لبنان وسورية وكعكة النظام

حصل النظام الحاكم في دمشق على حصته من الكعكة السورية التي يتقاسمها المتصارعون على حساب الشعب السوري، بالوكالة أو بالتحالف مع دول وجهات داعمة. والمؤسف أن حصة النظام هي المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية، وفي هذا تجديد للخطر على التعددية اللبنانية ودولة الطوائف المتوافقة، والخطر على قوة لبنان الناعمة المتأتية من انفتاح أبنائه وحضورهم في الصف القيادي الاقتصادي والثقافي والسياسي في المنطقة والعالم، وحرصهم على الانتماء العربي، خصوصاً العلاقة مع القطبين السعودي والمصري في المرحلة الراهنة. ويتفق كثيرون على أن لبنان المستقر هو اليوم حاجة للمنطقة وللمجتمع الدولي، في انتظار وضوح مآلات الكوارث المتتابعة في العراق وسورية وفلسطين.

لبنان المستقر هو أيضاً حاجة للسوريين، وهذا ما يدركه بالفطرة وبالتجربة الملموسة وبالمصلحة المباشرة النازح السوري الذي يتخطى إدراكه الواعي ذلك القصور الموصوف لمثقفين سوريين ولبنانيين احترفوا الاتهام المجاني وفق قاعدة أيديولوجية لا تتزحزح، عاجزين عن رؤية المصالح المتشابكة. كم يشبه هؤلاء رجالاً يصرخون لبثّ الحماسة في صراعات عشائرية ضيقة الأفق.

ولما كان المقصود هو مواجهة «حزب الله» وسطوته، فإن هذا الحزب، بخلاف ما تظهر الصورة السائدة، قوي في سورية – الآن وضعيف في لبنان وقد يزداد ضعفاً في الآتي من الأيام، وذلك بسبب أصوليته المنكفئة العاجزة عن معايشة طبيعية لمجتمع منفتح ثقافياً وملتزم بالحفاظ على تكوينه المتعدد. ولمن يريدون إضعاف «حزب الله» يمكنهم مساعدة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الجامعة ومجتمعها المتعدد الثقافات، وليس بما نقرأ ونسمع من دعوات إلى الحفاظ على الوضع الراهن في جرود عرسال التي يحتلها «القاعدة» و «داعش» مهدّدَين الاستقرار اللبناني بدءاً من بلدة عرسال بأهلها وبالنازحين. أما الجيش اللبناني فليس شبيهاً للجيشين السوري والعراقي في علاقته مع المجتمع وعلاقة المجتمع به، فهو مؤسسة من مؤسسات الدولة الجامعة تتعرض للمساءلة والتحقيق والمحاسبة إذا أخطأت في تطبيق القانون. وهذا الجيش لا يحتاج إلى محبين مبالغين ولا معترضين صارخين بقدر ما يحتاج إلى متفهمين لدوره الدقيق وحريصين على بقاء عمله الأمني في إطار القانون.

لا بد للمأساة السورية أن تصل إلى لبنان، وقد وصلت:

عبر نازحين تخطوا المليون ولا يستطيع المجتمع تحمل أعبائهم على رغم العطاءات العربية والدولية.

وعبر انخراط «حزب الله» في الحرب السورية وما يسبّبه من انشقاق بين الفئات السياسية والاجتماعية والطائفية في لبنان تحديداً.

وعبر بحث النظام السوري المتهاوي عن الشرعية من خلال لبنان، فالنازحون ليسوا جميعاً معارضين، إنهم هاربون من الحرب يحتاجون إلى سلام، ولا يستغنون عن معاملات رسمية من خلال سفارتهم في بيروت.

دائماً، كان النظام السوري يبحث عن شرعيته خارج الحدود (في لبنان ولدى الفلسطينيين)، وقد برهن قادته عن خبرة في المجتمع اللبناني أكثر من خبرتهم المفترضة في المجتمع السوري نفسه. انظر كيف تحكموا بالقوى المتعارضة في حرب لبنان وطوّعوها لخدمة مصالح النظام السوري، في حين عجزوا عن قراءة علامات الانفجار الكبير الذي حطم وطنهم مجتمعاً ودولة، معارضة ونظاماً. وما نسمع في لبنان من أصوات العصبيات العمياء يذكّر ببدايات الحرب اللبنانية، حين طرحت شعارات عزل حزب الكتائب وطرد اللاجئين الفلسطينيين مؤدية إلى انشقاقات سياسية حادة وحرب أهلية شجعتها قوى إقليمية ودولية تتصارع على أرض لبنان وبدماء اللبنانيين والفلسطينيين، حتى إذا توصلت تلك القوى إلى اتفاق سمحت للتابعين بإنهاء حرب خاضوها بالوكالة على رغم رؤوسهم الحامية وادعاءاتهم بالقرار المستقل.

الوضع اللبناني يختلف اليوم عنه في العام 1975، وليست المواجهات المتوقعة في جرود عرسال والحرب الافتراضية على «حزب الله» سوى تفصيل في المشكلة الكبرى: الحدود اللبنانية من الجانب السوري يتحكم بها كلها نظام يحذر منه معظم اللبنانيين ولا يأمنون في جواره على استقلال.

محمد علي فرحات

المصدر: الحياة