مبادرة المؤتمر الدولي لتطبيق القرار 2254: المعارضة السورية تحاول إنهاء الاستعصاء السياسي

شكّلت الاجتماعات التي عقدتها شخصيات سورية معارضة في مدينة نيويورك الأميركية، على هامش اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، وبعدها في واشنطن مع مسؤولين أميركيين وغيرهم، فرصة لمحاولة أخذ زمام المبادرة لإيجاد حلول لحالة الاستعصاء السياسي التي يواجهها الحل السياسي السوري، أو محاولة على الأقل لطرح المقترحات.

ويأتي ذلك خصوصاً بعدما أصبحت المعارضة السورية في مرمى اتهام جمهور الثورة بالترهل والضعف والتبعية، ما أوجب عليها الخروج من هذه الدائرة.

والتقى كلّ من رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية سالم المسلط، ورئيس هيئة التفاوض المعارضة بدر جاموس، ورئيس وفد المعارضة السورية إلى اللجنة الدستورية وهادي البحرة، ورئيس الحكومة السورية المؤقتة عبد الرحمن مصطفى، بعدد من المسؤولين الأمميين، على رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس وممثلو بعض الدول على هامش مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

مؤتمر دولي لتطبيق الـ2254

لقاء المعارضة السورية مع غوتيريس كان الأول لها مع الأمين العام للأمم المتحدة منذ عام 2014. وفي حين حضر إلى جانب غوتيريس مبعوثه إلى سورية غير بيدرسن، فقد كشف عبد المجيد بركات، عضو الهيئة السياسية، أن المعارضة طرحت على الأمين العام للأمم المتحدة دعوة المنظمة الدولية إلى مؤتمر دولي لتطبيق القرار 2254 الذي أقرّه مجلس الأمن الدولي في عام 2015.

وقال بركات لـ”العربي الجديد”: “انطلقنا في هذا الطرح مع السيد غوتيريس ومبعوثه من الاستعصاء الذي يواجهه مسار الحل السياسي السوري، وأن الوضع الراهن يحتاج إلى حلول جديدة”.

وتابع: “قلنا للأمين العام ومبعوثه السيد بيدرسن إن القرار 2254 صادق عليه مجلس الأمن بالتصويت، وصوتت عليه روسيا حليفة النظام، ولم يطبق إلى الآن، والأمر يحتاج إلى تحرك جديد لدفعه قدماً”.

المعارضة طرحت على الأمين العام للأمم المتحدة الدعوة إلى مؤتمر دولي لتطبيق القرار 2254

وأوضح بركات أن غوتيريس لم يعارض الفكرة، مشيراً، أي غوتيريس، إلى أن الطرح قابل للدراسة والنقاش، وأن على المعارضة تقديم المقترحات حيال الدعوة إلى مؤتمر كهذا، وستعمل الأمم المتحدة عليها.

بركات الذي لم يحضر اللقاء مع الأمين العام الأممي كان حاضراً في اجتماع الشخصيات سابقة الذكر مع نائبة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، بحضور مساعد نائب وزير الخارجية (مسؤول الملف السوري في الخارجية) إيثان غولدريتش، والمديرة العامة لدائرة العراق وسورية في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض إيميلي بارنز، وموفد من وزارة الدفاع الأميركية.

ولفت بركات أيضاً إلى أن موضوع الدعوة إلى مؤتمر دولي للدفع لتطبيق القرار 2254 كان حاضراً على طاولة الاجتماع مع المسؤولين الأميركيين، إذ أوضحت المعارضة السورية للمسؤولين الأميركيين أنهم إذا كانوا راغبين في الحل، فإن من الواجب دعم الخطوة نظراً للعقم الحاصل في مسار الحل دون أفق ملموس ضمن المسارات الحالية.

وأكد بركات أن نائبة وزير الخارجية ومساعدها ومن معهم طلبوا أيضاً من المعارضة تقديم المقترحات بهذا الخصوص، ووعدوا باستمرار التواصل والمناقشة حيال دعم المطلب.

