لماذا ظلّ ملف استخدام الأسلحة الممنوعة في سورية طي الأدراج؟

 

لا القصاص نافع، بينما المحاسبة القانونية  التي ترتكز على المواثيق الدولية هي  الوسيلة العادلة لمعاقبة من أجرم في حق الشعب السوري ومن تلاعب بقوته وقصف بيوته ودمّر بلاده فقط من أجل هوس السلطة وجنون التسلط.

ونحن في المرصد السوري لحقوق الإنسان، تجسيدا  لالتزاماتنا بالقوانين الأممية والمواثيق التي تكرّس كرامة البشر وتضمن آدمية الإنسان وحريته، نجدّد دعواتنا إلى تفعيل آليات المحاسبة الدولية لمجرمي الحرب مهما كانت مظلاتهم السياسية والأطراف المتكئين عليها.
لقد مرّت سنوات، بل عقود على الإجرام في حقّ هذا الشعب الذي اختار طريق الكرامة والحرية التي كلّفته ثمنا باهظا بين الجوع والفقر والتهجير والقتل  وفقدان الأحبّة واليتم، وأفقدته الشعور بأبسط حقوقه الإنسانية في بيئة آمنة تضمن لأبنائه التعليم والصحة والعيش بكرامة .
المواطن السوري الذي ذاق  المرارة على امتداد سنوات طويلة يدرك أن الأسباب وإن  تنوعت فالنتيجة واحدة، هي الخوف والحرمان والموت. آلاف السوريين من النساء والأطفال والرجال قتلوا منذ آذار 2011  نتيجة القصف والأسلحة الفتاكة أو المحرمة دوليا، فيما قضى آلاف آخرون في المناطق المحاصرة جوعا وبردا وعطشا، وآلاف تمّ التنكيل بهم واعتقالهم بسبب مشاركتهم في المظاهرات.
ولا ننسى من قتلوا بسبب استخدام الأسلحة الممنوعة والمحرّمة دوليا، وهي من الملفات الشائكة التي ظلّت دون متابعة جدية ومحاسبة،  وقد نشرت منظمة حظر الأسلحة الكيمائية منذ أيام تقريرا تحدثت فيه  عن استخدام مادة الكلور في سورية، في هجوم على منطقة تسيطر عليها المعارضة في 2016، قرب مستشفى ميداني خارج بلدة “كفر زيتا” في محافظة حماة (شمال غربي سورية) وأدى إلى إصابة 20 شخصا بصعوبات في التنفس.
وأوضحت المنظمة، استنادا إلى أدلة رقمية ومقابلات مع شهود، أن المحققين تمكنوا من الربط- من دون أدنى شك- بين كل الأدلة وحيثيات ذلك الهجوم.
وخلصت عديد التقارير الأخرى إلى استخدام كل من النظام والمعارضة المسلحة في فترات ما، الأسلحة الممنوعة وغيرها.
وهنا تثار تساؤلات محيّرة : لماذا ظل هذا الملف بلا محاسبة ضمن مشروع بعض الدول لتحقيق مكاسب على حساب مآسي الشعب السوري وآلامه؟.
وكيف يمكن ضمان محاسبة عادلة في ظل هذا الغطاء القوي الروسي الايراني الصيني والتركي لأطراف  معيّنة؟
في هذا المقام، علّق  السياسي المعارض، راشد الصطوف،  في حديث للمرصد السوري لحقوق الإنسان، على هذه  التقارير، معتبرا أن المرحلة الراهنة هي من أخطر المراحل التي تمر بها البشرية في ظل عجز المؤسسات الدولية عن حماية الضحايا وإنفاذ القانون الدولي بشكل عادل وفعال ، والخضوع المخزي لإرادة الدول القوية التي تضرب عرض الحائط بشرعية حقوق الإنسان ، وتحمي المجرمين وتشجع بالتالي على الإفلات من العقاب لاعتبارات سياسية ضيقة، ما يضع حقوق الإنسان، في غياب محاسبة مرتكبي تلك الجرائم، بحالة مأساوية كارثية تدمر كل القيم التي راكمتها البشرية عبر نضالها الطويل.
ولفت إلى أنّ آلية التعامل مع ملف استخدام الأسلحة الكيمياوية وكل الجرائم المرتكبة تأتي ضمن سياق مخزٍ ومشين ، مشيرا إلى أن الدول المؤثرة في الوضع السوري لا تضع في اعتبارها سوى مصالحها السياسية دون أي اهتمام للضحايا والكارثة الإنسانية المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات ، ليس ذلك فحسب ، بل إن بعض الدول مشاركة بشكل مباشر في استمرار هذه المجزرة، كما أنها تتغاضى عن مرتكبي الانتهاكات من كافة الأطراف الأمر الذي يشجعهم على ممارسة المزيد من العنف وارتكاب المزيد من الجرائم .
