مؤتمر “جنيف 2″… تسوية معلّقة على المصالح والأوهام!
في نهاية تشرين الأوّل الماضي، وفي الوقت الذي كان الجميع يتحدّث عن وصول الأزمة السورية إلى مرحلة التسوية، وقيام البعض بتحديد مواعيد قريبة لمؤتمر “جنيف 2″، ومنهم نائب رئيس الوزراء السوري (المُقال من منصبه) قدري جميل الذي توقّع عقد المؤتمر يومي 23 و24 تشرين الثاني، جزمنا أنّ لا مؤتمر لا في تشرين الثاني ولا في العام 2013 (المقال منشور في 28 تشرين الأوّل بعنوان: 5 وقائع تؤكّد الفشل المسبق لمؤتمر “جنيف 2”). واليوم، وبعد كل الضغوط الدولية التي مورست، تمّ تحديد الثاني والعشرين من كانون الثاني 2014 موعداً جديداً لإنعقاد مؤتمر “جنيف 2”. فهل سيثبت هذا الموعد هذه المرّة؟ وما هي فرص الوصول إلى حل شامل للأزمة السورية؟
تذكير أنّ الجولة الأولى من مفاوضات جنيف عقدت في 30 حزيران 2012، أيّ منذ سنة وخمسة أشهر. وعلى الأرجح، فإنّ الجولة الثانية من محادثات جنيف التي حُدّدت في 22 كانون الثاني المقبل ستُعقد في الموعد المحدد، وذلك نتيجة ضغوط كبيرة تمارسها أكثر من دولة وأكثر من جهة، تحاول لعب دور مركزي في الأزمة السورية، على أمل أن تحجز لها مقعداً في أيّ تسوية محتملة في المستقبل. لكن النجاح في عقد المؤتمر شيء، والوصول إلى مشروع تسوية في ختامه شيء آخر. وإذا كانت المعطيات الحالية ترجّح إنعقاد المؤتمر هذه المرّة، خصوصًا وأنّ الفترة الفاصلة عن الموعد المحدّد كافية لتذليل العقبات التي كانت لا تزال حتى الأمس القريب تحول دون عقده، ومنها مسألة حضور وفد إيراني أو عدمه، ومستوى تمثيل كل من ممثّلي النظام السوري ومعارضيه، وعدد الجهات المعارضة وتلك الداعمة للجانبين التي ستتم دعوتها، إلخ. فإنّ المعطيات الحالية عينها لا ترجّح الوصول إلى تسوية في الجولة المقبلة من المفاوضات. والأسباب متعدّدة:

أوّلاً: إستبعاد تمكّن أيّ من الجهات المتواجهة على فرض تغيير جذري وشامل في ساحات القتال خلال الشهرين الفاصلين عن موعد المؤتمر، ما يعني إستمرار تمسّك النظام ومعارضيه بمطالبهم المتشدّدة، حيث أنّ معركة من هنا ومعركة من هناك، لن تغيّر بواقع القدرة على الإستمرار بالقتال، ولو أنّ كلا من الفريقين المتواجهين لا يزال يتمسّك بأوهام القدرة على قلب موازين القوى في المستقبل القريب.
ثانياً: إستبعاد موافقة “المعارضات” السورية على وفد تمثيلي موحّد، ما يعني عدم مشاركة ممثّلين عن كثير من الجهات السورية المسلّحة التي تفرض سيطرتها الميدانية، في مقابل حضور شخصيّات معارضة هي أقرب إلى الشخصيات الإعلامية منها إلى الشخصيات المؤثرة على المعارضة الميدانية. وهذا الأمر يعني ضُعفاً تمثيلياً متوقّعاً للوفد المعارض المفاوض، وعدم قدرته على الوفاء بأيّ التزامات أو تعهّدات قد يتّخذها.