وصوّت مجلس الأمن الدولي على مشروع القرار 2254 المقدم من قبل الولايات المتحدة بالإجماع في ديسمبر/ كانون الأول 2015. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة حينها، بان كي مون، إلى مفاوضات بين المعارضة والنظام في جنيف بعد شهرين من التصويت على القرار، الذي يقضي بتحقيق عملية انتقال سياسي وإجراء انتخابات نزيهة وحرّة بإشراف الأمم المتحدة وفق دستور جديد يخضع للاستفتاء، بالإضافة إلى وقف فوري لإطلاق النار والعمل على مكافحة الإرهاب.

وخلال المفاوضات، قسّم المبعوث الأممي السابق إلى سورية ستيفان دي ميستورا القرار إلى أربع سلال تطبّق بالتوالي، وهي: الانتقال السياسي، الدستور، الانتخابات، ومكافحة الإرهاب. وتمكن النظام بعد مماطلة وتعطيل من القفز فوق سلة الانتقال السياسي والذهاب إلى مناقشة الدستور، وأيضاً وضع بدعم روسي العراقيل قبل التوافق على صيغة اللجنة المكلفة بمناقشة الدستور.

وإلى اليوم، لا يزال ملف اللجنة الدستورية دون نتائج بعد ثلاثة أعوام وثماني جولات، وسبقها عديد من الجولات من مسار الحل الشامل في جنيف، لم تفض جميعها إلى أي حلول ولا حتى وقف لإطلاق النار. على العكس، تمدد النظام بإسناد جوي روسي وإيراني على الأرض وسيطر على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة المعارضة ما هجّر قرابة 4 ملايين مدني منذ ذلك الوقت.
مبادرة أردنية لعملية سياسية عربية

طلب غوتيريس والأميركيون من المعارضة طرح المقترحات لعقد المؤتمر

وفي الوقت الذي تطرح فيه المعارضة على الصعيد الدولي حلّاً (من خلال المؤتمر الرامي لتطبيق القرار)، خرج وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بتصريحات يكشف فيها عن مساعي بلاده لحشد الدعم الإقليمي والدولي لعملية سياسية يقودها العرب لإنهاء الحرب في سورية.

إعلان الصفدي جاء في حوار مع موقع “ذا ناشونال” الأميركي، خلال حضوره اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك. وقال الوزير الأردني إن بلاده تدعو “إلى دور عربي جماعي لإنهاء تلك الأزمة بالتنسيق مع أصدقائنا وشركائنا”، موضحاً أن على العرب اتباع “نهج تدريجي” وقيادة حلّ الصراع السوري.

وقال الصفدي: “لم تكن هناك عملية حقيقية لمعالجة تلك الأزمة في السنوات القليلة الماضية، لقد كانت سياسة الوضع الراهن، ولا يمكننا التعايش مع سياسات الوضع الراهن”. وأضاف أن “العملية التي يقودها العرب ستشمل المملكة العربية السعودية ودولاً أخرى، وستستند إلى قراري الأمم المتحدة 2254 و2642، اللذين يضعان خريطة طريق لتسوية تفاوضية بالإضافة إلى تصاريح مراقبة وتسليم المساعدات الإنسانية إلى سورية”.

وعبّر الصفدي عن مخاوف الأردن بالقول: “نريد أن نرى في إطار 2642 كيف يمكننا حقاً تسريع مشاريع التعافي المبكر، نحن قلقون للغاية من الوضع في الجنوب (على الحدود مع الأردن)، نحن بحاجة إلى الاستقرار في الجنوب، وخطر تهريب المخدرات يشكل تهديداً كبيراً لنا”.

