغاية من المؤتمر سلطة انتقالية في سوريا، ومما قاله أن الرئيس السوري يضلل العالم بموضوع الإرهاب بينما هو «المسؤول عن مجيء الإرهابيين» إلى بلاده. وأمس جاء كلام وزير الخارجية الأميركي خلال مؤتمر صحافي أميركي – كندي – مكسيكي في العاصمة الأميركية. وراهنا تحاول واشنطن وموسكو التفاوض على إجراءات وصفت بأنها تهدف لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة والسماح بتدفق المعونات الإنسانية إلى أكثر المناطق تضررا في الحرب السورية المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات.

كيري قال أمام الصحافيين «لن يخدع أحد» من جانب النظام السوري، وأضاف أن الهدف من مؤتمر «جنيف 2» المقرر انطلاق أعماله يوم الأربعاء المقبل هو «تطبيق جنيف 1»، أي الاتفاق الموقع في يونيو (حزيران) 2012 الذي لم ينفذ أيا من بنوده التي تنص بشكل خاص على تشكيل حكومة انتقالية في سوريا.

في هذه الأثناء، في موسكو، قال المعلم في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنه يعول على نجاح خطة الهدنة في حلب مع تبادل الأسرى «إذا نفذت كل الأطراف التزاماتها»، وأضاف أنه يود أن تكون خطة حلب نموذجا لمدن أخرى. وتابع المعلم أن دمشق وضعت أيضا قائمة بالسجناء ومستعدة للمشاركة في تبادل للسجناء، غير أن عبد الباسط سيدا أحد أعضاء المعارضة القياديين انتقد تصريحات المعلم، عادا إياها «مناورة جديدة» من قبل النظام. وأبلغ سيدا وكالة الأنباء الألمانية بأن المعارضة طلبت دائما تنفيذ تلك الشروط قبل عقد المؤتمر، كما طالبت بتبادل السجناء ووقف إطلاق النار وإقامة ممرات إنسانية.

وخلال المؤتمر الصحافي نفسه سلط المعلم ولافروف الضوء على تقارب وجهات النظر بين بلديهما حول «جنيف 2»، وذلك بعد مباحثات لافروف الخميس مع المعلم ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ودعا إلى تمثيل إيران في المؤتمر، بيد أنه حرص على القول إن الاجتماع الثلاثي لم يكن جزءا من «جدول أعمال سري». وانتقد لافروف الذي كان جالسا إلى جوار المعلم، من دون أن يسمي «الائتلاف»، الفصائل المعارضة السورية التي لم تقرر بعد ما إذا كانت ستشارك في مؤتمر «جنيف 2»، قائلا: «نشعر بالقلق الشديد من وجود لعبة ما». وأضاف: «إن الشيء الأخير الذي علمنا به هو أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وفصائل المعارضة الأخرى لم تتلق حتى الآن الدعوة الرسمية لحضور المؤتمر. وقالوا لنا إن الأمين العام للأمم المتحدة ينتظر أن يتخذ الائتلاف القرار بشأن ذهابه أو عدم ذهابه إلى جنيف 2». واستطرد أنه «لا توجد أي أسس لاستبعاد المعارضين الذين ينشطون داخل سوريا من مؤتمر جنيف 2»، معتبرا أنه من الواضح أن الائتلاف الوطني يضم، قبل كل شيء، «معارضين مغتربين». وأعرب لافروف عن قلق موسكو من «تجاهل» شركاء روسيا في الغرب للمعارضة الداخلية، فقال: «نعتقد أنه أمر مثير للقلق البالغ، إذ ركز شركاؤنا تماما على إقناع الائتلاف الوطني بحضور جنيف2 مع تجاهلهم للفصائل المعارضة الأخرى ذات التوجهات الوطنية وتبدي الاهتمام بالمشاركة في المؤتمر»، وأوضح أن الحديث يدور، قبل كل شيء، عن «هيئة التنسيق الوطنية» والمنظمات الكردية.

