ما السبيل لعملية انتقالية في سوريا؟

38

بات البيان الصادر عن مجموعة العمل الدوليّة من أجل سوريا في 30 حزيران 2012 مرجعيّة تصرّ على الالتزام بها جميع الدول المعنيّة بالصراع القائم لأيّ مفاوضات مقبلة لحلّ سياسيّ. جميع الدول مع استثناء واحد هو إيران، بسبب رفض مشاركتها حينها في الاجتماع وفي صياغة هذا البيان، فأطلقت فيما بعد مبادرتها الخاصّة. في المقابل، أقرّت السلطة السوريّة مرجعيّة البيان عندما قبلت بالمشاركة في مفاوضات «جنيف 2» أو في جولتي موسكو. والأكثر مطالبةً بهذه المرجعيّة اليوم هي أطياف المعارضة السياسيّة، بعدما كانت قد رفضت الإشارة إليها بتاتاً في الوثائق الأساسيّة التي صدرت عنها بعد ذلك بيومين، في مؤتمرها في القاهرة في 2 تموز، عندها أصرّ «المجلس الوطنيّ» كما «هيئة التنسيق» على هذا الرفض.
وفي الحقيقة، لم يصبح هذا البيان مرجعيّة دوليّة إلاّ عندما تمّت الإشارة إليه في القرار 2118 لمجلس الأمن في 27 أيلول 2013 الخاصّ بنزع الأسلحة الكيميائيّة في سوريا، الذي «أيّد تأييداً تامّاً» (هذا البيان) والذي «دعا إلى القيام، في أبكر وقت ممكن، بعقد مؤتمر دولي من أجل تنفيذ هذا البيان»، مع دعوة جميع الأطراف السوريّة إلى المشاركة فيه بجديّة وعلى نحوٍ بنّاء، والتشديد على «ضرورة أن تمثّل هذه الأطراف شعب سوريا تمثيلاً كاملاً، وأن تلتزم ببيان جنيف وبتحقيق الاستقرار والمصالحة».
هذا التمثيل الكامل لم تتمّ مراعاته في جولات المفاوضات التي عقدت في مونترو في كانون الثاني وشباط 2014، والتي تعثّرت من جرّاء تفسير منقوص لنصّ البيان. لقد تمّ تغافل ما يخصّ المبادئ والخطوط التوجيهيّة للعمليّة الانتقاليّة التي يجب أن «تتيح منظوراً مستقبلياً يمكن أن يتشاطره الجميع، يمكن أن تنفَّذ في جو يكفل السلامة للجميع ويتسم بالاستقرار والهدوء، يمكن بلوغها بسرعة، من دون مزيد من إراقة الدماء، وتكون ذات مصداقية».
كذلك تعثّرت بسبب تفسير الفقرة المتعلقّة بجسم الحكم الانتقالي بعيداً عن النصّ. إذ كان البيان قد أشار حرفياً على «إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضمّ أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تُشكّل على أساس الموافقة المتبادلة». ما يعني أنّه لم يشترط أن تشارك المعارضة والحــكومة الحالية في هذا الجسم، بل موافقــتهما المــتبادلة، في حين اشترط أن تستطيع هيئة الحكم المعنيّة أن تهيّئ بيئة محايدة.
السؤال الجوهريّ اليوم هو عن طبيعة جسم الحكم الانتقالي الذي قد يخلق بيئة محايدة، مع وجوب استمراريّة الدولة ومؤسساتها، وضرورة أخذ المستجدّات منذ 2012 بعين الاعتبار: خاصّة انقسام المعارضة السياسيّة بشكلٍ حادّ ونهاية وهم «الممثل الشرعي» ـ وحيداً كان أم لا ـ للشعب، وابتعادها عن المعارضة المسلّحة، وبروز التنظيمات المتطرّفة، خاصّة «داعش» و «النصرة»، وسيطرتها على جزء من الأرض السوريّة.
لا يمكن اليوم خلق بيئة محايدة من دون توافق إقليميّ دوليّ جديد، يتضمّن إيران والسعودية وتركيا خاصّة، يعمل على إيقاف صراعها عبر السوريين، ويوجّه جميع الجهود لإيقاف تمدّد «داعش»، المستفيد الوحيد من استمرار هذا الصراع. كما لا يُمكن لهذه البيئة أن تكون من دون التوصّل إلى تعريف توافقيّ للإرهاب، الذي لم يذكره بيان جنيف، يتضمّن إرهاب التنظيمات المتطرّفة كما إرهاب الدول، بما فيها السلطة السوريّة وقصفها للمدنيين بالبراميل. كذلك لا بدّ من توضيح مفهوم الحياديّة نسبة لما تشهده سوريا من شرذمة في المواقف والتــطوّرات المــيدانيّة، عرباً وكرداً، وضمن كلّ المكوّنات العرقيّة والدينيّة والطائفيّة، بل والسياسيّة.
وربّما يكمُن هنا مضمون المشاورات التي أطلقها المبعوث الأمميّ ستيفان دي ميستورا وفريقه، بغية إعداد تقريره للأمين العام. فما الذي يضمن خلق بيئة حياديّة في صراعٍ لم يعد فقط صراع سلطة ومعارضة، بل أضحى متعدّد الأطراف سياسيّاً وعسكريّاً ومدنيّاً؟ وكيف السبيل لإيجاد أسس وآليّات لتطبيق بيان جنيف اليوم؟سفير

 

سمير العيطة

السفير