ما دلالة «المعارضة» في سوريا اليوم؟

في مناخ الحالة التي وصلت إليها سوريا، يطرح مفهوم «المعارضة» إشكاليّات عديدة. مثله في ذلك مثل مفاهيم أخرى، على شاكلة «أغلبيّة» و «أقليّة» و «ثورة».
قبل الانتفاضة الشعبيّة في 2011، لم يكن لهذا المفهوم دلالات كبيرة. كانت هناك شخصيّات اعتباريّة وتنظيمات سياسيّة تناهض السلطة القائمة، سميت بمسميّاتها. وتجمّعت في بعض الظروف ضمن أجسامٍ حملت مفاهيم «الوطنيّة» و «الديموقراطيّة». إنّ الحراك الذي جرى خلال «ربيع دمشق» تبلور من خلال «إحياء المجتمع المدني»، ربّما انطلاقاً من نظرة المواجهة من أجل الحريّات كانت حينها بين المجتمع برمّته وبين سلطة مغلقة، هيمنت وسخّرت الدولة وأدواتها لضمان استمراريّتها وتوريثها في عائلة. وكان المطلب الواسع هو ضمان حريّات الرأي والتنظيم المدنيّ والسياسيّ.
الكثير من «المناهضين» للسلطة، الذين قبع العديد منهم سنين طويلة في السجون، لم يكونوا يرون في حزب «البعث» بحدّ ذاته حزباً حاكماّ، تستوجب «معارضته»، وإنّما أداة تستخدمها السلطة لحشد الولاءات الشعبيّة على المستوى المحلّي، وينبغي نزع وظيفتها السلطويّة عبر فتح أبواب الحريّات داخلها. بعض «المناهضين» انخرطوا في محاولات لإصلاح ذلك الحزب وفرز تيّاراته، على أساس أنّه احتوى في النهاية كلّ التيارات الفكريّة المتواجدة في الطيف السوريّ، بما فيها «الإسلام السياسي».
لكنّ «مناهضة» الاستبداد جمعت بين شخصيّات وتيارات شديدة التناقض في خلفيّاتها، قبيل الانتفاضة الشعبيّة وبعدها. تيارات شبابيّة تعكس أغلبيّة المجتمع اليوم مع تنظيمات سياسيّة تتبع إيديولوجيات تنتمي إلى عصرٍ آخر. وأحزابٌ عاشت طويلاً في عزلة مع أخرى تحالفت مع نظام الاستبداد في العراق خلال صراع 1979-1982. وشخصيّات وطنيّة تسعى للحريّات مع أخرى لمجرّد أنّ مصالحها تصادمت مع مصالح أجهزة السلطة. وقوى تؤمِن أنّ التداول على السلطة لا يُمكن أن يصلُح إلاّ عبر مسارٍ داخليّ شاقّ مع أخرى لا ترى إمكانيّةً له إلاّ عبر الضغط، بل التدخّل الخارجيّ.
لم تكُن تلك «المعارضة» هي التي أطلقت الانتفاضة الشعبيّة في 2011، وإنّما فئات من المجتمع، لأسبابٍ كثيرة منها المحليّة ومنها الوطنيّة الشاملة. وسرعان ما واجهت التناقضات الكامنة جهود إنشاء تجمّعات سياسيّة لمحاولة تأطير الغضب الشعبيّ في مواجهة الحلّ الأمنيّ الذي تبنّته السلطة. وبدل أن تتشكّل أوسع قاعدة سياسيّة وشعبيّة لدعم الانتفاضة، توسّع شرخٌ عميقٌ بين الأطياف المناهضة للسلطة لطالما وصفته وسائل الإعلام بانقسامٍ بين «معارضة الداخل» و «معارضة الخارج». لكنّ من الواضح أنّ هذه وتلك فشلتا. الأولى فشلت في تأطير الحراك الشعبيّ وحتّى اللحاق به، لتكون قوّة «معارضة» وازنة. والثانية فشلت في الحفاظ على الاستقلاليّة أمام التلاعبات والتدخّلات الخارجيّة، مع الطموح بالحلول مكان السلطة بفضل تدخّلٍ عسكريّ أجنبيّ على شاكلة ما حصل في ليبيا حينها.
