مؤتمر جنيف 2 لا يقبل القسمة على 2!

19449057front1

مع قرب انعقاد مؤتمر جنيف 2 الذي يعقد بتاريخ 22 يناير (كانون الثاني) الجاري لإيجاد حل لقضية الشعب السوري وهو مؤتمر الفرصة الأخيرة، تتزايد وتيرة الاتصالات بين أطراف كثيرة من الدول الكبرى والمنظمات الدولية ليس حرصا في رأيي على إيجاد حل للقضية السورية، ولكن لكسب أكبر قدر من الغنائم على حساب الشعب السوري، وبذلك تصبح قضية الشعب السوري وحقه في تقرير مصيره ومستقبله لبعض الأطراف الدولية، فرصة مناسبة لتصفية حسابات بين بعض هذه الدول والمنظمات يكون فيها الشعب السوري هو الذي يدفع الفاتورة في النهاية.

مؤتمر جنيف 2 سوف يقرر ليس مستقبل الشعب السوري فحسب، إنما كذلك مستقبل الأمم المتحدة وقدرتها على القيام بأهم أدوارها التي أنشئت من أجلها وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها، ونحن هنا بدورنا كشعب عربي نتساءل: وماذا بعد كل ذلك؟ لقد حققت كثير من الأطراف الدولية والأحزاب العولمية التي تفتعل الأزمات في العالم أهدافها من خلال قضية الشعب السوري، فمن هذه الدول والأحزاب العولمية من كان هدفه أن يبقى النظام الاستبدادي في سوريا حتى وإن اقتضى ذلك تصفية الشعب السوري عن بكرة أبيه، لأن هذا النظام يمثل لها الثقل السياسي وبقاءها مرهون ببقاء النظام السوري في المنطقة مثل إيران وحزب الله، ومن هذه الدول من حققت هدفها في أن يصبح لها دور سياسي في العالم كبعض الدول الأوروبية، ومن هذه الدول من كان هدفها تدمير الترسانة النووية والكيماوية للنظام السوري حتى تبقى إسرائيل هي القوة العظمى في المنطقة وقد حققت هذا الهدف بالفعل، وكذلك جرى حلحلة قضية الأزمة مع إيران حول برنامجها النووي وهكذا، وكأن قضية الشعب السوري كعكة يجري تقاسمها بينهم، وقضية يجري على حسابها عقد الصفقات وإبرام الاتفاقيات. والآن يأتي الفصل الأخير للعبة بين الأمم على حساب قضية الشعب السوري، وهي القضية التي كان يجب أن تكون محور الاهتمام الدولي منذ البداية، ولكن يبدو أنه ليس لهذه القضية أي أهمية للأطراف التي تدعي أنها تريد حل للشعب السوري، ولذا سوف يضع جنيف 2 الجميع على المحك والمصداقية الدولية ويكشف النوايا الحقيقية تجاه قضية الشعب السوري، إن كان تبقى شيء من المصداقية للدول الكبرى التي تتحاور خارج السرب، وسوف يتضح إن كان هدفها قضية الشعب السوري أم أن هذا الهدف ما هو إلا مجرد لعبة يقومون بها لتحقيق أهدافهم الخاصة.

أبعد كل ما اقترفه النظام السوري من جرائم قتل وإبادة ومجازر بالأسلحة الكيماوية بحق شعبه، وتشريد له من أرضه حتى وصلت هذه القضايا إلى قضايا يجب أن يحال من هو مسؤول عنها إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما دعت إليه كثير من منظمات حقوق الإنسان، أبعد هذا كله يحق لحاكم ديكتاتوري دموي أن يكون موضع نقاش في أن يحضر أو لا يحضر المؤتمر؟ وبذلك ينقلب ميزان العدل في العالم، ويضيع حق الشعب السوري في تقرير مصيره في مؤتمر جنيف 2، إذا كان المتحاورون في المؤتمر سوف يتساوى لديهم الجلاد والضحية فدعونا نقل منذ الآن على منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن السلام ونقرأ عليهما الفاتحة إن كانا يستحقانها!

ونذكر هنا – وللتاريخ عبر ودروس – بأن الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية دخلت في الحرب الباردة، التي كادت تؤدي بالعالم إلى حرب عالمية ثالثة، وكان للأمم المتحدة رغم حداثة نشأتها ثقلها السياسي ومكانتها الدولية، فكانت تلعب الدور الأكبر لحل قضايا العالم وعملت على تحرير كثير من الشعوب ومساعدة هذه الشعوب على نيل استقلالها، ولم تثنها تداعيات الحرب الباردة عن القيام بدورها في قضايا العالم، وكان زعماء العالم الكبار رغم احتدام الصراع فيما بينهم في ذلك الوقت، يتصرفون بحكمة ومسؤولية، وكانوا يلتقون على طاولة المفاوضات في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويتحاورن حول مختلف القضايا الدولية، والآن يحدث العكس ففي عالم القطب الواحد أصبح مصير الشعوب وحقوقها تحل في حوارات وصفقات ثنائية، وأصبحت الأمم المتحدة ومجلس الأمن عاجزين عن إيقاف ديكتاتور دموي عن قتل شعبه، ومن المفارقات العجيبة أن روسيا، التي تطحنها الأزمات الاقتصادية الخانقة، وهي الجمهورية الرئيسة التي بقيت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والتي أصبحت تنشط اقتصادها المنهار بالاعتماد على تجارة الأسلحة وتأجيج الحروب والأزمات الإقليمية في العالم حتى لا تصاب بالكساد التجاري الحربي وتنهار اقتصاديا، أصبحت طرفا رئيسا في حل قضية الشعب السوري، ولذا فهي تحرص كل الحرص على بقاء النظام السوري حتى تجد من يشتري من أسلحتها القديمة، ويدفع لها من قوت شعبه وهذا ما يقوم به النظام السوري.

وحتى لا نشط بعيدا عن صلب موضوعنا، وعلى الرغم من كل هذه المقاصد البعيدة كل البعد عن الهدف الأساسي لجنيف 2، نقول إنه إذا لم يجر تفعيل المبدأ الرئيس الذي جرى الاتفاق عليه في جنيف 1 في مؤتمر جنيف 2 وهو تشكيل حكومة انتقالية يجري بعدها إعطاء الشعب السوري الحق في تقرير مصيره بنفسه، ولا يكون للأسد أي دور فلا حق لأي طرف من الأطراف المشاركة في جنيف 2 مهما كانت قوته، أن يجبر الشعب السوري الذي يمثله الائتلاف الوطني، أقول لا أحد يستطيع إجباره على قبول ما يجري الاتفاق عليه في المؤتمر، وإن مؤتمر جنيف 2 لا يقبل القسمة على اثنين: فإما أن يكون الشعب السوري وقواه الوطنية بمختلف انتماءاتها هو الممثل الحقيقي لشعبه وتكون له الكلمة العليا في المؤتمر، وإما أن يعترف الراعون للمؤتمر بأن المؤتمر فشل قبل أن يبدأ، وعليهم أن يرحلوا من حيث جاءوا! بعد ذلك تتحمل الأمم المتحدة النتائج المترتبة، على فشل المؤتمر لأن ذلك يعني بقاء الوضع على ما هو عليه، او تقسيم سوريا إلى دولتين والسفينة التي يقودها قبطانان تغرق في النهاية!

د. شمسان بن عبد الله المناعي