ما بعد معركة تل أبيض… حسابات كردية وتركية معقّدة

22

انتهت معركة تل أبيض سريعاً وعلى نحو مفاجئ، إذ ان الجميع كان يتوقع ان «داعش» سيقاوم بشراسة وحتى النهاية في الدفاع عن المدينة، نظراً لأهميتها الإستراتيجية للتنظيم وكذلك لتداعيات خسارتها على بقية المناطق التي يسيطر عليها. فالمدينة التي تقع على بعد مئة كليومتر من مركز محافظة الرقة عاصمة داعش، وتتصل شرقاً بمدينة رأس العين التي تشكل جسراً لمحافظة الحسكة والمناطق الكردية المفتوحة على إقليم كردستان العراق، وتربط غرباً محافظة حلب بمحافظتي الحسكة والرقة… كانت تشكل بوابة استراتيجية للتنظيم مع تركيا، حيث تقول التقارير ان معظم المقاتلين القادمين عبر تركيا للالتحاق بالتنظيم في محافظتي الرقة ودير الزور كانوا يستخدمون منطقة تل ابيض معبراً للدخول، مع الإشارة إلى طول الحدود الإدارية لمناطق تل أبيض مع تركيا هي بحدود 70 كليومتراً، كما ان المعبر يشكل بوابة اقتصادية لـ «داعش» الذي يتحكم بطرق التجارة ونقل البضائع وتهريب النفط وفرض الضرائب. ولعل ما كان يدل على أهمية تل أبيض لـ «داعش» منذ سيطرته على المدينة قبل نحو عام، هو فرضه طوقاً أمنياً محكماً على المناطق الشرقية والغربية للمدينة بغية قطع التواصل أمام الوحدات الكردية والقوى المتعاونة معها من «غرفة بركان الفرات» التي تضم مجموعة من فصائل الجيش الحر والتي قاتلت إلى جانب الوحدات الكردية في كوباني. كما ان التنظيم اعد تحصينات دفاعية وحفر أنفاقاً وخنادق وفخخ العديد من المساحات للحؤول دون خسارتها مستقبلاً. ولكن على رغم كل ذلك، خسر التنظيم هذا المعقل المهم وفي شكل فاجأ الجميع بما في ذلك القوى المهاجمة التي دخلت المدينة. وعليه يمكن القول ان الدرس الذي ينبغي استخلاصه من معركة تل ابيض هو ان تنظيم «داعش» بقدر ما هو قوي في الهجوم من خلال الكثافة النارية والسيارات المفخخة بقدر ما هو فاشل ولديه ثغرات في الدفاع.

احتلت معركة تل ابيض مكانة كبيرة لدى الأكراد، ودليل ذلك الاستعدادات الكبيرة والمسبقة لوحدات حماية الشعب، وكذلك طريقة الهجوم من الشرق (رأس العين) ومن الغرب (كوباني)، إذ كان الأكراد يرون ان بقاء المدينة تحت سيطرة داعش يعني ان المناطق الكردية أو ما يعرف بالكانتوتات الثلاثة (الجزيرة – كوباني – عفرين) ستبقى مقطوعة الأوصال ولا يمكن الانتقال عبرها كردياً، بل ان الرؤية الكردية تتجاوز الانتقال إلى قضية جوهرية تتعلق بصلب الدفاع عن المناطق الكردية شرقاً وغرباً، حيث من المعروف ان الهجمات التي نظّمها «داعش» ضد المناطق الغربية من محافظة الحسكة، خصوصاً رأس العين نفذها عناصر التنظيم المهاجمة من ريف تل ابيض المؤلف من قرابة 400 قرية وبلدة، والأمر نفسه ينطبق غرباً على كوباني، وعليه كانت في صلب الإستراتيجية الكردية إزالة هذا العنصر الأمني المهدد لعمق المناطق الكردية، ولعل ما جرى يزيد من ثقة الأكراد بقدراتهم، وربما التفكير بربط هذه المناطق بمنطقة عفرين في أقصى الشمال، كي يصبح الشريط الحدودي السوري مع تركيا بمعظمه مترابطاً في شكل قطعة جغرافية واحدة تحت سيطرتهم. ولعل ما يشجعهم على هذا الأمر الحماية الجوية للتحالف الدولي، لاسيما الأميركي. وذلك يؤجج المخاوف التركية من إقامة إقليم كردي في شمال سورية على غرار إقليم كردستان العراق، يتمتع بمواصفات البقاء ويمتلك عناصر الديمومة، وهو ما يزيد من القناعة بأن مقدمات إقامة دولة كردية في المنطقة باتت ترسم ملامحها على وقع الرغبة المعلنة لإقليم كردستان العراق في نيل الاستقلال، والصعود الكردي في تركيا في مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية.