وأوضح محدثنا “أن من أكثر الآثار سلبية لهذا الوضع الدولي المزري، هو فقدان الأمل لدى الضحايا وإحساسهم بالعجز وتدمير ثقتهم بكل المنظومة الدولية وقوانينها وأعرافها الإنسانية، وبالتالي التشجيع على العنف والتطرف وتحويل العلاقات بين البشر إلى علاقات قوة صريحة وعارية” .
وختم بالقول: “من المؤسف أن الأطراف التي يفترض أن تكون الحامية  للقوانين والشرائع الدولية، هي في مقدمة منتهكي هذه القوانين إما بشكل مباشر أو عبر حماية حلفائها بشكل استنسابي ومساعدتهم في الإفلات من العقاب، وبالتالي الاستمرار في تقويض منظومة حقوق الإنسان والعدالة الدولية والذي نشاهد بأم العين آثاره الكارثية على السلام في أكثر من منطقة في العالم وفي منطقتنا على وجه الخصوص” .
بدوره أفاد، فاتح جاموس،  المعارض السياسي البارز ، في حديث  مع المرصد، بأنّ هذا الملف أثير قبل الأزمة والانقسام الوطني السوري، من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، وأثير بداهة في إطار التناقض والتنافس والصراع الجيوسياسي مع الكيان، وذلك مهما كان لنا من ملاحظات على طابع النظام الديكتاتوري والقمعي والاحتكاري، وعلاقته بالشعب السوري، وبُذِلتْ جهود متواصلة وكبيرة ليحقق الصف الكياني الأمريكي انتصارا فيه، وجاءت الأزمة لتمسح بعض شروط تطورها عبر الدور والحسابات الروسية الاستراتيجية، وهكذا يجب ألاّ يُخدع الشعب أبدا، فهذا ملف سياسي في العمق، وبالتالي وعلى الوجه المقابل، ليس ملفا حقوقيا انتهاكيا في الأساس، قيمته على هذا الصعيد ضعيفة سأحددها ، خاصة إذا كان المقصود اتهام جهة النظام وصف تحالفاته الخارجية.
واعتبر جاموس أنّ روسيا وجدت بعد عدة سنوات من تطور الأزمة والشروط العسكرية والسياسية الصعبة جدا للنظام السوري، أن هناك جهودا دولية واسعة لاستخدام ملف الكيماوي ضده، ووجدت بالمقابل أن هناك إمكانية للتضحية تكتيكيا بهذا (السلاح الملف) وربما تريد ذلك أيضا في إطار علاقاتها بالكيان الصهيوني وطموحها بأن تلعب الدور الأمريكي السياسي، أو التنافس على ما يشبهه في المنطقة، وأنا شخصيا أعتبر ذلك من جهة يصب في مصلحة الكيان بالمعنى الجيوسياسي، ومن جهة أخرى له بعض الفوائد التكتيكية المهدئة في صراع الأزمة، وكذلك سببا لتطوير التدخل الروسي في إطار الشرعية والمؤسسات الدولية من زاوية حق استخدام الفيتو، كرد على الطرف الآخر، واعتبرت المؤسسات الدولية الرسمية والأكثر شرعية، أن هذا الملف من زاوية امتلاكه من قبل النظام، قد صُفي تماما بإشرافها، ومع ذلك عادت أمريكا وصفّها وأدواتها إلى إثارته مجددا بعناوين تفصيلية عديدة. ويعرف الروس خطورة الملف، وإمكانية السماح للصف الأمريكي بالتدخل العسكري، إن كان عبر البند السابع، أو حتى بدون موافقة الأمم المتحدة، أي على أساس القانون والاعتبارات الأمريكية.. والتهديدات والتوعدات الأمريكية كثيرة ومتواصلة بهذا الخصوص.
واستطرد قائلا:” طالما أن الخلافات والاستقطابات والتحالفات الدولية عميقة وصريحة على الأزمة السورية، فهناك جهود من الطرفين للعمل على الصيغ الشرعية الدولية، أو التشكيك بها، بالتالي يصبح العالم وحتى المراكز الحقوقية الدولية في حالة التباس وعدم معرفة صحيحة أو دقيقة بالوقائع”.
واعتبر جاموس أنه  ليس هناك أي مصلحة سياسية تكتيكية للسلطة باستخدام هذا السلاح، وذلك لمعرفتها أنه مسحوب عليها بصورة دائمة، ولا مصلحة للنظام بعمل سري فيه غش لحليفهم الروسي، وهذه اعتبارات مقاربة تضعف احتمال أن يكون الطرف السلطوي السوري قد استخدم هذا السلاح، وفي أكثر الافتراضات احتمالية باستخدامه من جهتها من أجل فك حصارات عسكرية، أو تخويف بعض المناطق وساكنيها، إذ أن النتائج مع الاستخدام لن تأتي بمردود أو نفع مكافئ أبدا، بل ستكون معاكسة، والصف الأصولي، والأمريكي  وبخاصة البريطاني، يعمل ليلا نهارا على توريط النظام بهذا الملف والخوذ البيضاء ساهرة بتيقظ لافت جدا!
