ليقرر السوريون مستقبلهم

منذ أربع سنوات خرج جزءٌ كبيرٌ من الشعب السوري يطالب بحريته، وليصنع لنفسه مستقبلاً مختلفًا عما كان يعيشه بعيدًا عن الخوف والاستبداد والظلم، وللأسف انتهى به الأمر إلى قتل أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن، وتشريد وتهجير أكثر من نصف الشعب، وتفكيك المجتمع وتدمير مدنه وتحطيم اقتصاده. بل أكثر من هذا؛ إذ أصبحت سوريا بؤرةً للإرهاب بكل أشكاله، ومسرحًا لكافة أنواع التدخلات الإقليمية والدولية. ومع ذلك كله ما زال هناك من يدَّعي واهمًا نصرًا لمجرد بقاء النظام، رغم ما يراه الجميع من أنّ سوريا أصبحت حطام دولة وحطام مجتمع كان يومًا حيويًا عريقًا تعايشت مكوناته على مدار قرون طويلة وفي ظل جميع الظروف.
ولم يكن ذلك كله ليحدث لو كان النظام قد تصرف تصرفًا مختلفًا، وقرأ خريطة التطورات بحكمة ودهاء، وقَبِلَ نُصْحَ الناصحين، ولم يكن ليحدث كذلك لو قام المجتمع الدولي بواجباته في حماية الأمن والسلام الدوليين. لقد عجزت جهود جامعة الدول العربية عن إيجاد حل، وأخفقت جهود الوسطاء الدوليين في إيجاد مخرج من هذه الكارثة، وتمنَّعت الدول الكبرى التي بيدها مفتاح الأمن والسلام في العالم عن فرض الإرادة الدولية لوقف نزيف الدم والخراب، واستهداف مصلحة الشعب السوري بدلاً من ذلك. ولم تفلح مبادرات أصدقاء النظام السوري ومبادرات أصدقاء الشعب السوري. لقد عجز الجميع عن إيجاد حل يحقق السلام ويحفظ الوحدة الوطنية والجغرافية للدولة السورية، والجميع مسؤول عن هذا العجز، وهذا الإخفاق! ولكن لا بد من إيجاد مخرج من هذا الوضع المأساوي!!
لم ينجح النظام السوري في فرض حل ولن ينجح، ولم تنجح المعارضة في فرض حلها ولن تنجح؛ ما لم يُسمح لها بتحقيق «توازن قُوى» مع النظام؛ مما سيجبره على الجلوس على طاولة التفاوض والوصول إلى حل.
إن استمرار الوضع السوري على حاله ليس لمصلحة سوريا، وليس لمصلحة الأمن والسلام الإقليميين والدوليين. إن استمرار هذا الوضع هو الوصفة الحقيقية لتوالد نزعات التطرف والإرهاب، فإذا ما قُضِيَ اليوم على «داعش» و«النصرة» وأشباههما، فلا شيء يضمن عدم ظهور دواعش آخرين. لقد حان الوقت ليقول الشعب السوري كلمته بعيدًا عن النظام، وبعيدًا عن الجماعات الإرهابية التي تهدف إلى اختطاف سوريا وثورة شعبها، وعن كافة التدخلات الإقليمية والدولية.
إن الشعب السوري شعب عريق، وله قدم راسخة في الحضارة الإنسانية، يرفده تاريخٌ يمتد إلى آلاف السنين من الإنجازات الحضارية والثقافية والإدارية، وإذا ما تُرك لحاله فإنه سيجد طريقًا لخلاصه. وفي تاريخ سوريا الحديث نموذجٌ يعتز به السوريون ويعدونه صفحةً مشرقةً في تاريخهم السياسي، وهو عقدهم لمؤتمر وطني سوري (1919/1920 Syrian National Congress) بعد تحرير سوريا خلال الحرب العالمية الأولى. لقد قرر السوريون عقد مؤتمرهم بأنفسهم دون أي تدخل ليصوغوا شكل الدولة التي يريدون ونظام الحكم فيها. وعلى الرغم من أن مشروعهم لم ينجح بسبب احتلال فرنسا لبلدهم بعد هذا القرار، فإنه يبقى نموذجًا يمكن الاحتذاء به لصوغ مستقبل جديد وواعد لسوريا.