 

حسابات تركيا

مع الغياب العسكري للنظام السوري عن منطقة تل ابيض تبدو تركيا معنية أكثر من غيرها بما جرى هناك، لا لأن المنطقة حدودية على غرار المناطق الأخرى كما في محافظتي حلب وإدلب حيث معارك عنيفة بين الجماعات المتقاتلة، وإنما لوجود العنصر الكردي المتمثل بحزب العمال الكردستاني وفرعه السوري (حزب الاتحاد الديموقراطي) والوحدات المقاتلة التابعة له، فتركيا ترى ان سيطرة الأكراد على هذه المنطقة ستنعكس على قضيتها الكردية في الداخل في هذا التوقيت، ولاسيما بعد الصعود الكردي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وتفجر المارد القومي الكردي من قمقمه وتحول دياربكر (آمد) إلى مركز إشعاع قومي كردي يتطلع إلى شكل من اشكال الحكم المحلي. وعليه ما ان حررت وحدات حماية الشعب تل ابيض من سيطرة «داعش» حتى خرج رجب طيب أردوغان ليقول: لن نسمح بسيطرة الحزب الكردي على المنطقة الحدودية، وانهالت الاتهامات للأكراد بتطهير عرقي ضد العرب والتركمان، مع انه من الطبيعي في حالات الحروب والمعارك هروب اعداد من السكان خوفاً من القتل، لكن اللافت ان معظم هذه الاتهامات جاء من تركيا، بما في ذلك من الائتلاف الوطني السوري الذي أصدر بياناً بهذا الخصوص، مع أنه لا دليل على ارتكاب أعمال تطهير عرقي في تل ابيض فبدت الاتهامات كأنها صدى لتصريحات أردوغان.

في كل الأحوال، ما جرى في تل أبيض ستكون له تداعيات على تركيا وسياستها الكردية في المرحلة المقبلة، فتركيا باتت جارة لدولة كردية تمتد من الحدود مع ايران والعراق إلى اقصى شمال غربي سورية على المتوسط، وهي أمام الصعود الكردي هذا ترى ان الخلاف بينها وبين حليفتها التاريخية الولايات المتحدة في ازدياد ولاسيما في ظل التقارير الأميركية التي تحدثت عن احتمال نقل قاعدة انجرليك من تركيا إلى إقليم كردستان العراق، بل حتى الحديث عن إمكان اخراج تركيا من الحلف الأطلسي بعد ان باتت لها أجندة خاصة تتعارض مع أجندة الحلف، كما ذهب كُتّاب في الصحف الأميركية وحتى التركية. في المحصلة ما جرى في تل ابيض انتكاسة ثانية لـ «داعش» بعد انتكاسة كوباني، ومع تحقُّق التواصل الجغرافي بين هذه المناطق كردياً تحتل القضية الكردية مساحة أوسع على طاولة القضايا المتفجرة في المنطقة، فيما تزداد محنة تركيا في شأن كيفية التعاطي مع هذا الصعود الكردي.

 

 

الحياة