ولدى سؤاله عن تأثير العقوبات الأميركية وآراء واشنطن بشأن عملية يقودها العرب، بدا الصفدي متفائلاً بحذر بإمكانية التغلب على مثل هذه العقبات. وأوضح: “أستطيع القول بأمان إن الجميع يريد أن يرى نهاية لهذه الأزمة، والجميع منفتح على أي آلية يمكنها إنهاء هذه الأزمة”.

وتوجه “العربي الجديد” إلى مسؤول في المعارضة السورية حول ما إذا كانت قد تمّت مناقشة الموضوع معهم من قبل الأردن أو أي جهة عربية أو إقليمية، وقد أكد المسؤول الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: “لم يتواصل معنا أحد في هذا الشأن، ولم نعلم به إلا من خلال الإعلام”.

لم يتواصل الأردن مع أي طرف في المعارضة السورية لإطلاعها أو بحث مقترحه

ويأتي نفي مناقشة المبادرة مع المعارضة، على الرغم من لقاء رئيس الائتلاف وعدد من مرافقيه في نيويورك الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، إذ قال الائتلاف عن اللقاء إنه ناقش تطبيق الحلول وفقاً للقرارات الأممية، وتجديد التحذيرات من أن عودة النظام إلى الجامعة يعني حصول إيران على مقعد فيها.

ويأتي حراك المعارضة السورية، بعدما باتت تدرك أنها مطالبة باجتراح الحلول ووضعها أمام المجتمع الدولي المتقاعس حيال القضية السورية، لا سيما في السنوات الثلاث الأخيرة.

فقلة المبادرة وضعف الاهتمام الدولي أظهرا اتكالية المعارضة على حلفائها أو الدول المتبنية لحراك الشعب السوري ضد النظام القائم، والتي أضحت اليوم تتخذ موقفاً باهتاً من القضية بشكل عام مع استثناءات تفرضها المستجدات.

كذلك يواجه مسار أو مسارات الحل السياسي للقضية السورية استعصاءً سياسياً معقداً، إذ نجح الروس في تهميش مسار جنيف للحل أو تعطيله بالمطلق لصالح مسار أستانة الذي وفر للنظام شروطاً سياسية للتقدم عسكرياً على الأرض. كما أن مسار اللجنة الدستورية يبدو كأنه مجرد تضييع للوقت بسبب تمييع النظام لهذا المسار بمساندة دبلوماسية وسياسية من روسيا وإيران. ولم يفض المسار إلى كتابة مادة واحدة من الدستور “المفترض” بعد نحو ثلاثة أعوام من إقرار الأمم المتحدة للجنة صياغة الدستور بإشراف مباشر منها.

وتعليقاً على حراك المعارضة السورية والمبادرات الإقليمية، قلّل المعارض والسياسي السوري المقيم في واشنطن رضوان زيادة من شأن مبادرة الأردن أو أي مبادرة إقليمية، قبل أن تتفاهم واشنطن وموسكو على الحل. ورأى زيادة، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الوضع السوري معقد، وفي الوقت ذاته تسيطر عليه دولتان بحجم أميركا وروسيا، فإذا كان من الممكن أن يأتي حلّ ما فلا بد عبر تسوية بينهما، كلاهما الآن في حالة حرب بالوكالة عبر أوكرانيا”.

واستبعد زيادة أن يكون لدول، حتى لو كانت جارة مثل الأردن، أي دور في الحل، وذلك بسبب تعقيد الأزمة السورية، ووجود قوات عسكرية لدول عظمى مثل أميركا وروسيا وأخرى إقليمية مثل تركيا على الأرض السورية. أما في خصوص اجتماعات المعارضة في نيويورك وواشنطن، فوصفها زيادة بأنها “شكلية وليس لها أي انعكاس على أرض الواقع السوري، وليس لها قدرة أن تقود إلى حل سياسي”. وأضاف: “هي اجتماعات لتقديم إحاطة بالوضع القائم فقط لا أكثر إلى جهات دولية مثل الأمم المتحدة”.

المصدر: العربي الجديد