لا عذر لعدم تحرك مجموعة العشرين في سوريا يجب توفير مساعدات عاجلة ووقف تدفق الأسلحة إلى القوات المسيئة وتأييد الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية

(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن النقاش حول سوريا حين يجتمع قادة مجموعة الدول العشرين في سان بطرسبرغ يوم 5 سبتمبر/أيلول ينبغي أن يتطرق إلى رد الفعل المزري الذي أبدته الدول الأعضاء حيال مجمل الأزمة السورية طوال العامين الماضيين. رغم ضآلة الأمل في أن يتفق قادة الدول العشرين على رد على الهجمة الكيميائية المزعومة في ضواحي دمشق، أو على الصورة السورية الكلية، فإن عليهم على الأقل الاتفاق على إجراءات ملموسة يمكنها توفير الحماية والعدالة والمساعدة للضحايا في سوريا.

عملت روسيا والصين بوجه خاص على منع أية مبادرة جادة في مجلس الأمن لضمان المحاسبة أو تحسين الوصول إلى المساعدات الإنسانية. وفي تلك الأثناء أبدت الحكومات ذات الثقل وسط دول الجنوب، وبالتحديد حكومات الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، أبدت القلق من الوضع، لكنها لم تؤيد أية تحركات منسقة لمساعدة المدنيين المتضررين.

قالت بيغي هيكس ، مديرة قسم المناصرة العالمية في هيومن رايتس ووتش: “لا وجود للمتفرجين الأبرياء في النزاع السوري، ولم تبذل دولة واحدة من دول مجموعة العشرين كل ما بوسعها للمساعدة على إنقاذ أرواح السوريين، وقد آن لها أن تفعل. إننا نعرف ما يعارضه معظم أعضاء مجموعة العشرين، لكن ما الذي يؤيدونه؟”.

دعت هيومن رايتس ووتش دول مجموعة العشرين إلى توفير الإغاثة الإنسانية العاجلة للملايين المتضررين من الأزمة السورية، وإلى وقف تدفق السلاح للقوات المسيئة، وإلى الضغط من أجل ملاحقة المشتبه في ارتكابهم لجرائم حرب.

توفير الإغاثة العاجلة للاجئين السوريين وغيرهم من المدنيين المتضررين
لا ينبغي أن يثور أي جدل حول مساعدة أناس في مسيس الحاجة إلى الغذاء والوقود والرعاية الصحية وغيرها من الحاجات الأساسية، لكن الأزمة الإنسانية في سوريا اتخذت أبعاداً كارثية وما تني تزداد سوءاً. وبحسب وكالة اللاجئين الأممية، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تجاوز عدد اللاجئين من النزاع السوري مؤخراً المليونين، علاوة على 4,2 ملايين آخرين من النازحين الداخليين. ونصف المحتاجين إلى المساعدة من الأطفال. وقد أفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوجود عجز حاد في المستلزمات الطبية الحيوية.

أما مناشدات الأمم المتحدة لطلب مساعدات لسوريا من الدول الأعضاء فهي تعاني من نقص فادح في التمويل. أفادت وكالة اللاجئين يوم 3 سبتمبر/أيلول بتلقي أقل من نصف التمويل اللازم لتغطية الاحتياجات الأساسية للاجئين. لم تقدم روسيا للوكالة سوى 10 مليون دولار، وقدمت الصين مليوناً واحداً فقط. وتحتل الولايات المتحدة صدارة المتبرعين لمناشدات الوكالة بـ228 مليون دولار. من جملة مساعدات بقيمة 4,4 مليار دولار، مطلوبة لمعالجة الأزمة الإنسانية إجمالاً في عام 2013، تعاني الأمم المتحدة من عجز قدره 3,1 مليار دولار حتى يوليو/تموز. وتحتل دول مجموعة العشرين، بـ90 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في العالم، موقعاً مثالياً للتعاون على سد الفجوة في المساعدات اللازمة للسوريين المتضررين، بحسب هيومن رايتس ووتش.

ومع ذلك فهناك المزيد مما يمكن عمله على الصعيد الإنساني. فهناك ما يقدر بـ2,8 مليون سوري داخل البلاد يواجهون فجوات في المساعدات من شأنها تهديد حياتهم، لا لنقص الموارد فحسب، بل لتعذر وصولهم إلى المساعدات أيضاً. لقد أصرت سوريا على ضرورة إرسال كافة المساعدات الإنسانية عبر أراض تخضع لسيطرة الحكومة، فصار أمراً شديد الصعوبة أن تصل المساعدات إلى الناس في الشمال السوري الخاضع للمعارضة.

وعلى دول مجموعة العشرين أن توضح ضرورة وصول المساعدات إلى الشعب السوري عبر أقصر الطرق الممكنة، بما في ذلك عبر الحدود. ولضمان تغطية هذه الفجوة، يتعين على دول مجموعة العشرين أن تجري توسيعاً كبيراً في مساعداتها للوكالات الإنسانية التي تقوم بهذا العمل، وأن تؤيد مشاركة أكبر للأمم المتحدة، للسماح بتوسيع تلك المساعدات. كما يجب على دول مجموعة العشرين الإصرار على امتثال سوريا لتوصيل المساعدات من بلدان مجاورة، إلا أن عليها ألا تسمح لأي اعتراض من سوريا أن يردعها عن زيادة تدفق المساعدات لكل المحتاجين إليها.

