لماذا لا تجد القضية السورية آذاناً صاغية عبر العالم؟

13

هناك، أولاً، مساران متعارضان: يبدو الأول وقد استقطب كل التدخلات الممكنة، ناهيكم عن «الآذان الصاغية». هذا هو مسار الصراع على سوريا ومستقبلها. وهو صراع شرس، دموي، يجري بين قوى إقليمية ودولية قادرة، لديها مصالحها المتعارضة أو المتباينة، ووكلاؤها المحليون الذين يخوضون حروب الوكالة، وجانبها الدعائي ـ الإعلامي الذي يسعى إلى إضفاء الشرعية على دور كل من تلك القوى داخل الصراع، وجانبها السياسي الذي يسعى إلى ترجمة المكاسب الميدانية إلى نتائج سياسية مستدامة. في هذا المسار، إذن، لا يمكن الشكوى من غياب الاهتمام، بل يجب، بالأحرى، الشكوى من كثرة الاهتمام وشدته. ولولا هذا الاهتمام الذي يترجم في إنفاق موارد ضخمة في الصراع، لربما كان إيجاد حل سلمي أسهل بما لا يقاس مما هو متاح اليوم.
أما المسار الثاني فهو فشل السوريين المعارضين لحكم سلالة الأسد في بناء قضية متماسكة تلقى تعاطفاً واسعاً عبر العالم، بما من شأنه خلق ديناميات دولية باتجاه الحل. وتعني القضية المتماسكة إنتاج «قصة مقنعة» تملك الحق في مواجهة باطل بيّن. وأقرب مثال على هذا النوع من القضايا هو القضية الفلسطينية التي تلقى تعاطفاً واسعاً عبر العالم من تيارات اجتماعية وسياسية متنوعة. مع وجوب التنويه إلى أن أحقية القضية الفلسطينية لم تكن سبباً كافياً لإنهاء مأساتهم. ولكن، على الأقل، لا يجد الفلسطيني، بصورة عامة، صعوبة في شرح قضيته وكسب التعاطف. ما يقوله مفهوم لدى أي شخص متوسط الذكاء فما فوق، غير متبلد الضمير، في أي مكان في العالم.
التقيت، قبل حين، بشاب تركي يعمل في التعليم. صدم حين عرف أنني معارض لحكم الأسد. «أنت يساري، والسلطة في سوريا يسارية، فلماذا أنت معارض؟» (حقاً لماذا؟!). مضى وقت طويل لم أدخل فيه في نقاش مع ذهنية من هذا النوع، فشعرت بشيء من الارتباك. من أين أبدأ؟ وكيف «أبرر» له معارضتي لنظام الأسد، كيف أشرح له قضيتي من الصفر؟
هذا رجل متعلم، يعيش في بلد مجاور لسوريا التي كانت، طوال تاريخ مديد، جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، بل إن دولته متدخلة في الصراع السوري منذ أكثر من سبع سنوات، وجيش بلده موجود داخل الأراضي السورية، وثلاثة ملايين ونصف من اللاجئين السوريين يعيشون معه في تركيا، قسم منهم منذ سبع سنوات، وقسم منهم حصل على الجنسية التركية وأصبحوا مواطنين مثله يحق لهم ما يحق له. مع كل هذه الاعتبارات، يعلن الرجل، بكل براءة، عن جهل تام بما يدور تحت أنفه. وهو جهل أقرب إلى رؤية الصراع في سوريا من منظار النظام، وليس من منظار معارضيه، بدلالة أنه يرى نظام الأسد «يسارياً» مع ما يتضمن هذا المفهوم من حمولة إيجابية من وجهة نظره.
خرجت من ارتباكي باختيار أفضل استراتيجية ممكنة لمواجهة سؤاله، وهي تقريب الصراع السوري إلى ذهنه بوسائل إيضاح من داخل الحياة السياسية التركية، فقلت له إن نظام بشار يساري بقدر ما حزب الشعب الجمهوري يساري. ربما لم يقتنع أن نظام بشار يمكن أن يكون بتلك الدرجة من السوء التي يرى فيها حزب الشعب الجمهوري! لكنه فهم، على الأقل، أن «يسارية» النظام المفترضة ليست معياراً كافياً ليكون ذلك الملاك الذي كانه في ذهنه. 