ثالثاً: إستمرار الخلافات الكبيرة بين الطرفين الإقليميّين الأكثر تأثيراً في الأزمة السورية، أيّ إيران والمملكة العربيّة السعودية، مع ما لهما من إمتدادات عسكرية وأمنية وإستخبارية، ومن ثقل مالي وإقتصادي مؤثّر في الدعم اللوجستي الذي تلقاه الجهات المُتقاتلة. وبالتالي، وفي ظلّ الحرب المفتوحة بين البلدين المذكورين، ولو بالواسطة، فإنّ الآمال ضعيفة بقيام أيّ منهما بتسهيل أيّ تسوية في سوريا، قبل أن نسمع ببدء الإجتماعات الثنائية بين ممثّلين عن طهران وآخرين عن السعودية، تأخذ في الإعتبار الكثير من مصالح الفريقين في المنطقة، بما فيها الوضع داخل سوريا.
رابعاً: إستمرار التباين في رؤية الدول الكبرى المؤثّرة في الحرب السورية، أكانت روسيا أو الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبيّة، بالنسبة إلى الخطوط العريضة للحلّ. فكيف يمكن عندها الوصول إلى اتفاق على التفاصيل الصغيرة والدقيقة، إذا كانت أسس الحل غير متوفّرة بعد. وإذا كان البعض يعتقد أنّ اتفاق تسليم الأسلحة الكيميائية السورية، وكذلك إتفاق الحد من النشاط النووي الإيراني، سينعكس إيجاباً على فرص الحل في مؤتمر “جنيف 2″، فإنّ الواقع هو غير ذلك. فهذه الملفّات المهمّة، لا سيّما الإتفاق الغربي-الإيراني الأخير، تتضمّن الكثير من التفاصيل الشائكة التي يتطلّب حلّها جهوداً كبيرة وطويلة الأمد. وبالتالي، إنّ ربط هذه الملفّات بالملف السوري الدامي، لن يزيد الأمور إلا تعقيداً وصعوبة. ولن يكون بالتالي في نيّة الدول الكبرى تسهيل أيّ تسوية في سوريا، ما لم يتم أخذ الكثير من مصالحها الإستراتيجية في الإعتبار، وهذا ما يتطلّب فترات تفاوض طويلة.

في الخلاصة، من المتوقّع إستمرار المعارك وبشكل عنيف في الفترة الفاصلة لمؤتمر “جنيف 2” في نهاية الشهر الأوّل من العام المقبل. ومن المتوقّع أيضاً أن يحتدم الخلاف في الأيام والأسابيع المقبلة بشأن الجهات التي ستشارك في المؤتمر، ومدى الدور التمثيلي الذي تتمتّع به. والأهمّ أنّ الأمل بالوصول إلى تسوية للأزمة السورية، أو حتى إلى بذور مشروع حلّ ضعيفة وضعيفة جداً. ومسألة الخطوط العريضة لأيّ حل سياسي محتمل ستبقى معلّقة إلى أشهر أو حتى أسابيع قليلة قُبيل إنتهاء ولاية الرئيس السوري بشار الأسد الحالية، والتي تنتهي في 17 تمّوز 2014 بحسب الدستور السوري الجديد. والسبب أنّ أيّ تسوية سياسية لن تكون قابلة للحياة ما لم تمرّ بتحديد واضح لدور الرئيس الأسد فيها، وإلى فترة بقائه في الحكم. وفي حال إستمرار تشدّد النظام إزاء هذه النقطة الفاصلة، فإنّ الحرب ستبقى مفتوحة من قبل الجهات الكثيرة التي تدعم “المعارضات” السورية المتعدّدة، ما لم تتحقّق أحلام أو ربّما أوهام أيّ من الفريقين، ومنها مثلاً نجاح المعارضة في إغتيال الرئيس الأسد أو نجاح النظام السوري بفرض سيطرته الميدانية بقوّة السلاح على كامل الأرض السورية في المستقبل القريب!
ناجي س.البستاني
النشرة
النشرة
التعليقات مغلقة.