كي لا يتكرر انعزال «إعلان دمشق»
في أوائل حزيران (يونيو) 2009، شهدت بلدة الرحيبة في ريف العاصمة السورية دمشق مواجهات بين أهالي البلدة والسلطات على خلفية محاولة الأخيرة تنفيذ قرار بهدم عشرات المنازل المخالفة فيها. أدت هذه المواجهات إلى مقتل أربعة من سكان البلدة، بينهم طفل، وجرح عشرات آخرين وفق ما ذكرت حينها مصادر إعلامية تسرب إليها الخبر في شكل أو آخر، فيما لم تحظ هذه المصادمات بتغطية جديرة في الإعلام الرسمي.
هذه الاضطرابات الاجتماعية لم تكن الوحيدة التي شهدتها تلك السنوات. فبعض أرياف محافظة درعا شهد مصادمات بين نازحين من محافظة الحسكة نتيجة الجفاف وأهالي بعض القرى التي استوطن هؤلاء النازحون أراضيها. كانت كل هذه الأحداث، وربما غيرها مما لم نسمع به نتيجة التعتيم الإعلامي، إشارة بارزة إلى الأوضاع المعيشية التي تعانيها قطاعات عريضة من المجتمع السوري، وما قد تعكسه هذه الأوضاع من اضطرابات اجتماعية لم يكن من الممكن تجنبها.
ما نريده من استحضار هذه الأمثلة، هو الإشارة إلى أن هذه الأحداث كانت تجري بمعزل عن أي تأثير من قبل أي من تشكيلات المعارضة السياسية، وفي مقدمها «إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي»، الذي كان أكبر تحالفات المعارضة تلك السنوات. بالطبع، كانت سنوات القمع المديدة قد فعلت فعلها في قدرة المعارضة على التأثير، بخاصة مع غياب الحريات الأساسية ومنع السياسة عن المجتمع، والضربات التي تلقاها الإعلان بالذات عبر اعتقال عدد من أبرز قادته.
لكن محدودية تأثير «إعلان دمشق» كان أيضاً بسبب أنه لم يعط الحيز الكافي للعوامل الاقتصادية الاجتماعية التي كانت تؤدي إلى انحسار القاعدة الاجتماعية للنظام، وبالأخص منذ البدء بتطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي والخصخصة وما نجم عنها من بطالة وتهميش واسع للريف السوري والأحياء الشعبية والمدن غير الرئيسة، في مقابل تركز الثروة في يد قلة من مسؤولي النظام ورجال الأعمال.
فضّل الإعلان مركزة خطابه حول تغيير السلطة والديموقراطية، وهي أمور، على رغم أهميتها وأولويتها، ما كان لها أن تثير اهتمام الطبقات المسحوقة، أو على الأقل كان من الضروري العمل على ربطها المباشر بالحاجات المعيشية الملحة، وهو ما لم يكن. بدا معظم النشاط السياسي المعارض، على رغم كل تضحياته وشجاعته الاستثنائية، نشاطاً نخبوياً ومعزولاً بلا أي حامل اجتماعي.
اندلعت الثورة عام 2011، وكان من أهم عواملها الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الآنفة الذكر. ليس جديداً القول إن الثورة فاجأت المعارضة كما فاجأت النظام. استعادت قطاعات من السوريين شأنهم العام، وتقدمت المطالب السياسية المرفوعة على المطالب الاقتصادية والاجتماعية، أو على الأقل ترابطت، وأدرك الثائرون بمختلف طبقاتهم وانتماءاتهم أن القضاء على آليات الفساد وغياب العدالة الاجتماعية مثلاً ما عاد ممكناً من دون إسقاط النظام وتحصيل الحريات.
لكن الحال بعد انقضاء السنة الرابعة على الثورة بدأ يتغير. في هذا لم يكن مفاجئاً أن يتحول فصيل يضم بضع عشرات من مقاتلي المعارضة إلى جزء من ميليشيا الدفاع الوطني الموالية للنظام، ذاك أن هؤلاء المقاتلين كانوا ينشطون في أحياء جنوب دمشق المحاصرة منذ أمد طويل والمفتقدة لأبسط مقومات الحياة، فيما يغادر كثر من المدنيين الغوطة المحاصرة هي الأخرى إلى دمشق ولا يتأخر النظام في تجنيد الشبان منهم كمقاتلين على الجبهات. تبدو الثورة وحواضنها الشعبية في واد والأجسام السياسية المعارضة في واد آخر. في أحياء جنوب دمشق ذاتها هتف متظاهرون مؤخراً «بلا حرية بلا بطيخ… بدنا يفتح الطريق»، تقدم مجدداً المطلب المعيشي الملح على أي مطلب سياسي آخر، بل فقد ترابطه مع أي تغيير سياسي مرتجى.
ثمة تقاطعات أيضاً في الفترة الراهنة: لا «الائتلاف الوطني لقوى الثورة» ولا «هيئة التنسيق الوطنية» يملكان صوتاً مسموعاً أو قدرة على التأثير في المناطق المحاصرة أو حتى في مخيمات اللاجئين أو البلدات والقرى الخارجة عن سيطرة النظام، ولا يمكن لهذه القدرة أن تتحقق أساساً من دون الإسهام في توفير مستلزمات العيش للبشر. أما «تيار بناء الدولة» فلا يبدو أن هذه الثورة تعنيه أساساً، مفضلاً تنظيم ورشات حقوقية وإعلامية تخاطب حساسيات البرجوازية وما تبقى من طبقة وسطى مدينية، فيما من يسعى إلى التأثير على ملف الهدن والمصالحات يحوله إلى ملف وجاهي مناطقي لا يتجاوز المطالب المعيشية لهذه المنطقة أو تلك، أي كمن يريد معالجة أحد أعراض المرض في مقابل الإبقاء على المرض نفسه وأعراضه الأخرى، من دون أدنى محاولة لتحقيق مكاسب سياسية من هذا الملف أو وضعه في سياق التغيير السوري العام.
ملاذ الزعبي
المصدر : الحياة
التعليقات مغلقة.