هذا مجرد مثال، ربما متطرف، عن «عدم فهم» العالم لقضيتنا السورية. قد يكون هناك تقصير من المعارضين، أفراداً أو كيانات، في شرح القضية السورية بكافة أبعادها، والسعي إلى استقطاب الاهتمام بها. لكن للموضوع أبعاداً أخرى تتجاوز هذا العامل الذاتي.
البعد الأول محلي، ويتمثل في الانقسام الوطني حول القضية السورية، انقساماً حاداً لا محل فيه لأنصاف المواقف. ليس جميع السوريين مع التغيير، ثورياً كان هذا التغيير أم إصلاحياً، عنيفاً أم سلمياً. هناك كتلة لا يستهان بها من السوريين كانوا وما زالوا مع بقاء سوريا تحت حكم آل الأسد. ولا يعني ذلك أنهم جميعاً راضون عنه وعن أدائه، أو تربطهم به مصلحة مباشرة. لكنهم يجدون في التغيير ما يتعارض مع مصلحتهم، أو لا يرون التغيير المأمول، من وجهة نظرهم، ممكناً، مقابل عدائهم الصريح للثورة كما حدثت في الواقع.
كان من شأن هذا الانقسام الوطني أن يشوش رؤية «متعاطف افتراضي» محتمل من خارج سوريا، موضوعي، مبدئياً، لأنه لا يملك أي مصلحة شخصية فيما يحدث في «ذلك البلد البعيد». فهو يسمع روايات مختلفة عما يحدث هناك، ويحتار ضميره في اتخاذ الموقف الصحيح الذي يرضيه.
البعد الثاني أيديولوجي. هنا «المتعاطف الافتراضي» ليس محايداً ولا موضوعياً، على رغم عدم وجود أي مصلحة شخصية له في الصراع الدائر هناك. ويمكن القول إن كثيراً من أصحاب المواقف من الصراع السوري ينتمون، فكرياً، إلى البيئة الأيديولوجية لعصر الحرب الباردة، حين كان العالم بسيطاً، ينقسم إلى «أخيار وأشرار» واضحين، وفقاً لكل زاوية نظر. إن نزعة «العداء للإمبريالية» ذات المنشأ السوفييتي، ما زالت تفعل فعلها في أوساط متفاوتة الاتساع في كثير من البلدان عبر العالم. وقد اختزل هذا المبدأ، غالباً، إلى «العداء للإمبريالية الأمريكية» أو باختصار «العداء لأمريكا». وهو عداء يتقاسمه يساريون بمختلف تلاوينهم، ويمينيون قوميون أو إسلاميون بمختلف تلاوينهم أيضاً. وقد لعب الصلف الأمريكي القائم على القوة، في التعامل مع العالم، دوراً كبيراً في تغذية هذا العداء.
هذا التبسيط الأيديولوجي في تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار، وفقاً لتموضع كل طرف إزاء أمريكا، سمح بالترويج لخرافة مكملة هي «محور الممانعة» الذي ينتمي إليه النظام السوري. فإذا كانت الثورة السورية تستهدف تغيير «نظام الممانعة» فلا بد من أنها «مؤامرة أمريكية» ضده. هناك تيار كامل في الإعلام ينطلق من هذه المقدمات، ليكرس رواية النظام عن «المؤامرة الكونية» التي تستهدفه. 
البعد الثالث هوياتي. وهو يتداخل مع البعد الأيديولوجي، أو يتخذ منه غطاءً لموقفه الطائفي. ووفقاً لهذا المنظور، فإن إيران الشيعية، وتيارات الشيعية السياسية في البلدان الأخرى، هي معادية للإمبريالية بصورة جوهرية. لا يتم التعبير عن ذلك بهذه الصراحة. لكن هذا الانحياز يظهر في كل تحليل وكل موقف. وربما يجد جذوره في «مظلومية شيعية» عابرة للحدود والعصور تجعل من هذه الطائفة خيراً مطلقاً في وجه الشر المطلق الذي يمثله أعداؤها. ويتوسع هذا التعريف، في بعض الحالات، ليشمل «الأقليات» بصورة عامة. 
يحتاج الموضوع، لإشباعه، إلى مساحة أكبر، لا أملكها هنا.

بكر صدقي
المصدر: القدس العربي