ماذا حدث في موسكو؟

44
وصل إلى موسكو في وقت متقارب من نهاية الأسبوع الماضي وفدان من المعارضة السورية، كان أولهما وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والثاني وفد لجنة مؤتمر القاهرة للحل السياسي، وقد ضم الأخير كسابقه حشدًا من قوى المعارضة أغلبه لا ينتمي للائتلاف، وإن كان بين الاثنين رابط من قوى موجودة في الطرفين المعارضين.
الحدث بحد ذاته، كان تطورًا مهمًا في علاقة روسيا مع المعارضة السورية، وفي تعامل الأخيرة مع الموقف الروسي. فمن الجانب الروسي، دأبت موسكو على اعتبار المعارضة البعيدة عن النظام، معارضة إرهابية ومتطرفة ومرتبطة بالأجندات الخارجية، وهذه المقاييس لم تكن بعيدة كثيرًا عن نظرتها للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، رغم أنه حاز أغلبية دولية بوصفه ممثلاً شرعيًا للشعب السوري، وتقارب هذه النظرة الروسية للائتلاف نظرتها إلى بعض القوى المشاركة في مؤتمر القاهرة، وهو أمر حدا بالقيادة الروسية في السنوات الماضية إلى التعامل مع قوى «معارضة» سورية مقربة من النظام، أو منظمة بمعرفته.
أما المعارضة السورية، فقد نظرت إلى روسيا باعتبارها الحامي الرئيسي لنظام الأسد، والداعم الأول له في المستويين السياسي والعسكري، حيث استخدمت موسكو الفيتو أربع مرات في مجلس الأمن الدولي لمنع إدانة نظام الأسد وسياساته، وقدمت له السلاح والذخيرة، التي استخدمت في قتل الشعب السوري وتدمير بلده، فكان افتراق المعارضة عن موسكو بديهيًا، وأقله الحذر والريبة في التعامل معها ومع طروحاتها في الموضوع السوري.
غير أن تباعد موسكو والمعارضة السورية، صار عرضة للتبدل في الأشهر القليلة الماضية بفعل ثلاثة من العوامل: أولها، التغييرات الميدانية الحاصلة في الداخل السوري لجهة تقهقر النظام وتصاعد أزمته الذاتية وعلاقاته. والثاني، طبيعة التطورات الإقليمية والدولية في الموقف من القضية السورية في ضوء الاتفاق النووي الإيراني واجتماعات الدوحة والتفاهمات الأميركية – الروسية، والروسية – السعودية، والتفاهمات الأميركية – التركية. والعامل الثالث، يتصل بموقف المعارضة السورية، خصوصًا فيما يتعلق بموضوعي الحرب على الإرهاب والحل السياسي، وكلها مهدت لدعوة موسكو المعارضة السورية للتباحث معها في المستوى الأعلى للدبلوماسية الروسية بحضور وزير الخارجية لافروف ونائبه بغدانوف وفريقه المعني بالملف السوري.
وبطبيعة الحال، فقد عرضت الدبلوماسية الروسية في اجتماعاتها، التي تمت على مرحلتين مع الوفدين – كل على حدة – واحدة مع بغدانوف وفريقه وأخرى مع لافروف، موقف القيادة الروسية وتحليلاتها حول القضية السورية، وما ينبغي فعله في التعامل مع الواقع، وكيف يكون مستقبل سوريا، وكله لم يعكس تغييرًا جوهريًا في الموقف الروسي الذي ركز كثيرًا على مكافحة الإرهاب باعتباره مهمة رئيسية في سوريا.
ورغم أن المعارضة السورية، ذهبت بوفدين منفصلين إلى موسكو، لم يلتقيا هناك، فقد حملت أجندة واحدة أساسها، أن المعارضة ضد الإرهاب، وأنها مع الحل السياسي، وأوضح ممثلو المعارضة أمام المستضيفين الروس، ولو بتعابير مختلفة قليلاً، أن السوريين انخرطوا عمليًا في الحرب ضد الإرهاب وإرهاب المتطرفين، خصوصًا «داعش» قبل قيام التحالف الدولي ضد الإرهاب، وأنهم قبلوا المرجعية الدولية للحل السياسي في سوريا ممثلة ببيان جنيف 1 لعام 2012، التي ذهبوا على أساسها إلى جنيف 2.
ومقابل نقاط الاتفاق في لقاء المعارضة السورية مع القيادة الروسية، برزت نقطة الافتراق بينهما، وهي مصير الأسد، حيث يرى الروس، أن وجوده ضمان للحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، فيما طرح ممثلو المعارضة، أنهم مع الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، وأن الطريق إلى هذا الهدف، يبدأ من إطلاق حل سياسي، يتم في إطاره تشكيل هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات؛ مما يجعل الأسد لا مكان له في مستقبل سوريا.
وسط التوافقات والتعارضات في موقف كل من روسيا والمعارضة السورية، تم فتح بوابة لعلاقات جديدة بين الطرفين. الروس من جانبهم، سوف يسعون إلى التأثير على موقف المعارضة لجعلها أقرب لمواقف موسكو ورؤيتها، والمعارضة سوف تعمل بالمقابل من أجل تغيير الموقف الروسي، ليصير أقرب إلى موقفها، وكلاهما أمر طبيعي.
وسط تلك المهمة المزدوجة، لا بد للمعارضة السورية من السعي لدى موسكو، وحضها لتوليد آليات عملية لخلق هيئة حكم انتقالي تمهد لحل القضية السورية، لأن الحل وحده هو الذي سيذهب بالسوريين إلى الحرب على الإرهاب، ليس من مبدأ تعارضهم مع الإرهاب وإرهاب «داعش» فقط، بل لأن ذلك سيمكنهم من إعادة بناء بلدهم، التي دمرها إرهاب النظام والمتطرفين بصورة مشتركة.
فايز سارة 
صحيفة الشرق الاوسط السعودية