لهذه الأسباب جاء الروس

37

تطالب الولايات المتحدة في سوريا بالشيء ونقيضه. فهي لا تمانع في اشتراك روسيا في توجيه ضربات الى “داعش” في سوريا، لكنها تخشى ان يؤدي ذلك الى تعزيز قدرة الرئيس بشار الاسد. أي انها تريد ان يأتي الجهد الروسي في مواجهة الارهاب في اطار الائتلاف الدولي الذي تقوده اميركا منذ سنة والذي لم يحرز حتى الان أي تقدم نحو تحقيق الهدف المنشود منه، ألا وهو تقويض التنطيم الجهادي ثم تدميره.

الحرب الجوية على “داعش” في العراق وسوريا لم تحرر الموصل ولا أي بقعة في العراق وسوريا من “داعش”. الحاصل هو ان “داعش” لا يزال يتمدد وخصوصاً في سوريا، واذا ما كان خسر بعض الاراضي في العراق فذلك كان بفعل “الحشد الشعبي” اكثر منه بفعل الغارات الجوية، فيما حصيلة برنامج التدريب الاميركي لمعارضين سوريين “معتدلين” استناداً الى قائد القيادة المركزية الاميركية الجنرال لويد اوستن خلال شهادة له امام مجلس الشيوخ الاربعاء الماضي لا يتعدى عدد اصابع اليد الواحدة!
لا تريد الولايات المتحدة ان تعترف بفشل استراتيجيتها لمحاربة “داعش” ولا تريد من روسيا ان تنخرط في الحرب على هذا التنظيم الذي يعتبر الاقرب جغرافياً الى الاراضي الروسية منه الى الاراضي الاميركية، فضلاً عن ان المجموعات الجهادية القوقازية التي تقاتل في سوريا اليوم من الممكن ان تعود غداً لتقاتل في روسيا. ويبدو ان أميركا لا تدرك أو هي تدرك ولا تريد ان تعترف، بأن المجموعات الجهادية تشكل خطراً على روسيا أكثر بكثير مما تشكله على أميركا. ولعل هذا هو الدافع الاساسي للتعزيزات العسكرية الروسية في سوريا قبل ان تكون موجهة لدعم النظام السوري.
ان مصلحة روسيا تقتضي منها المسارعة الى احتواء الجهاديين في جبهتهم الاساسية اليوم المشكلة من سوريا والعراق، قبل ان يتمكن هؤلاء من التمدد أكثر في ظل الاستراتيجية الاميركية الحالية. ولكن من غير المستبعد ان تقبل اميركا باحداث أي تغيير في سياستها الحالية أو تتخلى عن مطلبها الاساسي تنحي الاسد على رغم اقامتها الفصل المصطنع بين الاسد والنظام وادعائها انها تريد الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية ولا سيما منها الجيش السوري.
ان تمسك أميركا باستراتجيتها في سوريا نابع من كون هذه الاستراتيجية هي التي تكفل لها تحقيق التغيير السياسي في هذا البلد، بينما يأتي انخراط روسيا مباشرة أو بشكل أكثر فاعلية في الحرب على “داعش” ليعطل الاستراتيجية الاميركية لأنه يمنع انتقال سوريا من محور الى محور في ظل تزايد الاستقطاب العالمي وعودة الحرب الباردة من بابها العريض.