متاهات السياسة تقلِق النظام السوري ومعارضيه

25

دمشق آمنة ميدانياً، وتحاول الايحاء باطمئنانها سياسياً بعد اتفاقيات خفض التصعيد في الجنوب، لا تعكّر صفوها قذائف الشمال المتعددة المصادر والجنسيات، ولا خروقات وقف التصعيد في الجنوب وعلى حدود الجولان المحتل، طالما تتحاشى خــــدش الإطمــئنان العسكري الإسرائيلي، والطريق الدولي من حلب وطرطوس إلى دمـــشق فدرعا ثمّ عمّان، أصبح آمناً برعاية روسية تضبط نرفزات النظام من خروقات وقف التصعيد في الرستن، وجنوب حمـــاه، وفــي معبر نصيب مع الأردن والقرى المجاورة له. وفي الشمال يتريّث النظام في فتح معركة إدلب، احتراماً للود المصطنع بين موسكو وأنقرة، وبحثاً عن الجوٍّ السياسي المناسب، ولا يكــترث بتسريب الوسطاء الروس في مصالحات الجنوب للمعارضة مــوعــد مــعــركــة إدلــب في أيـلــول المقبل.

الواضح أن النظام يتجنب أيّ مواجهة مع تركيا احتراماً لحلفها مع موسكو وطهران اللتين لا يستطيع فتح المواجهة من دونهما أصلاً، وموسكو تتقي خطر الإنزلاق في الشمال احتراماً لقمة بوتين ترامب، وما قد تجود به على معضلة الحل في سوريا . دمشق إطمأنّت أمنياً، لكن جوّها السياسي الملبد بالغيوم مع المجتمع الدولي، قد يصحو، وقد يكفهرّ ويرعد، بعد هذه القمة العتيدة، والعدول عن تبديل النظام بمعارضيه بداية صحوٍ مشروط بمسائل لا يملك النظام منفرداً كامل أوراقها، كمعضلة الوجود الإيراني، ليس فقط على حدود إسرائيل، بل فوق كامل التراب السوري، أمّا مسألة الوجود العسكري الأميركي المتزايد في الشمال والشرق والجنوب، الذي يتسلّى برصد الدواعش الشاردة في بادية الشام، فهذا يُعالجه لقاء القمة، وقد يعزف بوتين على وتر وجودها الشرعي ويساوم، لكن شخصية ترامب لا يرقّ لها السّمْعَ إلى هكذا عزف منفرد نشاز.

في الشمال، غربُ الفراتِ ليس كشرقه، فالمنطقة التركية الآمنة غربه في عفرين وإدلب التي فتحت صدرها لـ «داعش» والنصرة، تسكت عنها واشنطن، بينما لم تسكت أنقرة عن أمركة منبج الكردية، واستطاعت بمساوماتها مع واشنطن ان تفرض موطيء قدم لها في منبج إلى جانب القوات الأميركية وضيفتها القوات الفرنسية، وجيّروا القوات الإيطالية إلى شرق الفرات بضيافة قوات سورية الديمقراطية (قسد)حليفة واشنطن، والمرضيُّ عنها في دمشق وموسكو. وتمارس تركيا عملية التتريك التدريجي الممنهج لمنطقتها (الآمنة) لغوياً وثقافياً واقتصادياً كجزء من سلطنة أردوغان، على مرأى من عدوّها اللدود النظام السوري، المنشغل بمصالحات الجنوب، ويناور سياسياً وعسكرياً لاستعادة آبار النفط والغاز في شرق الفرات وشماله من الإدارة الذاتية الكردية التي لم تقطع حبل الود مع النظام، وهي في معطف قواعد واشنطن العسكرية هناك.

المجتمع الدمشقي كان وما زال يمارس حياته اليومية، لم يتحرّك ضد النظام، ولا ضد معارضيه، والتزم الحياد السلبي (النأي بالنفس) وعدم التدخُّل حتى في المصالحات، فما ألمّ به شيءٌ مما لا يُنسى ويحتاج إلى مصالحات، لكنْ في جواره حدثَ كثيرٌ مما يعشعش في الذاكرة وتعمل المصالحات بدأب لمحوه منها، وإرساء أسسٍ براغماتية على طريقة النظام،تفتح الأبواب لإعادة إعمار البلاد.

