لقاءات دولية لحسم تقاسم الخريطة السورية… بغياب إيران

16

في وقت يبدو فيه ملف الشمال السوري ومحافظة إدلب تحديداً معلقاً بانتظار تفاهمات روسية تركية نهائية حول مصير هذه المنطقة، تجري على خطٍّ موازٍ جهود أميركية وروسية للتوافق على تقاسم النفوذ في سورية وفق خريطة توزّع القوى في الميدان، مع بروز طرح “اللامركزية” من قبل الأكراد المدعومين من واشنطن، وهي صيغة لا تبدو بعيدة عن توجّهات موسكو. ويترافق ذلك مع مباحثات أميركية-روسية حول دور إيران في سورية، وهو الملف الأبرز الذي سيكون على طاولة لقاء مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي جون بولتون مع نظيره الروسي نيكولاي باتروشيف في جنيف الأسبوع المقبل، وذلك كمتابعة للتفاهمات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال قمتهما في هلسنكي في يوليو/تموز الماضي.
على ضفة أخرى، تتواصل المشاورات التركية الروسية حول سورية، وتحديداً حول ملف اللاجئين، في وقت يعتزم فيه المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، عقد اجتماع يضم ممثلين عن الأطراف المعنية بالصراع السوري منتصف سبتمبر/أيلول المقبل، على أن يكون موضوع اللجنة الدستورية أبرز بنوده.
كما تحضر تركيا في هذا المشهد، إذ بحث وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، مع نظيره التركي خلوصي أكار، في موسكو أمس، القضايا المتعلقة بالأمن الإقليمي، والوضع في سورية، والتعاون الثنائي بين الوزارتين. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن “الاجتماع بين الوزيرين كان بنّاءً. وتم خلاله إيلاء اهتمام خاص لمناقشة قضايا تسوية الوضع الإنساني في سورية بأسرع وقت، بما في ذلك عملية اللاجئين”.
وتنتظر سورية جملة لقاءات مهمة خلال الفترة القصيرة المقبلة، يلفت غياب إيران عنها، إذ يجري العمل على عقد قمة رباعية بين زعماء روسيا وفرنسا وألمانيا وتركيا “في المستقبل القريب” من دون أن يُحدد موعد نهائي لها. ويسبق ذلك لقاء بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وبوتين، اليوم السبت في ألمانيا، سيتمحور خصوصاً حول ملفي سورية وأوكرانيا، مع توقّع المسؤولة الألمانية ألا يسفر عن نتائج محددة. واعتبرت ميركل في كلمة لها أمس أنه قد يكون من المهم عقد اجتماع رباعي بين ألمانيا وروسيا وتركيا وفرنسا بشأن سورية. كذلك تحضر الولايات المتحدة في ساحة اللقاءات، إذ يبحث بولتون ونظيره الروسي نيكولاي باتروشيف في جنيف الأسبوع المقبل دور إيران في سورية.
هذه اللقاءات يُتوقع أن تنتهي بنتائج مهمة على صعيد رسم مستقبل سورية، خصوصاً في ظل معطيات عن توافق أميركي روسي حول ملف شرق الفرات وشكل إدارة المنطقة. وبرز في هذا السياق، طرح “مجلس سورية الديمقراطية”، الذي يواصل مفاوضاته مع النظام للوصول إلى تسوية ما، “اللامركزية الديمقراطية” كبديل عن الفيدرالية، والتأكيد على وحدة سورية وسيادة الدولة.
صيغة اللامركزية لا تبدو بعيدة عن توجّهات الروس، كما أنها قد تؤمن مصالح ونفوذ واشنطن وباقي دول التحالف الدولي في شرق الفرات حيث لديها قواعد عسكرية. ويبقى تقاسم المناطق تثبيتاً لخريطة النفوذ الجديدة، وهذا ليس بعيداً عن المناطق التي سيطرت عليها روسيا جنوباً، حيث حافظت على وجود للفصائل والمعروفين بولاءاتهم لأطراف الصراع، وأوكلت لهم العديد من المهام ضمن “الفيلق الخامس”.
