كيف تتصور خريطة سوريا المستقبل؟

سؤال يطرح على السوريين، بعد إرث الدم الهائل المتراكم، عبر خمس سنوات من القتل والدمار في هذا البلد، حيث تعجز إحصاءات الرصد عن تحديد أعداد الضحايا الأبرياء، ومساحات الخراب، وهي تقدم مقارباتها الواخزة لما تبقى في الضمائر الحية، من أرومة النخوة، وهو بدوره سؤال إشكالي، على الأصعدة كلها، لاسيما عندما يكون المجيب في مقامي الاهتمام والدقة:
بعيداً عن كيفية رسم الشكل الأول لهذه الخريطة، في الرحم السايكس بيكو 1916، ضمن إطار المنطقة كلها، وما أثير من لغط آنذاك، بين مذعن، ومحتج، لا يد لكليهما، في ما رسمت لهما من مصائر، حيث ثمة وصي غربي قدم نفسه، وهو في بزة أحد أشكال الاحتلال، كي يفكر عن الموصى عليه، لا الموصى به ـ وإن كانت الوصاية في الأصل معدومة ـ محدداً بذلك قدره التاريخي الذي بات يتآلف معه، من دون متابعة مسار ذلك، حيث سياسات الديكتاتوري، ومكياجات المحو والصهر، التي راح يوزعها وفق موازين آلة الاستبداد، البعثوي، فلا منجاة لأحد منها، كي ينال كل منهم حصته بالقدر المرسوم، أو العبثي المهندس، كي تؤول الأحوال إلى لحظة الانفجار.
من حق السؤال، لما يتكهرب به من حساسيات، أو «حزازيات»، كما يقولها ابن المكان المعني، في الفضاء ذاته، أن يحتل هذا القدر من العناية، لديه، كما لدى المعني به، وهو في موقعه غير المسؤول، ليكون كلاهما غير قادرين على التأثيرعلى دفة سير الأمور، على اعتبار أن كل ما يجري منذ نقطة الدم الأولى التي جرت في إطار الثورة السورية، وحتى النقطة التي لن تتوقف بعد أية مصالحة ما فوق وطنية، أو حتى وطنية، وما تحت وطنية؟ ـ وأنى هذه الوطنيات أصلاً؟ ـ بعد تنطع اللاوطني كي يكون في مواقع تمثيلها، في المحافل، والمؤتمرات، وواجهات الثورة، وهو نعت لا يطلق عليه ـ هنا ـ إلا بعد فشله في امتحانات تمثيل من تقدم باسمهم، عبر أوراق غير رسمية، إلى الدرجة التي بات فيها شريكاً للقاتل، متعدد الهويات، المحلية منها، والإقليمية، والدولية، في آن.
أجل، ولكي نعرف مصير اللوحة السورية في خريطتها، المستقبلية، بعد هذه السنوات الخمس التي غدت فيها، عرجاء، مشلولة، كسيحة، رهن المحو، وهي مخضبة بلوني الدماء والحرائق، فإنه لابد علينا أن نتذكر خريطة السوري، في أعماقه، بعد أن انفلتت الأهواء من عقالاتها، وباتت تتوالى انقسامات، وتجزيئات، إلى الدرجة التي بات هوى الفرد الواحد، أهواء متناحرة، متضادة، بل هويات عصية على اللحمة، أو الجبر، أو الرتق، عبر الهروب إلى مرحلة ما قبل الدولة، بل ما قبل العشيرة، أو القبيلة، أو حتى ما قبل العائلة، أو الأسرة، وما قبل الأنسنة، بعد أن ضلع في كل هذه الوحشية، وهو شأن نسبة هائلة، تحت وطأة رحى الحرب: فاعلة أو مفعولاً بها، أو منفعلة إلى أقصى أمداء الانفعال.
ولم تعد خريطة السوري، المكانية، وحدها، تبوصل موقعه، بعد أن استيقظت ـ فجأة ـ كل هذه المتناقضات، المنومة، من تحت رمادها، لأن هناك سلسلة خرائط فاعلة في تحديد شكلها. إذ أن هناك مقابل هذه الخريطة أرومات خرائط، مستحدثة، واقعاً، أو مجازاً، تولدت تحت سطوة سايكولوجيا الحرب والمكيدة، إلى جانب أرومات خرائط ماقبل اللحظة السورية، وخرائط المحيط، التي طاولتها الأيادي القريبة والبعيدة، الإقليمية، والإسلامية، والكونية، بما أوصلها إلى مهاوي لزوم المعادلة التي لا يمكن أن تستقيم ضمن حدود ما قبل المعجزة الآدمية.
ثمة قلق رهيب، ينتاب السوري، في عمقه، ومحياه، داخل معادلة المكان، أو خارجها، وهو يجلي البصر، كي يسترئي ما بعد دخان الحرب، وركامات الجثث والدمار، حيث لا يبدو جلياً، في لحظة الغبش، والتضبب، كل ما هو مكمون، إذ لابد من استقامة أطراف معادلات شتى، مشوشة، يختلط فيها فايروس النظام، بفايروسات المعارض الذي نشأ في أحضانه ـ وهو ما لا يعمم البتة أمام حالات الاستثناء وما أكثرها..! ـ بالفايروسات الأممية، لاسيما في تصنيفيها: الروسي والأمريكي، إضافة إلى ما هو متأسلم، كي يزداد التهاب الصفيح، وهو يتحول إلى سفود لامنجى لأحد منه، وإن تفاوتت درجات أذاهم، بتعدد ذواتهم، ومدى درجات القرب أو البعد من الكور الأتوني الذي لما ينطفىء بعد..!.
لا حل البتة، لمعضلة السوري، على المدى العياني، إلا بإيجاد تلك المقدرة على إقصاء القاتل، بهوياته المتعددة، عبرفرض إرادة إقصاء «القاتل» المستنسخ عن «القاتل الأول» على أن يكون هذا الأخير، أولهما، مادام أنه أول القتلة، وإن كانا متوازيين في الحكم، بل إقصاء كل من سال هذا الدم السوري في حضورهم، ومن عداد هؤلاء: مفاوضواليوم، ومن يتنطعون كي يكونوا مفاوضين، وهم شركاء بأدوارهم، في ما آل إليه المشهد السوري، كي يجلس السوريون، على اختلاف أهوائهم، ورؤاهم، على طاولة محايدة، مستبان مافوقها، أوماتحتها، وما وراءها، وما حولها، ليمنحوا كل ذي حق حقه، ضمن الفضاء الذي يتفقون عليه….!.
الحديث عن المرحلة الانتقالية في سوريا، والتي كانت لعقود أحد شطري دولة البعث، يحيل إلى تخيل حال الشطر الأول، أي: العراقي، في راهنيته، وبعد عقد ونيف على سقوط نظامه، وإطلاق الإرهاب من عقاله، لاسيما أن نظام الشطر السوري وراء ما وصلت إليه الأمورفي الشطر المقابل، من خلال استبكار مواجهة الثورة قبل ولادتها، ببضع سنوات، وتحديداً منذ أن تم إطلاق خطاب «المقاومة» الملفق، التضليلي، وما نجم عنه من تصدير لمن سموا بـ«الجهاديين» الذين ولدوا من رحم أجهزة الاستخبارات السورية التي راحت تخطط للقتال من أجل كرسي النظام، على أرض غير سورية، فكان ذلك، ولا يزال، في تواز مع ما هو سوري، حتى في استنبات أعتى أشكالها الداعشية، أوالمابعد قاعدية.
إن هذا الاتفاق، لا يمكن أن يعول عليه، في صورته هذه، ضمن سلسلة الجنيفيات المتسلسلة، حتى الآن، المحكومة بإرادة أو فعل قوى الدفع إلى الحرب القائمة ذاتها، مادام أن هناك من يعطي القاتل حقه في التفاوض، ومادام أن بعض السارقين، أو المتواطئين، مفاوضين، من ضمن هيئات سورية فقدت مصداقياتها، وهنا، فإنه لابد أن تكون هناك إرادة عليا تواصل التصور العام، لا تكون فيها الغلبة لطرف دولي، دون آخر، مع التركيز على إبعاد من آزروا القتلة، متباهين، بأفاعيلهم، لأن أمكنتهم محاكمات التاريخ، لا سدة التحكم بمصائر الأمم والشعوب.

٭ كاتب سوري يقيم في ألمانيا

إبراهيم اليوسف