لماذا يتوق كل هؤلاء السوريون إلى المطر؟

في الأسبوع الماضي تغيرت حياة “عزيزة”، البالغة من العمر 12 عاماً. كانت قد وصلت لتوها إلى شقة جدّيها في حلب مع أسرتها، عندما سمعت صوت طائرة تقترب ثم وقع انفجار رهيب.

قالت عزيزة: “فجأة رأيت كل شيء تحت طبقة من الغبار. سمعت عمتي تصرخ، كانت تنادي على الناجين من الموت، ثم أخذني بعض الرجال أنا وأختي… أخرجونا من تحت الأنقاض… اختفى الجدار والسلم… راحوا ينقلوننا فيما بينهم”. عزيزة المصدومة الواقفة على أنقاض البيت المنهار قالت لي بعد يومين من الغارة إنها لم تنج هي وأختها الصغيرة سوى لأنهما كانتا تلعبان في إحدى الحجرات الداخلية.

سقطت أربع قنابل حكومية على حي السكري في 7 أبريل/نيسان فقتلت أمها وشقيقها التوأم وشخصين أخرين من أقاربها المقربين، وألحقت إصابات خطيرة بوالدها. كانت عزيزة برفقة أسرتها قد انتقلت بالفعل إلى حي آخر، لكن عادت مع أسرتها لأخذ بعض المتعلقات. ولقد جمعنا من خلال حديثنا إلى الأقارب والجيران معلومات عن 17 مدنياً قُتلوا في هذه الغارة، لكن ربما كان عدد القتلى أكبر إذ ليس مع أحدٍ بعد قائمة كاملة بالوفيات.

ليست الحياة في حلب سهلة. يعاني الناس هنا من نقص الغذاء والكهرباء والمياه، وقليلة هي المساعدات الإنسانية المتوفرة. كانت شهور الشتاء القارس الطويل قاسية، وكان العزاء الوحيد المحتمل هو فكرة… أن الغارات الجوية حينئذ تقل بسبب الطقس المطير الملبد بالغيوم. يبدو أن طائرات الحكومة السورية لا تحلق وترمي القنابل إلا والسماء زرقاء صافية.

مع انتهاء الشتاء، ها هم الناس يحاولون العودة إلى الحياة الطبيعية. عاد الكثيرون من القرى والمخيمات المحيطة في تركيا وعلى الحدود. وعلى النقيض مما رأيت أثناء الزيارات السابقة، رأيت هذه المرة أطفالاً يلعبون الكرة في الشارع، ونساءً يتسوقن يشترين حاجياتهن في الأسواق، بل إنني ذات مرة علقت في زحام الشوارع، لدى أحد ميادين حلب الرئيسية. هناك بلدات لا حصر لها في شمال سورياتحاول العودة إلى الحياة الطبيعية بعد أن أجبر القتال الضاري القوات النظامية على الانسحاب منذ عدّة شهور. يحاول السكان في عدة بلدات إنشاء وتشكيل مجالس حكم محلي، يحاولون فتح المدارس من جديد، وتعيين مجالس قانونية لتفصل في المنازعات اليومية.

إلا أن محاولات العودة للحياة الطبيعية تبوء بشكل متكرر بالفشل لأسباب بالغة القسوة لا يمكن توقعها بالمرة… إنها الغارات التي تشنها الحكومة بالمروحيات والطائرات فتقتل وتصيب المئات وتدمر أحياناً مربعات سكنية كاملة، وتبث الخوف والقنوط. وفي حالات كثيرة، يبدو أن لا وجود هنالك بالمرة لأهداف عسكرية في الحي، ويبدو أن الغارات عشوائية، بل وكأنها تستهدف المدنيين عن قصد. وسواء كانت عشوائية أم متعمدة، فهي غير قانونية بموجب القانون الدولي. أصدرت هيومن رايتس ووتش تقريراًالأسبوع الماضي يوثق 59 غارة من هذه الغارات الجوية غير القانونية التي ضربت مناطق بشمال سوريا. بدأت الغارات في يوليو/تموز، وهي مستمرة إلى الآن، ويبدو أنها تشتد وتزيد مع دخول الطقس المشمس.

من الظاهر أن بعض الغارات الجوية التي وثقناها تعمدت استهداف المدنيين. ولنأخذ مثالاً: الغارات المتكررة على المخابز تشير بوضوح إلى تعمّد الحكومة قصفها. هناك مستشفيات يبدو أنها استهدفت عمداً بدورها. أغارت الطائرات الحكومية على مستشفى طوارئ والمنطقة القريبة منه ثماني مرات، في مدينة حلب؛ مما أدى لتعطيل العمل بالمستشفى في نهاية المطاف. وهناك غارات جوية أخرى وثقناها وقعت قرب مستشفيات.

ثم إن الغارات الجوية كانت غير قانونية من منطلقات أخرى أيضاً… فقد توصلنا إلى 119 موقعاً في شتى أنحاء سوريا استخدمت فيها الحكومة ما لا يقل عن 156 قنبلة عنقودية، وهو السلاح الذي تحظره أغلب دول العالم. استخدمت الحكومة قنابل محرقة، تؤدي إلى حروق مؤلمة للغاية، تنفذ إلى العظام في العادة، وقد تؤدي إلى إتلاف الجهاز التنفسي. وفي أغلب الحالات استعملت الحكومة قنابل ضخمة غير موجهة لم تتمكن من تصويبها بدقة. وفي الغالبية العظمى من الحالات التي وثقناها، أدت الغارات الجوية إلى دمار وخسائر لحقت بالمدنيين والأعيان المدنية فقط. حتى عندما كانت هناك احتمالات لتواجد أهداف عسكرية في المنطقة المستهدفة بالغارات؛ فلم تتضرر تلك الأهداف. على سبيل المثال أحصيت في بلدة واحدة ثماني غارات جوية أصابت المنطقة المحيطة بمنزل كان مقاتلو المعارضة يستخدمونه، لكن لم تضرب غارة واحدة ذلك المنزل.

يشعر الناس الذين قابلتهم في حي السكري بأن الجميع تخلوا عنهم. قالوا لي إن المجتمع الدولي يقف موقف المتفرج فيما تقتل الحكومة السورية شعبها. وبالفعل، فإن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي تعطل روسيا والصين تحركه إزاء سوريا، أخفق في الوفاء بمسؤولياته الخاصة بحماية الشعب السوري من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، عن طريق مثلاً فرض حظر أسلحة على الحكومة السورية. لكن يجب ألا يمنع شلل مجلس الأمن إزاء سوريا الحكومات المعنية من تصعيد وتكثيف جهودها للضغط على الحكومة السورية كي تُنهي هذه الانتهاكات.

وفي هذه الأثناء، سوف يستمر أهالي حلب في رفع أيديهم إلى السماء والدعوة حتى ينزل المطر وتتجمع السحب؛ فتبقى الطائرات بعيدة.