وأعلن “مجلس سورية الديمقراطية” أنه يسعى لتطبيق الإدارة الذاتية كشكل من أشكال تقاسم السلطة شمالي سورية. وقال مستشار حزب “الاتحاد الديمقراطي” سيهانوك ديبو، في تصريح صحافي، إن الوفد الثاني من “مجلس سورية الديمقراطية” الذي زار دمشق قبل أيام ضم قانونيين وسياسيين ناقشوا تطبيق نظام الإدارة الذاتية كنموذج على كل سورية، مشيراً إلى أن “قانون الإدارة المحلية الخاص بالحكومة السورية يمكن أن يصبح جزءاً من الإدارة الذاتية وليس بديلاً عنها”. واعتبر أنه “من المبكر التحدث عن توافق بين مجلس سورية الديمقراطية والحكومة السورية، فكلا الطرفين يحمل مشروعاً يختلف عن الآخر”. وأعلن أن “مجلس سورية الديمقراطية” ينحو إلى تطبيق مفهوم الحكم المحلي الذاتي في الشمال السوري كشكل من أشكال توزيع السلطة ما بين المركز والأطراف.
كما أفادت مصادر مطلعة، “العربي الجديد”، بأن “هناك مساعي جدية لخلق تعاون بين مجلس سورية الديمقراطية والموحدين الدروز في السويداء، على خلفية مجزرة داعش في السويداء الشهر الماضي، والتي راح ضحيتها نحو 250 قتيلاً و300 جريح، إضافة إلى خطف نحو 30 شخصاً جلّهم من النساء والأطفال، وتم نصح الدروز من قبل الروس بالتواصل مع الأكراد لحل ملف المخطوفين، وقام النظام بفتح قناة اتصال بين إحدى القيادات الدرزية وشخصية قيادية من مجلس سورية الديمقراطية، في حين بدأ يتشكّل توجّه لدى الدروز، خصوصاً بعد المجزرة الأخيرة، يدعم توجّه اللامركزية كشكل إدارة سورية المستقبل، وهذا يستبعد أن يتم لولا وجود توافق روسي أميركي”.
وجاءت هذه التطورات في وقت أعلنت فيه السعودية عن مساهمة مالية بمبلغ 100 مليون دولار لصالح مناطق شمال شرق سورية، التي تُعتبر مناطق نفوذ للولايات المتحدة. وذكرت وكالة الأنباء السعودية “واس”، أن هذه المساهمة تُعدّ الأكبر التي تقدم للتحالف الدولي، حتى الآن، وذلك بعد تعهّد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بتقديم هذا المبلغ، خلال المؤتمر الوزاري للتحالف، الذي عُقد في العاصمة البلجيكية بروكسل في 12 يوليو/تموز الماضي. وذكرت الوكالة أن الهدف من وراء تقديم هذه المساهمة المالية، هو تنشيط مشاريع حياتية في مدينة الرقة السورية، الواقعة تحت سيطرة التحالف الدولي، وذلك في مجالات الصحة، والزراعة، والكهرباء، والمياه، والتعليم، والنقل، وإزالة الأنقاض.
الولايات المتحدة التي رحبت بالمساهمة السعودية “للمساعدة في إعادة الاستقرار إلى أجزاء من سورية لم تعد خاضعة لسيطرة داعش”، أعلنت بعد ساعات إلغاء برامج تمويل بـ200 مليون دولار “تهدف لجلب الاستقرار إلى سورية”، بحسب وكالة “أسوشييتد برس”، التي نقلت عن مسؤولين أميركيين قولهم إن إدارة ترامب أبلغت الكونغرس بأنها لن تنفق 200 مليون دولار كان يُخطط أن توجّه لبرامج دعم خاصة في سورية. وأضاف المسؤولون أن هذا الخفض سيقابله مبلغ إضافي قدره 300 مليون دولار تعهّد به حلفاء لواشنطن، بما في ذلك المائة مليون دولار المقدّمة من السعودية. وفي محاولة لطمأنة شركائها في التحالف الدولي وكذلك معارضي النظام السوري المتخوّفين من تقليص واشنطن لالتزاماتها السورية، قال المسؤولون إن إدارة ترامب عيّنت الدبلوماسي المخضرم، جيمس جيفري، مبعوثاً خاصاً إلى سورية، وسيقدّم تقارير لوزير الخارجية مايك بومبيو. وجيفري هو سفير سابق في تركيا والعراق وألبانيا، وشغل أيضاً منصب نائب مستشار الأمن القومي للرئيس السابق جورج بوش الابن.
وكان وفد أميركي رفيع المستوى برئاسة المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي بريت ماكغورك، زار يوم الأربعاء الماضي مدينة الرقة، وعقد اجتماعاً مع مجلس الرقة المدني ناقش خلاله المسائل المتعلقة بقطاعات الخدمات، الإغاثة، والإعمار في المدينة وريفها. وقال الرئيس المشترك لمجلس الرقة المدني، عبد حامد المهباش، في تصريح صحافي، إن “الوفد أكد مواصلة الدعم لمجلس الرقة المدني على كافة الأصعدة”.

المصدر: العربي الجديد