ما الذي يحدث في الجبهة الجنوبية من سوريا؟

26

تفيد الأخبار الميدانية القادمة من جنوب سوريا أن عماد القوات التي تقاتل دفاعاً عن نظام دمشق الكيماوي يتشكل من حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني ومن مرتزقة أفغان، بقيادة مباشرة من ضباط إيرانيين على رأسهم، كما يتردد، الجنرال قاسم سليماني الغني عن التعريف.
بصرف النظر عن مرور سنوات على الانخراط الإيراني المباشر، كما بواسطة أتباعه اللبنانيين والعراقيين وغيرهم، في الحرب الداخلية السورية، ينطوي الهجوم الإيراني الأخير على الفصائل السورية المتمردة، قريباً من الحدود الإسرائيلية، على دلالات نوعية جديدة، لا يمكن فصلها عن الهجوم الذي نفذته طائرات حربية إسرائيلية، الشهر الماضي، على موكب لعناصر قيادية من حزب الله بقيادة جنرال إيراني، قتلوا فيها جميعاً. فبهذه العملية الاستخبارية البالغة الدقة، سعت إسرائيل إلى وضع خط أحمر لحزب الله في المنطقة المتاخمة لحدودها مع سوريا حيث الغياب شبه الكامل لجيش النظام الكيماوي. الحزب الذي صدمته هذه الطعنة في الظهر، فيما هو منهمك في حربه السورية، لم ينجر إلى ردة فعل غير محسوبة، بل استغرق منه الحساب الدقيق بعض الوقت، ثم رد في شبعا ـ لا في القنيطرة- في عملية لا تتجاوز رد الاعتبار أمام جمهوره الطائفي. ولم يخرق الخط الأحمر الجديد الذي رسمته له إسرائيل في رسالتها القاسية.
تتحدث بعض التحليلات الوجيهة عن هدف إسرائيلي آخر من عملية القنيطرة، يتمثل في التخريب على الدفء الطارئ على العلاقات الإيرانية- الأمريكية بمناسبة المفاوضات على الملف النووي الإيراني. تقع في السياق هذا الدعوة التي تلقاها بنيامين نتانياهو لإلقاء كلمة أمام الكونغرس من نواب جمهوريين غير متحمسين لاندفاعة أوباما الجامحة نحو تطبيع العلاقات مع طهران. ومعروف أن هذه الدعوة التي جرت من وراء ظهر الإدارة قد أثارت استياء الرئيس الأمريكي.
صحيح أن حسن نصر الله الذي خرج من صمته بعد رد قواته على عملية القنيطرة بعملية شبعا، رفض ما أسماه «تغيير قواعد الاشتباك» الذي سعت إسرائيل إلى فرضه على حزبه في الجولان، وأعلن حقه في الرد على إسرائيل «في أي مكان وزمان»، لكن عملية شبعا قالت خلاف ذلك، فأخبرتنا أن الحزب ملتزم بالخط الأحمر الإسرائيلي في جنوب سوريا.
وكشفت العملية الإسرائيلية في القنيطرة عن أمر آخر هو اتصال إيران بالإدارة الأمريكية بشأن «حق حزب الله في الرد على إسرائيل» كما أعلن وزير الخارجية الإيراني رسمياً.
أما ما لم يعلن عنه من فحوى التواصل الإيراني ـ الأمريكي هذا، فيمكننا تخمينه بغير صعوبة: وهو أن وجود حزب الله ـ الإيراني في جنوب سوريا ليس موجهاً ضد إسرائيل، بل ضد المجموعات المسلحة المناهضة لنظام دمشق الكيماوي المنتشرة في تلك المنطقة. إذا كان هذا التبرير مقنعاً لواشنطن، فهو ليس كذلك في نظر إسرائيل المهجوسة بـ»أمن حدودها الشمالية».
ثم كانت تلك العملية الوحشية التي أعدمت فيها داعش الطيار الأردني الأسير لديها معاذ الكساسبة. فاندفعت القيادة الأردنية إلى ردة الفعل الانتقامية بإعدام اثنين من إرهابيي منظمة القاعدة الموجودين في السجون الأردنية، وبتكثيف الغارات الجوية الأردنية على مناطق سيطرة داعش في شمال شرق سوريا، مدينة الرقة خصوصاً. ولكن بعد تجاوزه فورة الغضب الأولية، أخذ الأردن يطرح مع حلفائه، واشنطن والعواصم الاقليمية الحليفة، خيارات أكثر جدية من مجرد ردات فعل انتقامية موجهة إلى الرأي العام المحلي. من ذلك ما يقال عن دراسة خيار التدخل العسكري البري الغائب، إلى الآن، عن الحرب الدولية الجوية على داعش. فإذا كان للتحالف الدولي، في العراق، شركاء محليون جاهزون لقتال رجال البغدادي على الأرض من قوات كردية وشيعية وجيش عراقي تابع للحكومة المركزية، ولملء الفراغ الذي من المفترض أن يتركه التنظيم حيثما اندحر، فليس في سوريا، إلى الآن، هذا البديل. وتبدو الخطة الأمريكية المعلنة لتدريب خمسة آلاف من «مقاتلي المعارضة المعتدلين» بعيدة عن تحقيق نتائج سريعة للرد على التحديات التي تطرحها داعش على العالم كل حين.
وهكذا يصبح منطقياً طرح خيار التدخل العسكري البري لملاحقة عناصر داعش والمنظمات الجهادية الأخرى التي أصبحت قريبة من الحدود الأردنية (جبهة النصرة بصورة خاصة). هذا ما يمكن استنتاجه من «مقالات رأي» في الصحف دعت بصراحة إلى توغل عسكري أردني في عمق الأراضي السورية.
ربما هذا الاحتمال هو ما أثار فزع النظام الكيماوي وولاته في طهران، فسارعوا إلى شن ما أسموه «معركة الحسم».
نلاحظ، بالمقابل، أن الخلاف الأمريكي ـ التركي حول سوريا، ما زال يمنع القيادة التركية من أحلام التدخل الفعال، على رغم شعورها بالخطر الكردي، بعد تحرير كوباني من قوات داعش على يد قوات حماية الشعب الموالية لأوجلان. وإذا كان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر قد دعا، في مقالة صحافية، بصراحة، إلى إطلاق يد الجيش التركي ليقوم بغزو بري داخل الأراضي السورية «لاقتلاع كل من داعش ونظام الأسد» فهذا ما يمكن تصنيفه في إطار ضغوط الحزب الجمهوري على الإدارة الديمقراطية استعداداً للجولة المقبلة من التنافس بين الحزبين في الانتخابات الرئاسية، أكثر من كونها اقتراحاً يؤمن صاحبه بجدواه العملية.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

المصدر : القدس العربي