المرصد السوري لحقوق الانسان

لجنة دستورية والأسد في القرداحة

سورية بحاجة إلى دستور جديد، تبدأ فيه مرحلة سياسية واجتماعية جديدة، بعد أن قضت عقودا من الجمود الكامل تحت قيادة شخص واحد، نقل السلطة إلى أحد أبنائه قبل أن يموت. وتعيش البلاد راهنا معروفا يشهد انهيارا شبه كامل في البنى، سبّبته حرب دائرة منذ سنوات، جاءت بعد عقود من تهاوي معدلات التنمية، ليأتي الحدث الذي ولد بتوافق دولي هزيل، واعتبر اختراقا، بتكوين لجنةٍ مهمتها كتابة دستور جديد، ينظم حياة قاطني هذا الحطام الذي ينهشه خطر جديد وجدّي هو فيروس لم يوفر بعض أعضاء اللجنة أنفسهم، في إشارة إلى مساحة انتشار كورونا الواسعة في البلاد. وللمرة الثانية، تعقد اللجنة اجتماعات في جنيف، بعد أن اجتمعت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قبل أن ينسحب وفد بشار الأسد، اعتراضا على شكليات بروتوكولية، مُظهِرا الطريقة التي يدير فيها محادثاته لإنتاج دستور “حضاري” لدولةٍ مهمةٍ في الشرق الأوسط.

طبقت روسيا ضغوطا على النظام السوري، حتى تخرج اللجنة بشكلها الحالي، حين أراد النظام التملّص من هذا الاستحقاق، ثم وافق. واعتبر مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسون، حينها قبول النظام “بادرة طيبة”. سمّى النظام ثلث أعضاء اللجنة، ووسمت المعارضة ثلثا، والثلث الباقي سمته الأمم المتحدة. أبرز تشكيل اللجنة بهذه الطريقة، وبإشراف الأمم المتحدة، الجانب الروسي بوصفه مساهما معترفا به في “اجتراح” الحل السوري، واعتبر تشكيل اللجنة واحدا من مفرزات قرار مجلس الأمن 2254، الشهير بخصوص سورية. وكان جيش النظام، حين ولدت فكرة اللجنة قبل سنتين، يسابق الزمن لابتلاع مزيد من الأراضي، فتأجل التنفيذ لينتهي النظام من حروبه التي أنتجت مزيدا من الضحايا والمهجرين، ثم تأجل عقد الاجتماع ليتم التوافق على الفريق الذي سمّته الأمم المتحدة. وفي اللقاء الأول بعد أول اجتماع لها مع وفد النظام، افتتح النقاش بإحضاره ملفات ذات عناوين بعيدة عن جوهر عملية إنتاج دستور جديد لبلد محطّم، فتأجل كل شيء مرة جديدة.

تجاوزت الجولة الجديدة لمباحثات اللجنة الدستورية صعوبات فيروس كورونا، ولكن لم يبدُ على النظام أنه في معترك وجودي، وأنه يتطلع بأي درجة من الجد إلى اجتماعات اللجنة، فقد سبقت هذا الاجتماع زيارة بشار الأسد إلى مسقط رأسه القرداحة، وقيل إنه يسترضي أخواله بعد أن وصلت العلاقة بين آل أسد وآل مخلوف إلى مستويات خلاف عالية، فأسفرت الزيارة عن تعيين شقيق لرامي مخلوف في الموقع الاقتصادي المميز نفسه الذي كان الأخير يتمتع به. كما عين الأسد رئيس وزراء جديدا في ممارسة “دستورية” يتيحها له الدستور الذي يحكم به. وتُظهر هذه الأنشطة التي مارسها المستوى الذي ينظر به إلى تلك اللجنة الدستورية ومداولاتها، فالزيارة العائلية تؤكد حرصه على تمسّكه بالنظام العائلي الذي ما زال يتيح له الإمساك بسورية بما فيها، والتحكم بما عليها من موجودات. وبزيارته هذه يحوّل أبناء أخواله إقطاعا ليضمن استمرار ولائهم. أما تعيين رئيس الوزارة الجديد، فحرصٌ آخر منه على التمسّك الشكلي بحكومةٍ يُظهر فيها للعالم أن هناك رئيسا يمارس صلاحياته، ويقوم بواجبه ليحل ما في البلد من أزمات طاحنة. وبقدر ما في هذين النشاطين من تضارب، فإنهما يعكسان استخفافا بالنشاط السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ويُنظر إليه بوصفه مخرجا سياسيا لمشكلات سورية. وفي هذا ما يتجاوز التمييع الذي لجأ إليه وفد النظام في المرحلة السابقة، وما يتجاوز مماحكات الشكليات التي سيصر عليها وفده في هذه المرحلة. وتؤكد تحرّكات رأس النظام وقراراته هذه أنه كان وما زال يمتلك رؤية واحدة لحكم سورية، وليس في وارد تغييرها، ضغطت عليه روسيا أو أوقفت الضغط.

 

 

 

الكاتبة : فاطمة ياسين – المصدر: العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول