لماذا قُتل رستم غزالة؟

يعدّ رستم غزالة أحد أخطر الأشخاص الذين أمسكوا بسدّة السلطة والنفوذ والمال خلال مرحلة سيطرة النظام السوري المباشرة على لبنان التي أرّخ انتهاؤها نظرياً بخروج جيشها في 26 نيسان/ابريل 2005.
وفاة غزالة التي أعلنت في 24 نيسان/ابريل الماضي تعددت الروايات حولها ولكن حبكتها الرئيسية ركّزت على خلاف عنيف مع ضابط استخبارات آخر (وفيق شحادة) انتهى باعتداء عناصر الأخير على غزالة فنقل الى المشفى، وجرّد من منصبه، وهو المعتدى عليه، وما لبث أن لقي حتفه. بهذا المعنى فإن وفيق شحادة قام بقتل غزالة ولكن عقوبة القاتل كانت، مثل عقوبة القتيل: تجريده من منصبه فحسب!
تم تلوين المقتلة تلك بانحناءات دراميّة عديدة تتراوح بين تهديد غزالة لشحادة بـ»الدعس على رأسه» وذهابه إلى المقرّ الأمني للأخير (وهو أمر قابل للنقاش)، وبين تزنير نفسه بحزام ناسف، وهو إطلاق شديد للمخيّلة يجعل من ضابط الاستخبارات العتيد «انتحارياً»، في استدعاء لصورة محجوزة عادة لـ»الإرهابيين»، وفي استدعاء آخر لقصص «انتحار» سابقة لأشباه غزالة من المسؤولين السوريين الذين التهمتهم آلة القتل حين جاء دورهم مثل رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي ووزير الداخلية الأسبق / رئيس شعبة الاستخبارات السورية في لبنان غازي كنعان.
تربط الروايات المذكورة الخلاف بين شحادة وغزالة بموقف مزعوم للأخير يتعلّق باحتجاج ما على مشاركة حزب الله والحرس الثوري الإيراني في المعارك جنوب سوريا، حيث تقع قرية قرفا مسقط رأس غزالة، وهي روايات تمنح الرجل ذا السمعة السوداء مالياً وأمنياً، مجداً لا يستحقه، إلى كونها صعبة التصديق، فكلما زاد الثقل الافتراضي للمسؤول في هرم السلطة السورية كلّما زادت حرفيّة التزامه بالقرار الأعلى الذي تشرف عليه مجموعة صغيرة يقع الرئيس السوري بشار الأسد في صلبها؛ كما أن حركاته وسكناته مراقبة ومحسوبة، والخطأ ضمن هذه الهرميّة لا يغتفر، هو ما يفسّر، إلى حد كبير، سلسلة الوفيّات الغامضة لآصف شوكت وغازي كنعان ومحمود الزعبي.
طبيعة النظام السوري تجعلنا نعتقد أن هذا السيل المتواتر من الحكايات مقصود لذاته، وأن الهدف منها التعمية على الحقيقة الواضحة والبسيطة وهي أن النظام قرّر أن الوقت قد حان للتخلّص من أحد عتلات آلته الأمنية… وأما نسبة موته إلى صراع مع ضابط استخبارات آخر، أو «مرض نادر» أو «وعكة صحية» (كما أعلن أخيرا)، فأمور من قبيل لزوميات «الأكشن» التي يتقن مسؤولو إعلام النظام السوري صنعها وتسويقها، والتي تضاف إلى أبواب الدعاية والتسلية والتفكّه للفئة الحاكمة في سوريا، مثلها مثل تصريحات الرئيس السوري الفانتازية على شاشات التلفزة العالمية، وزيارات «السيّاح» الفرنسيين، وبطولات كتيبة المغاوير النسائية الخ…
وإذا قبلنا، لتفسير «وفاة» غزالة، فرضية الاغتيال كونها الأقرب لآلية اشتغال النظام السورية، إضافة لكونها أكثر قابلية للتصديق بمراحل من قصة «الوعكة الصحية»، فهذا يعيدنا إلى بؤرة ارتبط الحدث الأخير بها وهي حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والتي كان رستم غزالة، بحكم موقعه الأمني في لبنان آنذاك، شاهداً «ملكاً» على تفاصيلها، أو ضالعاً، مع حلفاء النظام السوري في لبنان، في إنجازها.
غزالة، بهذا المعنى، هو الضحية الأخيرة لتساقط أحجار الدومينو التي حرّكها اغتيال الحريري ورفاقه في 14 شباط/فبراير 2005، بحيث تبدو مثل مشهد لمسرحيّة شكسبيرية تنتقم فيها أرواح المقتولين من القتلة، واحداً بعد الآخر.
وهكذا انضم غزالة، ضابط الاستخبارات الذي كان يصدر قرارات الإعدام والموت، اغتيالاً صريحا، أو تعذيباً أو «بوعكة صحية»، أخيراً، إلى قائمة ضحاياه.
هذا يعني أن اللاعب الأكبر قرّر شطب اللاعبين الصغار، ولكنه يعني أيضا أن من استثمروا في لعبة الموت الكبرى في المنطقة يدفعون الثمن وأن حلقتهم تتقلص؛ فمن الضبّاط الأربعة الذين حضروا لقاء الأسد الأخير بالحريري قبل اغتياله، وهم غازي كنعان ورستم غزالة وجامع جامع وبهجت سليمان، لقي ثلاثة حتفهم.
من ستكون الضحية القادمة؟

رأي القدس