ونحن المشاركين في هذه المقالة نرى بإخلاص أن عقد مؤتمر وطني سوري عام يشارك فيه ممثلون لجميع القوى السياسية والأحزاب والمكونات الاجتماعية السورية، وممثلون عن المجتمع المدني، وممثلو المدن والبلدات والقبائل من الموالين للنظام والمعارضين له – مهما بلغ عددهم – كفيلٌ بتوافق السوريين على نوع النظام السياسي والدستور الذي يريدونه ويحقق تطلعاتهم؛ إذا ما توافرت لهم ظروف النجاح. ولذلك نقترح الآتي:
– يَدَّعي كل من يناصر النظام من الدول والأحزاب، ومن يقف ضده، أن القرار للشعب السوري في تقرير مصيره، لذا يجب على الجميع ترك الأمر للشعب السوري لاختيار ممثليه في هذا المؤتمر الوطني وعدم التدخل في خياراته.
– تبنِّي الأمين العام للأمم المتحدة بالتشاور مع الجامعة العربية لمقترح عقد مؤتمر وطني تأسيسي سوري يجمع ممثلي الشعب السوري لتقرير مصيرهم، وإقناع مجلس الأمن باستصدار قرار حسب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار بين قوى النظام ومعارضيه مدة ستة أشهر ليتسنى للسوريين اختيار ممثليهم انتخابًا أو توكيلاً، وعقد مؤتمرهم.
– تشكيل هيئة دولية مستقلة لوضع كافة الإجراءات الضرورية لعقد هذا المؤتمر، ووضع الآليات الضرورية لضمان تمثيله للسوريين.
– يجتمع ممثلو الشعب السوري في مكان محايد مدة ثلاثة أشهر، ولا يشارك في إدارة المؤتمر ووضع أجندته ومداولاته ومقرراته سوى ممثلي الشعب السوري.
– تأييد كافة الدول المنضوية في مجموعة أصدقاء سوريا، وتلك التي تدعم النظام السوري، لمباركة هذا المؤتمر والالتزام بنتائجه ما دامت تعبر عن إرادة السوريين، وإعلان التزام هذه الدول بتقديم كل المساعدات المطلوبة لإعادة إعمار سوريا، ومساعدة شعبها على العودة إلى حياته الطبيعية، ومداواة جراحه العميقة ليعود فاعلاً في محيطه وعالمه.
– إقرار مجلس الأمن لمخرجات هذا المؤتمر بقرار ملزم حسب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يعاقب من لا يلتزم بتنفيذ هذه المخرجات بكافة الوسائل التي تجبره على الانصياع لتنفيذها.
يرى النظام السوري الحالي في دعايته التي يبثها مرارًا أن عقد مؤتمر تأسيسي يشبه هذا المؤتمر هو أحد خياراته بعد أن يتحقق له النصر بالقضاء على ما يسميه بالإرهاب، لَكِنَّ سوريا قد تغرق أكثر وتتحطم أكثر وتختفي كدولة موحدة إذا ما أصر النظام على العودة غير الممكنة إلى الماضي، ولن ينجح. فإذا كان النظام يستهدف مصلحة سوريا فعليه الموافقة على خيار المؤتمر لإنقاذ البلاد وشعبها.
قد لا يكون سهلاً، في ظل الظروف القائمة وفي ظل وجود «داعش» و«جبهة النصرة» في مناطق سورية واسعة، التفكيرُ بمثل هذا المقترح، إلا أنه ربما يكون المخرج الوحيد لتحييد الأزمة السورية عن الإرهاب ومحاربته. فعند اتفاق السوريين على حل قضيتهم يصبح الفرز واضحًا لكافة القوى الموجودة على الساحة السورية، مما يسهل النجاح في الحرب على الإرهاب ويعطيها مشروعية لدى جميع القوى في المنطقة.
إن استمرار نزيف الدم في سوريا ومعاناة مواطنيها في الداخل والخارج، وتنامي أعداد القتلى يوميًا، لهُو عارٌ في جبين الإنسانية جمعاء، والسماح باستمرار ذلك سيُبْقِي منطقة الشرق الأوسط مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة للجميع. إن إنقاذ سوريا واجب أخلاقي وسياسي، ولكن لِنَدَع السوريين يقولون كلمتهم الفصل. وبقولهم كلمتهم فإنهم سيوفرون شرعية وطنية لا يمكن لأحد الالتفاف عليها؛ لا من النظام ومن يقف في صفه؛ ولا من الجماعات الإرهابية ومن يقف في صفها.
وقد تقوم الأمم المتحدة وممثلها «ستيفان دي ميستورا» بتوجيه الجهود نحو تحقيق هذا التصور بدلاً من التفكير في تسويات لا تختلف عن محاولات من سبقوه لإيجاد حل لهذه القضية.
لننقذ سوريا!!
الشرق الاوسط