ليس لكل اقتلاع عودة

18

تبدو النكبة الفلسطينية متواضعة أمام الجحيم السوري، وما يزيد من عمق الألم السوري منسوباً إلى الألم الفلسطيني، أن النكبة السورية جـــاءت بأيد «وطنية». المجرم نتــــاج وطـــني خالص، يساهم في تدمير بلده، بطريقة تـــفــوق قدرة أكـــثر الأعداء حقداً على تدميــرها بهذه الــطريقة الوحشــية الاقتلاعية.

لقد تم تفكيك النسيج الاجتماعي السوري خلال سبع سنوات من الصراع المرير، فالبنية الاجتماعية الهشة أصلاً بفعل الإفقار المتسارع الذي تعرضت له سورية خلال العقود الثلاثة المنصرمة، لم تكن قادرة على امتصاص أزمة ذات طبيعة تجريفية، ضربت المجتمع في البنية الرئيسية لتكويناته التقليدية، العائلة، صغيرها وكبيرها؟!

في البداية، أظهر الحراك السوري أجمل ما في السوريين من آليات تضامن. لكن الصراع المديد حوّل المتضامنين إلى محتاجين للتضامن. عندما تقول الأمم المتحدة أن أكثر من نصف السكان في سورية باتوا يحتاجون إلى مساعدة ماسة حتى يستطيعوا إكمال حياتهم، فهذا يعني 11 مليوناً من البشر، وهكذا نستطيع أن نتصور حجم الإفقار الجماعي الذي ضرب الملايين من السوريين خلال السنوات السبع المنصرمة. وتم تهديم ملايين المنازل كلياً أو جزئياً ولم تعد صالحة للسكن. وهناك عدد لا يحصى من الأماكن تحولت الحياة فيها إلى ضرب من ضروب المستحيل بعد حصار خانق امتد لأشهر طويلة، منعت عنها كل وسائل الحياة من مياه، وطعام، وكهرباء ووقود، وهاتف، وتحولت مناطق كانت عامرة وواعدة إلى مدن أشباح، هجرها سكانها على عجل، لا يعرفون إلى أين تقودهم مسيرتهم التي طالت.

النزوح المهول، جعل البيوت الصالحة للسكن مكدسة بالبشر الذين يشغلونها. لقد دفع الضيق الذي وجد الجميع أنفسهم فيه، إلى صدام الجميع ضد الجميع. وهناك مئات آلاف العائلات التي استنفدت كل إمكانية لدفع أجر سكن، أو استضافة عند آخرين، ما دفع الكثيرين منهم للعودة إلى أماكنهم السابقة غير الصالحة للعيش، أو ينتظرون على أبواب أماكنهم المحاصرة ليعودوا إلى بيوتهم في الأماكن الــتي فقدت كل وسائل العيش، فلم يعد لهم خيار بعد أن تقطعت بهم السبل، عداك عن جحيم مخيمات اللجوء في دول الجوار.

دُفِنَ حلم التغيير تحت ثقل آلام البشر التي تتوالد مآسي لا تنتهي، لا أمان اليوم للسوريين في كل الأماكن، لقد باتت سورية أماكن نفوذ لعصابات النظام، ولأمراء حرب ولدوا في ظل أتون الصراع. الجميع جعل المكان السوري جحيماً لا يمكن العيش فيه، وهو ما جعل كل السوريين يدخلون في طريق النزوح، وهو طريق قد يذهب بهم بعيداً، معتقدين أنهم في يوم من الأيام سيعودون إلى منازلهم، لكن الطريق ستأخذهم بعيداً، فيرتبون حياتهم في أرض ما، غريبة عنهم. نعم، ستُنمي الحنين الحزين، وستجعل من المنازل التي بنوها بالعرق والدموع، وهجروها بسبب الدم والقتل والدمار، ذكرى لزمن جميل، لم يكن جميلاً فعلاً، بقدر ما يأتي جماله من بشاعة ورداءة وهول الزمن الذي جاء بعده.

ليس لكل اقتلاع عودة، هناك اقتلاع لا عودة منه، حتى عندما تعود إلى المنازل ذاتها، إذا وجدت المنازل أصلاً، فلا تكون أنت أنت، ولا المنازل هي المنازل التي تركتها. أنت أصبحت شخصاً آخر، المكان بات غريباً، بقدر غرابة الأماكن الأخرى. إنه الاقتلاع الذي يجرف البشر، ويراكم في طريقه أوجاعهم مأساة فوق مأساة، حتى يفقد القدرة على التحمل، ويصبح الموت مطلباً وحلاً.

سمير الزبن

المصدر: الحياة