وقف تدفق السلاح للقوات المسيئة
خلصت لجنة تقصي الحقائق في سوريا إلى أن قوات الحكومة السورية ترتكب جرائم ضد الإنسانية عن طريق هجمات ممنهجة وواسعة النطاق على مدنيين، وهو الاستنتاج الذي يتفق مع ما توصلت إليه هيومن رايتس ووتش. وقد اتفق عدد من الحكومات والمنظمات متعددة الأطراف على حظر بيع وتوريد السلاح والذخيرة والعتاد الحربي إلى الحكومة السورية، أو شرعت بالفعل في تنفيذه.

غير أن اثنين من موردي السلاح الرئيسيين للحكومة السورية ـ إيران وروسيا ـ يواصلان إمداد الحكومة السورية بالسلاح رغم استمرار الفظائع التي ترتكبها القوات المسلحة السورية. وعلى الرغم من المزاعم الروسية بأنها لا تورد سوى “أسلحة دفاعية”، إلا أن ثمة تقارير تفيد بتوفير أسلحة تشمل المقاتلات النفاثة و مساعدات أخرى تستخدم في العمليات الهجومية. وبحسب تقارير إعلامية، ثمة دلائل على تزايد هذا الدعم.

يجب على أعضاء مجموعة العشرين الإصرار على توقف الحكومات وموردي السلاح عن توفير الأسلحة للحكومة السورية طالما استمر ارتكابها لجرائم ضد الإنسانية، وعليهم ممارسة ضغط مشترك على روسيا، وهي أحد أعضاء المجموعة، لقطع توريدات السلاح والمساعدات العسكرية عن الحكومة السورية. كما يتعين على دول مجموعة العشرين الإصرار أيضاً على قيام الدول المجاورة لسوريا، وبالأخص العراق، بالتحقق من عدم شحن أسلحة لسوريا عبر أراضيها.

وبغرض الضغط على الشركات حتى تتوقف عن تزويد الحكومة السورية بالسلاح، ينبغي لدول مجموعة العشرين وغيرها من مشتري الأسلحة أن تعلق أي تعامل راهن لها مع الشركات التي تزود سوريا، وألا توقع أية عقود جديدة معها حتى تتوقف شحنات الأسلحة إلى سوريا.

وبالمثل فإن توفير الأسلحة والعتاد لأية قوات مسلحة وطنية أو جماعات مسلحة غير حكومية، يعرف عنها ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق، يمكن أن يجعل من الدول أعضاء مجموعة العشرين شركاء في انتهاكاتهم. ينبغي لدول مجموعة العشرين ألا تبيع أو تورد أية أسلحة أو عتاد لأية جماعات ترتكب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.

ضمان تقديم مرتكبي جرائم الحرب إلى العدالة
في مواجهة انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب تم توثيقها في سوريا، بما في ذلك انتهاكات ارتكبتها قوات المعارضة، دعت هيومن رايتس ووتش مجلس الأمن الأممي لإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولأن سوريا ليست عضواً في معاهدة المحكمة فسوف يتعين على مجلس الأمن منح المحكمة الاختصاص.

لقد قام ما مجموعه 64 دولة بدعوة مجلس الأمن لإحالة الوضع السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك ستة من أعضاء مجلس الأمن هم فرنسا والمملكة المتحدة ولوكسمبورغ والأرجنتين وأستراليا وكوريا الجنوبية.

غير أن 11 دولة من أعضاء مجموعة العشرين لم تعلن عن تأييد الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومنهم الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، والثلاثة جميعاً من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. أما الباقون فهم جنوب أفريقيا والبرازيل وكندا والمكسيك والهند وإندونيسا وتركيا والمملكة العربية السعودية. وصفت روسيا جهود السعي للإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية بأنها “سيئة التوقيت وتأتي بأثر عكسي”.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي لدول مجموعة العشرين التي لم تؤيد الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن أن تعلن عن تأييدها، وأن تتخذ كافة الخطوات المتاحة لتشجيع روسيا على التخلي عن معارضتها.

تؤكد سجلات النزاعات السابقة، مثل نزاع البلقان في تسعينيات القرن العشرين، أن توجيه الاتهامات الجنائية إلى كبار القادة العسكريين والسياسيين والمتمردين يمكن أن يعمل على تدعيم جهود السلام، عن طريق نزع الشرعية عن هؤلاء الذين يقفون في طريق حل النزاع وتهميشهم. وفي الوقت نفسه يمكن للإخفاق في محاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية أن يزود الانتهاكات في المستقبل بالوقود.

قالت هيومن رايتس ووتش إن من شأن الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية أن ترسل رسالة واضحة إلى كافة أطراف النزاع في سوريا، تفيد بأنه لن يكون هناك تسامح مع الجرائم، وبأن ارتكاب مثل تلك الانتهاكات قد تكون له عواقب وخيمة. كما أن التهديد بالإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية سيعد إشعاراً لذوي المناصب العليا في الحكومة والمعارضة على السواء بأنهم قد يساءلون عن الجرائم التي يأمرون بارتكابها، أو عن الجرائم التي يخفقون في منعها أو المعاقبة عليها ـ أياً كانت نتيجة النزاع السوري.