لا بأس من موت طفل سوري!

السؤال الكبير الذي يدور في ذهني هذه الأيام: هل روسيا وأميركا تسعيان بالفعل إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط؟ وهل دول المنطقة على دراية بحقيقة الأجندة الخفية للدولتين الكبيرتين؟

العالم المثالي الذي لا صراعات فيه هو عالم خطير. عالم قابل للانفجار في أي وقت، وبأشكال مفاجئة وغير متوقعة، لا زمانياً ولا مكانياً، لهذا تحرص الدول العظمى على إبقاء بعض الصراعات العالمية مشتعلة في أماكن مختارة على الخريطة العالمية وإدارتها بما يتناسب مع مصالحها العليا.

تعتمد هذه الدول في اتصالها وتعاملها مع الصراعات الدولية مفهوم «إدارة المتوقَع» كي تخنق كل احتمالية لظهور «الحدث غير المتوقَع» الذي قد يصعب التعامل معه مباشرة. بل إنها أحياناً قد تُفجر الصراع في منطقة معينة من العالم في شكل متعمد، ليبقى تحت رعايتها وإشرافها المباشر، بدل انتظار الانفجار الذي قد يأتي بتفاصيل زمانية ومكانية غير متوقعة.

وتتراوح مصالح الدول الكبرى من خلق الصراعات العالمية وإدارتها بين ما هو داخل في مفهوم «الحاجة إلى الصراع من أجل ديمومة الحياة»، وبين ما هو من صميم الأمن القومي الخاص بكل دولة على حدة. ويمكن لي في هذا السياق أن أعدد بعض المصالح التي تتصادم مع مفهوم السلام وتشتبك معه، جاعلة من الحروب والصراعات مشتهى دولياً غير معلن.

أول هذه المصالح هو حاجة الأرض إلى الحروب بين الحين والآخر لتتطهر وتبتعد عن مسببات الفساد. الحروب عبر التاريخ كانت بمنزلة الأفران عالية الحرارة التي تنفي الخبائث والشوائب من منظمات ومكونات الأرض الأممية، ولطالما جاء السلام «الطلق يختال ضاحكاً» بعد الحروب المدمرة، صانعاً صيغة عيش مناسبة لمتحاربين كانوا قبل الحرب يعيشون في حال غياب توازن دائمة.

الكثير منا يرى أن قتل الأطفال والنساء والشيوخ وتجويع الأمم وتشريدها، أمر غير إنساني ولا أخلاقي ويتصادم مع طبيعتنا البشرية الجانحة نحو السلام في كل الحالات، لكن هناك من المفكرين الاستراتيجيين وصنّاع السياسة في الدول الكبرى، من يرى أن هذا أمر لازم لديمومة الحياة وبقاء دول بعينها لأطول فترة ممكنة.

ثاني المصالح يتعلق بمصانع السلاح، فالغرب هو المزوّد الرئيس للسلاح على الأرض، ومتى ما توقفت الحروب فإن ذلك يعني أن آلاف المصانع في أوروبا وأميركا وروسيا ستقفل أبوابها، وسيجد ملايين العاملين أنفسهم بلا عمل، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى أزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة قد تقود إلى فوضى غير مرحب بها.

لا بأس إذاً من إشعال حرب هنا وحرب هناك، بالقدر الذي يُبقي هذه المصانع مفتوحة لتصرف على موازنة الدولة من جهة، وتطعم أفواه ملايين «الأطفال الأبرياء» الذين يعمل آباؤهم في هذه المصانع من جهة أخرى. لا بأس من أن يموت طفل في الشرق الأوسط أو أفريقيا من أجل أن يتذوق طفل أوروبي أو أميركي طعم الحياة المرفهة بعيداً من أماكن الصراع! لا بأس من أن يصنع الغربي آلة الموت ليشحنها إلى الشرق الأوسط لتزهر الحياة وتنثر ألوانها وروائحها العطرة في النصف الآخر من العالم!

ثالث المصالح في إذكاء الصراعات وإشعالها في أماكن معينة من العالم، هو إبقاؤها بعيدة من حدود الدول الكبرى، فكلما كانت الصراعات مشتعلة على بعد آلاف الأميال، صعّب ذلك من انتقالها إلى حدود هذه الدول. كما أن وجود الصراع في منطقة معينة وتغذيته بالمناورات الديبلوماسية والسلاح، سيشغل المتحاربين «الأشرار»، كما تصفهم الأدبيات الغربية، ويجعلهم غير قادرين في المستقبل القريب على مهاجمة الغرب «الكافر»، أو الغرب «اللاأخلاقي»، أو الغرب «الإمبريالي»!

أما رابع المصالح فهو إجبار دول المنطقة على عقد تحالفات معينة وبناء اصطفافات مرسومة سلفاً في الدوائر الغربية، بما يتناسب مع مصالح الدول الكبرى، وكل ذلك تحت غطاء محاربة الإرهاب والقضاء على مسببات الحروب والصراعات.

والأهم من ذلك كله أن الدول الكبرى لا تغيب أبداً عن كل شاردة وواردة في هذه الصراعات من خلال تنظيم الملتقى بعد الملتقى، والمؤتمر بعد المؤتمر، وجمع أطراف الصراع كلهم، وتفريغ ما في جعبتهم، ونقله إلى حيث تصنع الاستراتيجيات الغربية، ثم العودة من جديد بـ «حلول» تعقّد أية حلول محتملة.

علينا دائماً أن نعرف أن الدول العظمى هي دول مثالية في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان على شعبها، وهي عظيمة كذلك في تفعيل الآليات الديموقراطية في مؤسساتها كافة، لكن علينا أن نعرف أيضاً أن الديموقراطيات وحقوق الإنسان تأتي في مراتب متأخرة في اهتمام هذه الدول عندما تتعامل مع دول العالم الثالث.

والآن أعود إلى السؤال الذي بدأت به هذه المقالة: هل فعلاً تريد الدول الغربية إنهاء صراعات منطقة الشرق الأوسط؟

عبد الله ناصر العتيبي

الحياة