الآن تتجه الأنظار إلى قمة بوتين ترامب، التي لا تروق لأوروبا، وقد يزيد التفاهم الروسي الأميركي في تهميش القارّة العجوز، بينما إسرائيل مطمئنة إلى ما يصدر عنها بخصوص قلقها من مشكلة الوجود الإيراني التي لم تُحسم حتى الآن بحجم رغبة إسرائيل، وهي الجزء الأهم في الأزمة السورية التي تترقب من القمّة دفعاً باتجاه تفاوضٍ تحت المظلة الأممية، ما مهّدت له المجموعة المصغّرة في بروكسل قبل أيام (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والأردن وانضمّت إليها مصر)، وأغلب الظن أن مستقبل إدلب يصعب فكُّ ارتباطه بالوجود العسكري الأميركي والتركي والفرنسي والإيطالي داخل المساحات الكردية السورية، إضافةً إلى ارتباطه بمساومات المسألة الأساسية المعقدة وهي حجم الوجود الإيراني في سورية.

احترام الأمن والاستقرار في أيّ بقعة من العالم، لا يُقرأ في طبائع الرئيسين ترامب وبوتين، بل يُقرأ عكسه بوضوح في شخصية ترامب، ومُستنتج في ملامح بوتين القيصرية، لذلك لا مفرَّ من العودة إلى دوّامة الحل السياسي، فلجنة سوتشي الدستورية المقررة أممياً لا تزال قيد الاختلاف، وتصريحات المبعوث الأممي التي سبقت خفض التصعيد على الحدود مع الأردن، تحتاج إلى إعادة تأهيل لتستوعب تلك المتغيرات الجنوبية، بوجود نكهة أميركية- إسرائيلية فيها، وفي الأثناء يُلوّحُ بمؤتمر جنيف، ولو بصيغة آستانة سياسية، تستوعب معضلة إدلب حتى لو انطلقت عسكرياً، ويُفترض بالقمة أن تدعم منحىً للتفاوض ملزماً لجميع الأطراف إذا كانت تفكّر جدياً بالتهدئة في هذه البقعة من العالم.

تلميحات موسكو، وطهران، والمبعوث الأممي دي ميستورا، وربما المجموعة المصغّرة، لا توحي برفض آستانة أو سوتشي أو جنيف، وكل ما يستجد من أماكن ومنتجعات وقرارات، إذا وُظِفت منتجاتها لصالح الحل السياسي ضمن الأفق المرسوم بين موسكو ودمشق وطهران، أنقرة أيضاً، وإذا باركتها واشنطن ولو بالصمت. طبعاً المجتمع الدولي سيستنكر، ولكنه يعدِّل موقفه ويوافق، وبلغة دمشق يرضخ، إذا أرادت ذلك قمة الرئيسين بوتين وترامب.

ولكن هل تحقق سياسة التفاوض ماعجزت عنه المواجهات في الميدان؟

تسريبات النظام توحي بـ (نعم) إنما على طريقته (الوطنية)، ليُعادَ تأهيله، مكافأة له على إنجازاته الخارقة في دحر الإرهاب، وموسكو تتولّى توسيع الطرف المعارض ليعادل وزن النظام في التفاوض قياساً على حجم التواجد فوق الأرض، وإذا اُخِذَ هذا الامر بالإعتبار فعلى المعارضة السلام، التي لا تخفي قلقها من الجو المريب حولها!

رؤية النظام للحل السياسي، لا تتجاوز العمليات التجميلية باستيعاب بعضٍ مما لم يكن مستوعباً حتى الآن، وفي سياق ترتيبٍ مُعدّلٍ لمضمون الوحدة الوطنية، وأغلب الظن أن هذا الترتيب في طريقه للتنفيذ، ليقوّض التفاوض تحت الرعاية الأممية.

عادل يازجي

المصدر: الحياة