وفي الحقيقة، لم تأخذ «المعارضة» معنىً سياسيّاً سوى عندما توافقت على عهدٍ وطنيّ وبرنامجٍ مشترك للتغيير في صيف 2012؛ ولأيّام قليلة قبل أن يُنزع المشروع الوطنيّ من يدها ويتحوّل الصراع تدريجيّاً إلى حرب أهليّة. إنّ مفهوم المعارضة بالمعنى السياسيّ يعني حمل مشروعٍ للمواطنين ولأطياف المجتمع كافة، لا أجزاء منه، حتّى للمكوّنات التي أخذت موقفاً حياديّاً من النزاع القائم لأسبابها الخاصّة، كما بعض الحركات السياسية الكرديّة. بل أيضاً، وخاصّة، لتلك الخائفة من التغيير إذا لم يضمن وجودها أو حقوقها.
أضف أنّ «المعارضة» دخلت في سجالات عقيمة حول من هو الثوريّ والحقيقيّ بينها، أقل ما يمكن وصفها به أنّها كانت بعيدة عن الديموقراطيّة، وتمارس تخوين الآخر لمجرّد الاختلاف بالرأي.
في المراحل التالية من الصراع في سوريا، تعدّى استعمال مفهوم «المعارضة» مضمونه باستخدامه في غير مكانه. مثال ذلك القول بأنّ «المعارضة» سيطرت على هذه البلدة أو تلك، ليشمل التعبير أحياناً قوى متطرّفة لا يُمكن وضعها في خانة معارضة في وطنٍ واحدٍ يشمل جميع المواطنين. كما ترسّخ مثل ذلك الاستخدام في الوثائق الدولية التي تتحدّث عن تفاوضٍ وجسم حكم انتقالي بين «الحكومة» و «المعارضة». في حين ليس دقيقاً أنّ «الحكومة» السوريّة هي التي تحكُم حقّاً. وأنّ «المعارضة» قُسِّمت بين خارجيّة وداخليّة، وبين سياسية وعسكريّة، وبين «معتدلة» ومتطرّفة.
هكذا يجد ممثّل «الحكومة» فرصة لأن يهزأ في أي جلسة تفاوضيّة دوليّة بأنّ «المعارضة» معارضات، في مشهدٍ دلالته الأساسيّة أنّ موظّفاً مفترضاً لدى الشعب السوريّ، وليس لدى السلطة، فقد القدرة على التفاعل مع جزءٍ كبيرٍ من مجتمعه. حتّى ذلك الذي يعيش في ظلّ السلطة نفسها، ولا تتعدّى مطالبه سوى وقف الحرب وبعض الإنسانيّة.
التفاوض السياسي لا يستقيم بين «حكومة» و «معارضة» تأسّستا كلتاهما على سرياليّة في استخدام المفاهيم، وتستمدّ كلٌّ منهما قوّتها من دعم قوّة أو قوى خارجيّة لها. هذه السرياليّة هي التي جعلت التفاوض والحلّ صعباً ومرهوناً بتفاوضٍ بين القوى الخارجيّة قبل أن يكون بين السوريين. وفعلاً عندما أرادت هذه القوى الخارجيّة وقف الحرب أوقفتها إلى حدٍّ كبير.
سيأتي التغيير لا محالة في سوريا بعد كلّ هذا الدمار والعبث، ولكن ليس بالظرف الأمثل. إنّ واجب من تناط به مهمّة العمل على إعادة توحيد البلد وتضميد جراحها – ما سيكون صعباً بجميع الأحوال – ألاّ يهتمّ كثيراً بصفة «المعارضة»، بل بمشروعٍ وطنيّ يشمل جميع السوريين مهما كان عمق الشروخ الاجتماعيّة وبالانفتاح على جميع التيارات حتّى التي يتناقض معها اليوم. هذا المجتمع التعدديّ هو ما يجب إعادة الثقة إليه بإمكانيّة العيش المشترك، كسبيلٍ لنبذ التطرّف، وكذلك الحفاظ على الدولة أو ما بقي منها.
إنّ مسؤوليّة من يؤتى به ممثلاً «للحكومة» هي أن يعي أنّ السلطة القائمة في سوريا ستنتهي كسلطة بمجّرد أن شاركت المجتمع… بمعارضاته. وأنّه هو نفسه في نهاية الأمر في خدمة جميع المواطنين، من دون استثناء.

 سمير العيطة
السفير