يذكر أن «هيئة التنسيق الوطنية»، وهي جماعة معارضة معتدلة وعلمانية التوجهات، كانت أعلنت إحجامها عن المشاركة في المؤتمر. ووفق واشنطن، تعززت الآمال بالتوصل إلى هدنة على نطاق ضيق، في ضوء تعهدات المعارضين السوريين المسلحين المدعومين من قبلها بالالتزام بوقف إطلاق النار في حالة التزام الحكومة به. ولكن المراقبين يستبعدون أن تلتزم جماعات المعارضة الإسلامية المتشددة القوية بالهدنة المقترحة، وبعضها يحارب حاليا كلا من جيش نظام دمشق وفصائل المعارضة.

على صعيد آخر، بالنسبة إلى الوضع الميداني، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» وفق بيان تلقت وكالة الأنباء الألمانية نسخة منه عصر أمس، بأن مقاتلي «داعش» كانوا يحاولون اقتحام مدينة منبج، الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب، من طرف المطاحن وسط استقدامهم تعزيزات عسكرية من مدينة الرقة إلى محيط منبج. وأورد المرصد أن مقاتلي «داعش» فجروا بيوتا لمقاتلين مناوئين لهم في مدينة جرابلس الواقعة قرب الحدود التركية، كما جرى إعدام خمسة مقاتلين من الكتائب المقاتلة، وأضاف أن هناك «معلومات عن مقتل 17 من مقاتلي الكتائب المقاتلة في اشتباكات مع (داعش) في جرابلس ترافق مع حركة نزوح كبيرة لأهالي المدينة باتجاه الريف المحيط بها». وأعلنت تنسيقية مدينة الباب وضواحيها في بيان لها استشهاد القائد العسكري عبد الرؤوف عثمان، واستشهاد أحمد منصور على يد «داعش»، اللذين جرى قطع رأسيهما، كما نعي الناشطان الإعلاميان حسام سعيدي ومروان منصور من مدينة الباب، اللذان قتلا أمس على يد مقاتلين من «داعش»، وبث ناشطون فيديو يظهر رتلا كبيرا للتنظيم يتقدم نحو جرابلس، حيث تسلل مقاتلون منه لداخل المدينة ورابط الرتل على مداخل المدينة مقابل انسحاب كل الفصائل الأخرى باتجاه معبر جرابلس على الحدود مع تركيا.

إلى ذلك، كان مقاتلو «داعش» قد انسحبوا من مدينة سراقب بمحافظة إدلب، وذكرت معلومات أن انسحاب مقاتلي التنظيم جاء بعد اشتباكات عنيفة مع عدة فصائل إسلامية وكتائب مقاتلة استغرقت عدة أيام، أقدم خلالها مقاتلو «داعش» المنسحبون باتجاه بلدة سرمين القريبة من سراقب، على حرق سياراتهم قبل الانسحاب، الذي جاء بعد تغطية نارية من لواء مقاتل تابع لهم، بينما قتلت الكتائب المقاتلة رجلا من مدينة سراقب اتهموه بأنه كان يعمل دليلا لمقاتلي «داعش». وأضاف المرصد أن سيارة مفخخة انفجرت قرب جامع البتول بحي الزبدية في مدينة حلب نفسها.

من جهة ثانية، ذكرت التقارير الميدانية مساء أمس أنه دارت اشتباكات عنيفة بين «داعش» من جهة، ومقاتلي الفصائل الإسلامية ومقاتلي الكتائب المقاتلة من جهة أخرى في بلدة عاجل بمحافظة حلب والفوج 46 بريف حلب الغربي. وتمكنت هذه القوات من السيطرة على عاجل وأجزاء واسعة من الفوج 46 الذي كان أهم معاقل «داعش» في ريف حلب الغربي.

