ماذا بعد تزوير الثورات العربية؟

لعله الوقت الأسود والحالي الذي تبدو فيه الإرادة العربية وهي في أضعف حالاتها. إنها القوة الغائبة المغلوبة على أمرها وسط بحران من الإرادات الأخرى، المتكالبة على بعضها، والدخيلة في معظمها بالنسبة لجغرافية الحدث المحلي مهما كانت نتائجه؛ هذه الإرادة العربية لم تعد صالحة للاشتغال والمبادرة في مجال الشأن العام. إنها مقهورة وتكاد تكون متوارية عن أية ساحة نشاط، سلمي أو حربي، بينما تعج الميادين بالأفراس الأغراب. هم «الآخرون» الذين هم الفاعلون وحدهم؛ وتلك هي إشارة العجز التي تُلصق بغير أسبابها الأصلية. فالأغراب هم المستوطنون الجدد والذين يمسحون كل علامات الماضي، كأنما لم توجد الأوطان ما قبل هجوم هؤلاء المحتلين الوافدين من أصقاع الأرض. وبذلك يكاد وطن المشرق يصير هو فلسطين الكبرى. يتحول إلى مجرد بلاد مفتوحة لشذاذ الآفاق من كل جنس ولون.
أرض العرب لا تجتذب إرهابيي العالم. الأمر عكسي، فهؤلاء الوافدون من جهاديين وأمثالهم. هم صناع الإرهاب، وهم الموردون للعقائد السحرية والطقسية والبدائية. ما يحدث لميادين المشرق أنها لم تفقد أعلامها القديمة من أجوائها فحسب، بل غدت أراضي مصحرة إنسانياً واجتماعياً، معدة فقط لتصير مقابر/لأهاليها.
مالم يخطر في تصور أحدٍ من عتاة المتشائمين بمستقبل الحرية في بلادنا هو أن يصبح الحراك الشعبي مقاداً بغير رجاله، وأن ينتهي هؤلاء الرجال إلى اتباع أو عملاء رمزيين للزاحفين المسيطرين. فقد بات تزوير الكفاح الوطني بنسخ شوهاء. مضادة لمعانيه، وغادرة بأهدافه مقدماً، صار هذا التزوير أشبه بأحدث اختراع دبلوماسي يحتال على الشعوب الصاعدة، مصطنعاً في الظاهر اندفاعاتها الثورية، من أجل تفريغها من داخلها، وحشوها بالسموم القاضية على حيويتها الأصلية.
ما ابْتليت به بوادرُ الثورات الربيعية هو استبدال جماهيرها العفوية الكبرى بالعُصابيات الإرهابية، الأمر الذي يضطر فيه القطاع الجماهيري الأصلي للانسحاب والتشتت. فهذا التدين الجهادي المرفوع الرايات هذه الأيام لا يعطل جماهيرية العمل الوطني فحسب، بل يحاول أن يعري جماعاته من هوياتها الثقافية وحتى المدنية. لا يكافح (العلمانية) كما يدعي، لا يعادي الديكتاتوريات، لا يبطل تخاريف الغيبيات من سطوتها على العقل الجمعي. إنه بالأحرى ينتزع المعارك الحدية من أرضيتها الواقعية في الزمان والمكان المحددين موضوعياً، ليجعل صراعاتها تناوش أشباحاً هائمة من التعويذات واللفظيات القدسية المكررة آلياً منذ عميق الدهور.
كأنما أريد للحركات الجهادية أن تسطو أولاً على القوى التغييرية الصاعدة بحجة تصويب نضالها. في حين تطرح هذه الجهاديات نفسها كبديل ضروري؛ لكنه على الصعيد العملي يعجز هذا البديل عن فهم طبيعة الصراع إلا بصورة تحريفية لمبادئه وتزوير لأسماء وقائعه، حتى تلك المادية والدموية الرهيبة. فإذا بالمحصلة تَحلّ كوارث جديدة على مجمل أبعاد الصراع التاريخي. ذلك أن تطويق الثورات الشعبية العفوية بمسوخ عن الثورات المضادة والدخيلة والمصطنعة، هذا النوع من الاختلاق للظواهر الاجتماعية الكبرى، لا يحدث نتيجة أخطاء فردية قيادية أو جمعية وحدها.. لكنه ينسج تحريفاً متمادياً وقصدياً، كأنه انكشاف لعطب في أصل الحراك التغبيري في جملته، بيد أن الأعجب في عمليات الاصطناع الكلية هذه، هو غياب الرقابة القاعدية عما يُقاد ويُفعل باسمها من قبل عناصر أوصلتها صُدفٌ عابرة إلى مقاليد الأمور العليا. فكيف يمكن مثلاً لصفوف من الشباب المندفع أصلاً في غضب عفوي ضد الطغيان، أن يوافق على مسالك الذبح والتهجير واغتصاب النساء..وقتل كل ( آخر). ما أبعد المسافة الأخلاقية ما بين ثورة من أجل الحرية والعدالة، ومذبحة همجية، علنية أو سرية. هذه الارتكابات الجنونية لا يبررها تصنيف بارد يريد حصرها بأشخاص أو مناسبات. لكن المفجع حقاً هو أن سلطة تزوير الثورات أمست قادرة على تأسيس عقيدة، ترسّخ صلاحتها «العقلانية» ؛ أي حتى تكاد تجعل من الثائر مجرد مجرم دموي فالت من كل عقال.
تزوير الثورات ليس مجرد تخطيط شيطاني إرادوي فحسب، من اختراع اعداء التغيير وحدهم، أو من حلفاء الطغيان وأتباعهم. إذ تتعدى ظاهرة التزوير هذه كلَّ تأويل ايديولوجي مسبق أو لاحق بالحدث الواقعي نفسه. فحين يتجاوز العصُر مرحلةَ الثورات العفوية، تصبح الحركات الشعبية معرضة لإضاعة هوياتها الوجودية والمطلبية معاً، وسط معمعان التكالب على السلطة. ذلك أن مصطلح (الثورة المضادة) لم يعد يفي بغرضه في إنارة التمييز الضروري بين أصول الأفعال الجماعية وأشباهها المضادة. فأهوال السنوات الأربع من الغضب العربي تكاد تتجاوز الثورات بمعناها العادي وأضدادها معها. أمسى الجيل الثائر يعيش مرحلة قصوى من تزوير مشاريعه. ليس من سرقة أفعاله البطولية، وإبدالها بفواجع المقتلات المتبادلة فحسب، بل يلقى نفسه محاصراً برهانات التخلي عن كل هدفية تاريخية وحداثية، والالتحاق فقط بمواكب القتلة والمقتولين. فالسنوات الأربع العجاف مما سُمّي بالمواسم الأولى الافتتاحية للربيع العربي، كانت حافلة بأصناف الهزائم على الصعيد الأخلاقي وليس الميداني وحده. وبالرغم من هذه المحصلة الكئيبة فالثورة لم تتخلّ عن شعبها. أبقت على نفسها حيةً من خلال ذاكرتها، لأنها الثورة التي اخترعتها حضارة الإنسان كأعلى وسيلة للحفاظ على وجودها، خاصة في أشد أوقاتها صعوبة واستحالة.
ولقد اندفع شباب العرب وراء شعارات الربيع أملاً في إنتاج عامل القوة الشعبية الكبرى لمواجهة قلاع الطغيان الجبارة. لكن فُرض على الثورة سريعاً أن يتعامل بعض أركانها مع ضرورات العنف الذي لن يكف عن تهديدها، وهو في حال انحياز تام إلى جانب اعدائها الطغاة. كأنما لا مندوحةَ عن العنف وفظائعه. لكن أخلاقية الثورة لا تزال تعاند هذه الحقيقة السوداء، تتأبّى كلَّ خضوع مستكين لقواعده. صحيح أنه لا مهرب من أفخاخ العنف، لكنه أي عنف إن لم يكن في جوهره هو عنف الحق والعدل معاً. فليس من ثورة شعبية حقيقية قادرة على الانسحاب تلقائياً من ميادين تحدياتها المجتمعية والإنسانية. حتى وإن كان عليها، للتبشير برسالتها الدهرية، أن تدأب على توظيف العنف نفسه في مصلحة القضاء على شروره.. هذه المهمة ليست إعجازية أو تعجيزية، كما لو أن العنف والشر وجهان لعملة واحدة. هذا ما يثبته غالباً سجل التاريخ، ولكن قد تكذّبه أحياناً نادرة في الوقت عينه فلسفة التاريخ. ذلك أن التاريخ ظل حياً مستمراً بعد كل كوارثه ونهاياته.
كمية الخيبات المتلاحقة مع كل لحظة من السنوات الأربع العجاف، مع طيشها الجنوني، لم تستطع أن تسدَّ منافذ النور جميعها، في هذه الجدران السوداء العالية التي تحاصر وعود العودة إلى عصر البراءة الوجودية. هذا العصر هو دائماً في انتظار دوره، لا يتنازل عنه وإن تأخرت مواكبهُ الرائدة، وهي منشغلة بإحصاء ملايين الضحايا من رعاياها الأبديين..
كلمة أخيرة : تزويرُ الثورات ليس اختراعاً أجنبياً، وإن استثمره الغربي إلى أقصى حد، وذلك خلال حقبات التحرر الوطني، الحافلة عادة بأشكال الطعن في ظهر كل وثبة انتصارية لحق مشروع. لكن يحدث أخيراً أن يبلغ التزوير أقصى كثافة له في انتشاره كوباء مرضي، يفترس براءة الظواهر الجماعية، يخرجها عن اخلاقيتها، يدمر رهاناتها السلمية. فكأن على الثورة في هذه الحالة أن تبرأ من نفسها، أن تتنصّل من ادعيائها؛ فماذا يتبقى من عنفوان التمرد، غير أن ينجو بقايا الثوار بأنفسهم، أن يضيئوا جبهة الثورة مجدداً، وأن يدعوا النسخ المشوهة تمزق أقنعتها، لتبرز حقائق الميادين الخلفية قبل الظاهرية أمام إنجازات الانتفاضة الجديدة الموعودة. هنالك إذن مسرحية رهيبة ركبت ظهر السنوات الأربع العجاف، بدأت باختطاف الثورة من سلميتها، ثم سارت بها إلى غابةٍ من بدائل الشعارات والمؤامرات، لكي تترعرع فروعٌ لا تنتهي من أحابيل الثورة المضادة، ثم عندما لم يتم الإجهاز نهائياً على جذور الشجرة الربيعية، حلت عمليات التزوير محل التحريفات السابقة. وإذا كانت الجهاديات هي الأقنعة المستحدثة للوجوه القديمة، فإن عصر التزوير قصير النفس. واللحظة الراهنة من كفاح الحرية هي المسؤولة، كما كانت دائماً، عن إثبات ذاكرة الأصول ضد كل الفروع المختلقة الكاذبة..

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

القدس العربي