المرصد السوري لحقوق الانسان

ماذا تعني قرارات «داعش» الأخيرة؟

مع اقتراب بداية العد التنازلي لتوجيه ضربات عسكرية ضده، أعلن تنظيم دولة داعش خلال الفترة الماضية اتخاذه بعض الخطوات والقرارات التي أثارت الكثير من التساؤلات عن مغزى ودلالة تلك القرارات، وهل تعني أن التنظيم أجرى مراجعات، أو أنه طرأ تغيير في تصوراته وقناعاته، أو هي إعادة لحساباته في ظل التطورات الحاصلة. كان من أبرز تلك الإجراءات ما نشرته مواقع مقربة من التنظيم الإرهابي عن صدور تعميم من اللجنة العامة في «الدولة الإسلامية» يمنع فيه عناصره من بث صور وتسجيلات مصورة لمشاهد الذبح وقطع رؤوس ضحاياه بالقنوات الإعلامية الرسمية للتنظيم أو تلك المقربة منها، أو بالحسابات والصفحات الشخصية لأتباعه إلا بإذن مسبق من اللجنة العامة، مهدداً بمتابعة ومحاسبة أي مخالفة لهذا القرار، وقد جاء هذا القرار بعد أن أثارت العديد من حوادث ومشاهد قطع الرؤوس سخطاً واستنفاراً عالمياً ضدها، ولاسيما بعد مشهد قطع رأس الصحافي الأميركي جيمس فولي، لذلك حينما انتشر بعدها بأيام معدودة مشهد قطع رأس الصحافي الأميركي الثاني ستيفن سوتلوف أعلن الحساب المسمى عيون الأمة، وهو أول حساب نشر ذلك المقطع، تقديم اعتذاره للدولة الإسلامية على نشره مقطعاً لم ينشر في الحساب الرسمي لمؤسسة الاعتصام الذراع الإعلامي لتنظيم الدولة الإسلامية، وكان ثاني تلك الإجراءات هو قرار دولة داعش باعتقال وحبس عدد من «أمرائه» الشرعيين وإعلان تبرؤه منهم، بحجة غلوهم في التكفير. كان من أبرزهم أبو عمر الكويتي وأبو مصعب التونسي وأبو جعفر الحطاب التونسي، الذين وصلت بهم الحال إلى تكفير زعيم القاعدة أيمن الظواهري وتكفير من لم يكفره.

 

 

هذه الإجراءات والخطوات المتسارعة التي بدأت باتخاذها دولة داعش لا يمكن أن تشير أو تدل على حدوث مراجعات أو تغير في قناعاتها، وإنما هي تشير وبكل وضوح إلى أبلغ صور وحالات البراغماتية الفجة والانتهازية السياسية، فتنظيم «داعش» هو تنظيم أبلغ ما يمكن إطلاقه عليه بأنه هو تنظيم «المتوحشين» في السلفية الجهادية، وهذه الصفة ليست نقيصة أو معيبة في منظوره، فهو يعتمد وبصورة رئيسة على إستراتيجية ممارسة التوحش والرعب والذبح وجز الرؤوس بشكل ممنهج، ونشر تلك الصور والمشاهد المروعة في الملأ والتفاخر بها، من أجل تحقيق المكاسب والهيمنة الميدانية، واستثمارها في تحقيق هزيمة معنوية ضد الخصوم، فهي ليست مجرد عمل ظرفي تقتضيه تطورات ساحة القتال، وكذلك أيضاً فإن «داعش» الذي يحارب من لا يبايع خليفته ويعتبره كافراً مرتداً، ويسلط سيف التكفير والردة على من يخرج عن تصوراته، هو لا يهتم ولا يكترث لتأسيس تنظير شرعي لقضايا التكفير وغيرها، ولا يرى إليها حاجة في تحركاته ألا فيما يخدم مصالحه، وكل ما صدر من كتب ورؤى شرعية تمثل منهج التنظيم فما هي إلا كتب وتنظيرات تبريرية تشرعن لكل ما يتوافق مع أغراضه ودوافعه في صورة تعبر عن كونها ليست إلا مجرد عصابة يقودها بعض المرتزقة، فالمتحدث باسم الدولة العدناني الذي قال إن دولته لا تكفر المسلمين ولا تقتل إلا الكافر المحارب هو من قال في إعلان دولة الخلافة: «من أراد شق الصف، فافلقوا رأسه بالرصاص، وأخرجوا ما فيه، كائناً من كان ولا كرامة» ومن قبلُ أصدرت «الهيئة الشرعية» للدولة الإسلامية بياناً مطولاً بالحكم على قادة الجبهة الإسلامية زهران علوش وحسان عبود وأبو عيسى الشيخ بأنهم مرتدّون عن الإسلام ولم يكتفِ البيان بالحكم بردة وكفر «قادة الجبهة»، بل أطلق حكم الردّة على جميع أتباع الجبهة ومقاتليها الذين يبلغون الآلاف، أي أن صورة القتال الدائر بينها وبين الجبهات الأخرى من وجهة نظر «داعش» هو ليس قتالاً من قبيل «الفتنة»، وإنما هو «حرب ضد المرتدين»، فضلاً عن تكفيرها للائتلاف وهيئة الأركان، ولذلك ليس بجديد القول أن «داعش» قام على ممارسة إطلاق أحكام التكفير والردة على كل من خالف أو كان على غير طريقته وتوظيف ذلك التكفير؛ لإكساب الشرعية وتجنيد المقاتلين.

 

 

إن تنظيم دولة داعش حينما بدأ يشعر بشكل جاد أن النار باتت قريبة، ها هو يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال تلك الإجراءات والخطوات من أجل كسب المزيد من ود الحاضنة الشعبية وتعاطفها، وأهمية تحييد الشارع الذي تعيش فيه، كي لا يتعاون أو يقبل بالتحالف العالمي الذي يجري إنشاؤه؛ لمحاربة وضرب معاقل التنظيم في كل من العراق وسورية، وكما يقال فإن العصابات والمليشيات التي تخوض الحروب هي مثل السمكة في الماء، وهو ما يعني أنه من الضروري أن تكون لها حاضنة شعبية قادرة على دعمها وإلا يصعب عليها البقاء، فالظروف الراهنة تستدعي من جهتها تخفيف حدة العنف الممارس من ناحية نشر صور ومقاطع القتل والذبح في شبكة الإنترنت ومن وتخفيف نبرة أحكام التكفير والردة؛ للتقليل من حال السخط والغضب العالمي من هذه الممارسات الوحشية وكسب المزيد من التعاطف والمؤيدين في البيئة التي يكون فيها، فـ«داعش» يرى أن الضربات الجوية يجب أن تدفع المجاهدين إلى التوحد ضد أعدائهم، وهو ما يعني أنه في الأيام المقبلة قد يُقدم على المزيد من الخطوات من أجل تحقيق كسب ود الحاضنة الشعبية، وأن يكون لتلك الخطوات دور في تجنيد وضم المزيد من المقاتلين إلى صفوفه.

 

حسن بن سالم

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول