لماذا لا يستجيب أحد لتحدي بوتين في سوريا؟

سؤال الناس هذه الأيام لبعضهم لماذا لا يستجيب الغرب برد فعل من نوع تحدي بوتين الحربي هل لأن العالم كله سئم ثقافة الحروب، ولم تثره أو تستفزه حماقات مجانين الحروب ودعاتها الأغبياء. هل لأن بوتين أفقد روسيا المنهكة، أهدر نصف دخلها القومي من أجل اشباح أحلام دونكيشوتية تتعلق باستعادة القرم قيصرياً. هل لأن أوروبا أقامت نوعاً من ستار حديديّ شفاف ضد شرقها السلافي كجواب عملي على مشروع الديكتاتورية المذهبية التي كان بوتين، ولعله لازال، يبنيها لينقض على الوسط الأوروبي، هل لأن الاستراتيجية الأوروبية لا تقيم أي وزن لإمكان الحقيقة بما يخص هذا المشروع الذي ينتظره دوره في تنميطه، ومن ثم تحنيطه، ليأخذ مكانه بين تماثيل الديكتاتوريات المحنطة البائدة.. فماذا يريد بوتين حقاً، إن كانت جميع الشعارات الأيديولوجية السابقة قد عفا عليها الزمن، وذلك بدءاً من مفهوم السلطة المطلقة نفسها. فلقد أنتجت مناورات بوتين في الحقل السياسي الداخلي، مرحلة القيادة الأحادية كما يمارسها هو حالياً. لكن الرجل لا يريد تلك السلطة لذاتها. لا يرى لها فائدة إن لم تخدمه في استعادة مزايا الأحادية المطلقة في عالم يفيض بالقوى الكبرى الأخرى. بوتين لن يتمكن من أن يمتطي أفراس الحروب المستهلكة جميعها، لا يستطيع أن ينتزع اعترافاً عالمياً بتفوقه خاصة على أمريكا. لن يكون الوريث المنتظر للإمبراطورية الأمريكية المتهالكة بأمراضها الخاصة قبل أن يتم تدميرها بأيدي أعدائها من أمثال بوتين..
هل يعتقد بوتين أنه وضع مشروعه الإمبراطوري قيد الإنجاز السريع، ما أن نظّم غَزْو سوريا. وأنه بهذه المبادرة الفجائية ربما استطاع أن يقلب تقاليد الصراعات العقيمة التقليدية الناشبة حول مصير القطر الشامي كمدخل لمصائر أقطار المنطقة كلها. لكنه يتعثر بدءاً من خطوات مشروعه الأولى، ببعض رموز الممانعة والمقاومة المضادة بطبيعتها للمتطفلين على تحركاتها من غير طينة طبيعتها عينها، حقاً أن المشرق بتمامه بات منخرطاً في صراعات عصبياته المكبوتة. ثم المتفجرة بإرادته أو بدونها. حقاً إن عواصف هائلة تنبعث من رماله الخانقة القاحلة، فلن تكون صدور الأغراب الغزاة قادرة قريباً على استنشاق نسائم صالحة للعيش الطبيعي في كنفه، فالسؤال عمّا جاء بوتين ليفعل في قيظ الصيف المشرقي لا جواب له راهنياً. إنه يكرر نوع الحرب من الفضاء، لن يتجرّأ على غزو الأرض، فالصحراء وحدها بأبطالها ستتكفل بإنجاز المهمة، ولكن ضد جيوشه.
كأنما يتصور بوتين أنه يمكنه أن يعجل باطفاء الجحيم السوري وذلك بإضافة حزمة أحطاب من غابته الثلجية إلى اللهب المستعر هناك، لتزداد حريقاً فوق حريق حتى تنطفئ آخر لهبة فيها. إنها استراتيجية القضاء على وكر للأفاعي، وذلك بقذف رزمة من الأفاعي السامة إلى أحضان أفاعي الوكر. فقد يشتد الصراع بين عناصرها القديمة والمضافة حتى تتفانى فيما بينها، ولكن من يتبقى لن يكون إلا من طبيعة أفعوانية تستجمع خلاصة القوى من الجميع المنهارين.
بوتين الذي لا يكف عن مناداة هذا الفريق أو ذاك للإتفاق معه، بصرف النظر عن شبكيات الاختلافات الضاربة أطنابها فيما بينهم جميعاً، هل هو حقاً جاد في هذه النداءات. أم أنه يعمد إلى نوع من الإرهاب الاستباقي لكل هؤلاء أن يكونوا حلفاء له، وخاصة في البقية القادمة من مشروع الغزو السوري وجواره. إنه يهدد هؤلاء الناس أن يكونوا حلفاء له اليوم بدلاً من أن يفرض عليهم أن يصيروا أعداء له بحكم الضرورة، كما يفهمها «زعيم» العالم الجديد وكما يفهم هو نفسه منذ أن ارتكب المغامرة (الأوكرانية) والتي تطلع إلى تغذيتها بانتصارات الغزوة لسوريا.. هذه الغزوة التي حملت فشلها المحتوم معها منذ أن توهم مخيال الديكتاتور الجديد بوتين أنها هي مفتاح سلطانه الأعظم. فمن يفتح بلاد الشام والرافدين كأنه يفتح جنان الارض الموعودة لعبادها، لمنتظري ساعتها الإعجازية.