وتابع محدثنا يقول:” بفرض أن هناك التباسا في معرفة الحقائق، ودور المؤسسات ونفوذ الدول الكبرى فيها، فأنا شخصيا على اعتقاد أن موقع الأصولية الفاشية وحلفها الخارجي وداعميها هم على خط، أو سوية، هم أكثر استعدادا لاستخدام هذا السلاح، أو التلويح والترهيب به واستثماره سياسيا بصورة سلبية، أكثر بكثير من الصف الآخر، وهذه قضية مقارنة مهمة بحد ذاتها في مسألة التباسية، ولا نعرف حقائقها بدقة، بالتالي ليس صحيحا وضع طرفي الصراع على نفس المستوى من الشكوك والاتهام باسم تقارير بعض المؤسسات الدولية.
كما يوحي بعض ما ورد في سؤالكم- مهما كان موقفنا من النظام والسلطة- التمييز والتدقيق فيه مهم جدا، وأي خطأ يزيح الملف من كونه سياسيا إلى حقوقي انتهاكي، وهذا الملف مختلف بخطورته  وخطورة الخطأ فيه، حتى عن ملف الاعتقال، مع أهمية الأخير الكبيرة.
وفي سؤال المرصد السوري عن المسألة الحقوقية في هذا الملف ومساعي المنظمات لمحاسبة المجرمين، قال محدثنا إنّ هناك وجها حقوقيا انتهاكيا في هذا الملف، وكل ما سقته من أسباب يسمح لي بالاستنتاج أن الصف الأمريكي الصهيوني والتركي والأصولي يتحمل المسؤولية في هذا العنوان، ومسؤولية السلطة والروس هي في الحقل الجيو-سياسي والوطني في صراعنا مع الكيان.
وأضاف: أنا أقارب الأمر أيضا بصفتي على قناعة عميقة بضرورة تدمير كل الأسلحة الفتاكة( نوويات، كيماويات..الخ) ومع وقف الحروب والعنف، لكن كوننا في موقع الدفاع عن أنفسنا في صراعنا مع الكيان الصهيوني المدجج تسليحا بأكثر أنواعها فتكا( نووي، وكيماوي، ونصف كيماوي..الخ) بالتالي أجد نفسي شخصيا فقط وفقط في صراع مع هذا الكيان وطبيعته التمييزية العنصرية والاحتلالية الاستيطانية والعنفية.. أجد لنفسي ولنا كدولة أسبابا في موقف استثنائي، إذ لا بد من التكافؤ الردعي معه، وللردع قيمة عالية في الصراع، وفي ملف الكيماوي خسرنا وطنيا من منظور استراتيجي، مهما اعتقدنا أن النظام والسلطة والدولة ومؤسساتها قد حافظت على بعض أسرار التصنيع لإعادة التشغيل مستقبلا لو أتيح لها ذلك، وكان للروس دور سلبي في المحصلة الاستراتيجية، ومن الضرورة بمكان شرح هذه الالتباسات للعالم الراقي المتطور، خاصة عالم النخب العاملة في منظمات حقوق الإنسان، أو صاحبة وعي فعلي على هذا الأساس الحقوقي الأخلاقي، وأفترض أن لمركزكم دورا في ذلك أيضا، خاصة من موقع الاصطفاف إلى جانب القضية الفلسطينية، وعدم القدرة الأخلاقية والوجدانية والإنسانية على تحمل مشروع الكيان، وإصراره على كامل سماته، وعلى تنفيذها تحت التفوق بالسلاح وأشكاله الفتاكة، واستعداده التام لاستخدامها”.
وخلص إلى القول:إن الملف خطير وحساس جدا، وواحد من عدة عناوين قد يسمح لاحقا بفتح احتمالات جديدة أكثر كارثية في إمكانية إعادة دورة العنف والتشدد وكسر العظم، والتدمير الجيوسياسي الواسع لسوريا.. وهكذا ، الملف للابتزاز من جهة الصف الأمريكي التركي الصهيوني والأصولي، ابتزاز الصف الآخر، صف السلطة، ولا مجال لأي محاسبة عادلة في قضية غير عادلة من الصف الأمريكي.
وبافتراض أكثر الشكوك تحققا، واستخدام الطرفين للسلاح الكيماوي، فإن سوية الخلافات والتناقضات والاستقطاب العالمي، لا تسمح بمثل هذه القضية الأخلاقية الحقوقية..  والصيغة الانتقامية مستقبلا هي صاحبة الحظ والاحتمال الأعلى في التحقق، وستكون حتما من جهة الصف الأمريكي، وخارج قرارات مجلس الأمن الدولي بحكم حتمية الاستخدام الروسي والصيني لحق الفيتو، وسيكون لو حصل ، على أساس الاعتبارات الأمريكية بالكامل.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد