مؤتمر المانحين: أين السوريون؟

انقسم مؤتمر المانحين المنعقد في الكويت أمس إلى ثلاث جهات عملياً، الأولى هي فئة المانحين من الدول العربية الغنية، والاتحاد الأوروبي وأمريكا واليابان، والثانية هي فئة الدول المتضررة من الأزمة السورية، وعلى رأسها الأردن ولبنان وتركيا، والفئة الثالثة هي الجهات الدولية التي تعمل وسيطاً بين هاتين الفئتين، كهيئة إغاثة اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية وهيئة رعاية الأطفال (اليونيسيف) و»أوكسفام» وغيرها.
قدّمت فئة الدول المتضررة طلباتها، وكان على رأسها الأردن التي قدّر رئيس وزرائها عبد الله النسور حاجتها إلى ثلاثة مليارات دولار لتلبية احتياجات السوريين على أرضها مشيرا إلى أن البلد «استنفد موارده إلى الحد الأقصى واستهلكت بنيته التحتية وتراجعت خدماته وتأثرت إنجازاته ولم يعد قادراً على تقديم ما اعتاده لمواطنيه» بينما طالب رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام القمة بتمويل خطة قيمتها مليار دولار لدعم اللاجئين السوريين.
أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الذي رعت بلاده قمة المانحين للمرة الثالثة على التوالي، وصف ما يجري في سوريا بأنه «أكبر كارثة إنسانية عرفتها البشرية في تاريخها المعاصر»، فيما قدّم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إضافات على تفاصيل الكارثة مشيراً إلى أن أربعة سوريين من أصل خمسة باتوا يعيشون في الفقر والبؤس، وأن البلاد «خسرت قرابة أربعة عقود من التطوّر البشري».
ولو أن شرح المأساة السورية قادر على إقناع الدول القادرة على إيقافها وتغيير مسارها الفظيع فهاكم أرقاماً مرعبة أكثر: نصف الشعب السوري صار مهجّراً أو نازحاً أو لاجئاً (10.9 مليون شخص)، وقُتل أكثر من 220 ألف إنسان (أكثر من 45 ألف في السنة الماضية فقط)، ودمّرت 50٪ من المدن، وأكثر من مليون ومئتي ألف منزل، و36٪ من المستشفيات، و4000 مدرسة، و1549 دار عبادة.
بحسب بان كي مون فقد جمع المؤتمر تعهدات تعادل 3.8 مليار دولار بينما كان المطلوب 8.4 مليار دولار، وكان بعضها لا يتناسب مع حجم الدول التي قدّمتها، كما هو الأمر مع السعودية التي تعهدت بمبلغ 60 مليون دولار والإمارات التي تعهدت بتقديم 100 مليون دولار.
وكالعادة فإن بعض التعهدات سيتأخر الوفاء بها، والبعض الآخر لن يصل، ولكن الأهم من كل ذلك إن مئات الملايين الموعودة ستتآكل حال خروجها من الخزائن وستذهب نسبة هائلة منها إلى الأجهزة البيروقراطية للمؤسسات الوسيطة، وفي نهاية السلسلة الغذائية الضخمة هذه ستصل نسبة متواضعة من هذه المساعدات إلى «السوريين»، عبر أجهزة الدول، وبينها، للمفارقة، مؤسسات تنتمي لـ«الدولة السورية» نفسها التي تهجّر السوريين وتطاردهم بالعسف والقمع والقذائف حتى في بلدان هجرتهم.
في سلّم وصف التراجيديا السورية الذي صعدناه في مؤتمر المانحين لم نسمع صوتاً للسوريين أنفسهم، وخصوصاً المؤسسات الإغاثية والصحية والمدنية العاملة على الأرض السورية، في ظروف مهولة بتعقيدها وخطورتها، ولو على سبيل تقديم تجاربها وخبراتها ومشاهداتها، وبذلك تحوّل مئات آلاف القتلى وملايين النازحين والجرحى والمعتقلين والمهانين السوريين بمدنهم ومدارسهم ومشافيهم ومساجدهم المدمرة إلى أشباح غير منظورة في المؤتمرات التي تعقد باسمهم.
ولعلّ هذا الغياب أكثر تعبيراً عن المأساة السورية من كل الأرقام السابقة.

رأي القدس