لا يشعر بوتين أنه عندما يكرر نهاية نظامه الأعلى السوفييتي كبداية لنظام ديكتاتوريته، فإنه يحتم على نظامه الجديد أن يسير إلى حتفه بظلفه كما تقول العربية الكلاسيكية؛ هذا بالرغم أن الرجل الحديدي الصاعد، بوتين. يبدو، من خلال أفكاره وأفعاله أنه لا ينتوي إقامة نوع من الاستعمار السياسي فحسب لسوريا، فهذا الهدف أصبح ذكرى أركيولوجية عفا عليها الزمن، لكنه يخطط لنوع الاستعمار العسكري ومن ثم سوف يكمل تثبيته بتغيير ديموغرافي تجريفي للأراضي المحتلة، أي بكل بساطة فإنه لا يستعير منهج الصهاينة إزاء الوطن الفلسطيني فحسب، بل يستمد صورته من نموذج الاجتياحات القروسطية عندما كان الشعب الأقوى يزيل الشعب الأضعف كلياً ليرث أرضه وما عليها. فلا ننظر هذه الأيام بخفة إلى حركات التجريف شبه المنظمة التي يمارسها نظام الأسد وعصاباته ضد (أقوام) المناطق السورية واحدة بعد الأخرى، ذلك أن المرحلة البوتينية لن تكون مجرد حدثيات عابرة بهوامش المذبحة السورية؛ إنها بالأحرى. تتمتع بمعاول جيولوجية تريد قلب الأرض كلياً على رؤوس ساكنيها.
كل من كتب عن شخصية هذا الرجل حتى من أقرب محازبيه أنتهوا إلى إطلاق أحكام سلبية على مجمل تصرفاته العامة. وهناك منهم الذين حذروا أوباما بأن هذا العصامي والبوليسي لا يصلح لأن يكون وريثاً شرعياً لإمبراطورية أمريكا، غير أن مالم يبح به هؤلاء هو اعتقاد بعضهم الصامت أن الدب الروسي العنيد سوف يمثل جوهر الاستبداد الحقيقي الذي عجزت غزوات أمريكا كلها أن تفرض له نظاماً كوسموبوليتياً، فما لم تقدر على تنفيذه أو حفظه الاستبدادية الأمريكية سوف تعوضه ممارسات عنف (شيشاني) غير مسبوق بما سيجرؤ على تحقيقه من فظاعات همجية مبتكرة لا شبيه لها.
كأنما أمسى الدور العربي في مسرحيات الدبلوماسيات العالمية هو تظهير مكامن الاستبداد لدى وحوش الغابة الإنسانية، مما يجعل كلاً منها تقدم تجارب سيادية سلطوية كيما يترجم عنفها إلى أنظمة مادية مجسمة. كما لو كان على العرب بَعْد أن يُنهوا الاستبداد الأوروبي أن يقضوا على نوع استعماره التقليدي، ومن ثم صار عليهم أن يتابعوا تحطيم الصف الجديد الصاعد من أصنام العنف والإذلال لدى الديكتاتوريات العسكرية المستجدة، وبعدها وفي جيل ثالث يتم التصدي ضد ديمومة الاستبداد، عندما تتسلط الأيديولوجيات اللفظوية على عقول الشبيبة لتحول الكتابات العنفية إلى مذابح أرضية جماعية. وفي القفزة الرابعة تجتاح عواصف من الأسماء القدسية ساحات المدينة كلها. تسيطر كاتدرائيات المذهبيات على كنائس وجوامع الشعوب المضطهدة. يصير اضطهادها ذريعة لاستسلامها الطوعي لكل مفترس للحومها المقددة. وفي هذه اللحظة التي تتحول فيها هذه اللحوم إلى أجساد أفعوانية متلوية على بعضها يأتي _في هذه اللحظة_ من يلقي إليها برزمة أفاعٍ جديدة أخرى. فلكي يستخدم بعضها كأدوات لحل عقد أفاعٍ أخرى أدهى منها لا بد من استحضار زمر من الأفاعي الطازجة وقذفها إلى الأتون الأفعواني الأكبر. يحدث هذا أخيراً عندما لا يبقى للإستبداد ما يغذيه سوى النهش من لحوم بعضه البعض.
سؤال طفيلي يقول: ماذا فعلنا جميعاً طيلة ما يزيد على الأربع سنوات من جحيم التقاتل العقيم سوى أننا وجميعاً طبعاً، قد خضنا أفظع وأعظم التمارين على قتل الحلول لكوارثنا، فما كان يرعبنا أننا نحن الذين انتخبنا هذه الفئة من الرجال الذين لا ترتجف أصوات تكبيرهم وهم يقطعون رقاب بناتنا وأطفالنا وشيوخنا، إنهم الأبطال المختارون «الهيا إسلاموياً»..

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

القدس العربي