وفي مناطق أخرى من سوريا، جددت قوات النظام غاراتها الجوية على مدينة تلبيسة في ريف حمص، بالتوازي مع اشتباكات عنيفة في أحياء بحمص بينها باب هود، وكذلك في بلدة الغنطو. وفي مخيم جنوب دمشق خرجت مظاهرات غاضبة توجهت لمقرات «الجيش الحر» و«جبهة النصرة» داخل المخيم وطالبهم المتظاهرون بالزحف باتجاه العاصمة دمشق وكسر الحصار عن مخيم اليرموك، كما أعلنوا «رفض استخدام المساعدات الغذائية التي يجري الحديث عنها لإذلال سكان المخيم وابتزازهم»، وحملوا النظام السوري والقيادة العامة مسؤولية الدمار والقتل والحصار. ووجهوا رسالة تنبيه إلى المعارضة المسلحة إما «بتحمل مسؤوليتها وكسر الحصار أو بالانسحاب من المنطقة وتركهم يفكون الحصار بأيديهم».

وتعرضت أحياء جنوب دمشق لقصف بالمدافع ترافق مع اشتباكات عنيفة في حي القدم، وشمل القصف بالبراميل المتفجرة عدة بلدات بريف دمشق بينها الزبداني وخان الشيح، في حين قتل شخص وأصيب آخرون إثر سقوط خمسة صواريخ أرض – أرض على بلدة البلالية، وفقا للجان التنسيق المحلية.

في المقابل، أسقط «الجيش الحر» مروحية للقوات النظامية في داريا بريف دمشق عندما كانت تلقي براميل متفجرة على المدينة. وأظهرت صور بثت على الإنترنت المروحية وهي تهوي بينما تشتعل فيها النيران. وكان الطيران الحربي السوري قد كثف أخيرا غاراته على داريا المحاصرة منذ أكثر من سنة، في وقت تدور فيه اشتباكات شبه يومية بأطرافها.

وفي جنوب البلاد شهد ريف محافظة درعا قصفا من قبل قوات النظام على مدن إنخل والشيخ مسكين وبصرى الشام وتسيل بالدبابات وراجمات الصواريخ، وقتل سبعة أشخاص على الأقل وجرح العشرات بينهم مدير مشفى ميداني في قصف بالطيران الحربي على حي طريق السد بدرعا المحطة. كذلك وقعت اشتباكات عنيفة في درعا بين «الجيش الحر» وقوات النظام في محيط المستشفى الوطني وسوق درعا، وفق ما قالت شبكة شام الإخبارية.

وعلى الصعيد الإغاثي، دعا المفوض السامي لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريش أمس إلى «حل سياسي» للنزاع السوري الذي أدى إلى تهجير الملايين، وذلك قبل أيام من «جنيف 2»، وجاء كلام غوتيريش، وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية، خلال لقاء للدول المضيفة للاجئين السوريين أقيم في مخيم قرب مدينة أورفة (شانلي أورفا) في جنوب تركيا. وأضاف خلال اللقاء أنه «من المهم جدا إرسال رسالة واضحة جدا إلى المجتمع الدولي الذي سيجتمع الأسبوع المقبل في جنيف، مفادها أنه يجب بشكل قطعي وضع حد لحمام الدم والتوصل إلى حل سياسي».

وأضاف غوتيريش أن «ما يحتاج إليه السوريون هو السلام والقدرة على العودة لإعادة إعمار بلادهم» الغارقة في نزاع دام منذ منتصف مارس (آذار) 2011.

وتقدر الأمم المتحدة الموازنة المطلوبة للاهتمام باللاجئين السوريين الذين قارب عددهم ثلاثة ملايين شخص، إضافة إلى ملايين المهجرين داخل البلاد، بنحو 6.5 مليار دولار أميركي. وكانت الدول المانحة قد عقدت الأربعاء الماضي في الكويت ملتقى أعلنت فيه الالتزام بتقديمها ما مجموعه 2.4 مليار دولار لمساعدة اللاجئين والنازحين السوريين.

وحول معاناة اللاجئين والنازحين حث غوتيريش دول العالم على فتح حدودها أمام اللاجئين السوريين الهاربين من أعمال العنف، قائلا: «هذا واجب المجتمع الدولي. لهذا نحن ندعو إلى فتح كل الحدود، وليس فقط تلك العائدة إلى الدول المجاورة». وأردف: «بالنسبة إلي، من غير المقبول أن يغرق اللاجئون السوريون في البحر الأبيض المتوسط أو يرحلون إلى دول أخرى».