مجزرة التضامن: أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغر يرويان تفاصيل التحقيق

لم تعرف أنصار شحّود أنها إن تركت مدينتها المدمّرة حمص في العام 2013 متّجهة إلى بيروت، ستعثر على نفسها بعد سنتين فقط في جامعة أمستردام.

إلا أن تلك الرحلة تبدو بديهية أو منطقية، وكأن نفقاً حُفر بين حمص، حيث مارس النظام السوري كل أنواع الإجرام، من المجازر إلى الاعتقالات والقصف والترويع و”التطهير”، وبين قسم دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية.

إلا أن تلك اللحظة المنطقية والواعية ستنجلي مع لقائها البروفيسور في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة أمستردام أور أوميت أونغر، وبدء تحضيرها لماجستير في الجامعة عن عنف الدولة في سورية.

كل ما ستعيشه أنصار لاحقاً برفقة أور سيكون عبثياً، بالضبط كما هو حال بلدها الذي فتّته النظام، وجعله حفرة كبيرة تمتدّ على كل مناطق نفوذه. هناك، تُرمى أجساد تتطاير في الهواء قبل أن يُسكتها الرصاص وتُخفي ملامحها النيران، وكأن شيئاً لم يكن.

الدراسة المطوّلة التي عمل عليها الباحثان، ونُشرت بالعربية والإنكليزية تزامناً مع تسريب فيديو مريع عن “مجزرة التضامن”، تطرح العديد من الأسئلة. إلا أنها تجيب أيضاً عن العديد منها، وتفتح النقاش مجدّداً حول نظام ارتكب، على مرّ السنوات العشر الماضية، أفظع الجرائم وأبشع الانتهاكات، من دون محاسبة أو عقاب، في الوقت الذي بدأت فيه دول عربية عديدة تطبيع علاقاتها معه، وفي الوقت الذي تعيد فيه دول غربية كثيرة حساباتها مع قضية اللاجئين السوريين وملف الهجرة بشكل عام.

أونغر: لا نرى حماسة لدى الدول الغربية لوضع حدّ للمأساة

قبل أشهر من تسريب هذا الفيديو المرعب اعتبرت الدنمارك أن دمشق “منطقة آمنة”. فهل إعادة فتح الحفرة السورية ستدفع الدول إلى إعادة النظر في تلك القضايا؟ يقول الباحث أور أوميت أونغر، في لقاء مع “العربي الجديد”، إنه ليس متفائلاً بالعدالة الانتقالية، لأن النظام قوي، ولا نرى حماسة لدى أي من الدول الغربية لوضع حدّ لهذه المأساة، منتقداً الدول العربية وبعض دول الجوار التي ترى أن الحل في سورية دبلوماسي.

إلا أنه في الوقت ذاته يبدي تفاؤله بجدوى الدراسة التي أعدّها مع زميلته أنصار شحّود في وقف أي محاولة، أو نية لترحيل اللاجئين السوريين.

معلومات موثقة عن أشخاص قتلوا

ويقول أوغور: “الدنمارك تقول إن دمشق “منطقة آمنة” اليوم، وربما لن تعيد النظر في رأيها هذا بعد تسريب فيديو “مجزرة التضامن”، لأن تاريخه يعود للعام 2013. إلا أن أمجد (يوسف) لا يزال هناك، وفروع المخابرات كذلك وأعوانها و”شبّيحتها”. وإن لم تكن هناك فيديوهات مسرّبة، فهذا لا يعني على الإطلاق عدم وجود مجازر وجرائم ترتكب حتى هذه اللحظة! ثمة معلومات موثقة عن أشخاص عادوا فاعتقلوا وعذّبوا أو قتلوا واختفوا”.

لم يكن اللقاء مع الباحثين في مدينة أمستردام على بعد ساعة واحدة من المحكمة الجنائية الدولية، هيّناً. أنصار وأور فتحا تلك الحفرة قبل أيام، إلا أنهما لا يزالان عالقين في قعرها. ليس بديهياً الخروج منها بعدما أمضيا فيها أكثر من سنتين يحصيان عدد الضحايا، ويحاولان اقتفاء هوياتهم وهوية من قتلهم. جرت العادة أن يخفي المجرم وجهه أثناء الفظائع التي يرتكبها بضحاياه، إلا أن أمجد يوسف، في الفيديو المسرّب، لم يخفِ ملامحه، بل أخفى ملامح ضحاياه. عصب أعينهم فلم يشاهدوا موتهم، بل سمعوه.

وأنصار لم تكتفِ بالتسلل إلى تلك الحفرة المظلمة، ولم تكن مجرّد متفرّجة توثّق أعداد الضحايا، وتحصي أنفاسهم اللاهثة على حافة الموت. استعارت جسداً آخر وسمّته “آنّا”، وراحت تتجوّل وراء جلده بين تلك المجموعات التي قتلت، وتفنّنت في القتل وعذّبت واغتالت وامتهنت العنف.

ظلّت تتجوّل بينهم حتى عثرت عليه، صاحب قبعة الصيد، والندبة التي تحفر وجهه. إلا أنه كان قد اكتسب وزناً بعضلاته المفتولة، وترهّلت وجنتاه بعد ثماني سنوات على ارتكابه تلك الجريمة.

لن تكتفي أنصار السورية وصاحبة القضية أولاً، والباحثة ثانياً بالعثور عليه، بل ستوقع به كما أوقعت بغيره من مرتكبي “جرائم الحرب”، أو المشاركين فيها، أو الشاهدين عليها. كانت تحتاج إلى اعتراف مباشر بارتكاب القتل وممارسة العنف.

لولا “الأنسنة” لَما تحدثت إليه

عن اللقاء به، والخوض في حياته اليومية، والنظر إلى عينيه عبر شاشة الكومبيوتر والإصغاء إلى أحاديثه على مدار الأشهر، تقول أنصار، في لقائها مع “العربي الجديد”: “لم أكن أنظر إليه إلا كإنسان. لو كنت مكانه وعشت الظروف التي عاشها، لتحوّلت ربما إلى ما هو أشرس. لولا هذه “الأنسنة” لَما تمكنت من التعرّف إليه والحديث معه”.

وتضيف: “الأنسنة تختلف تماماً عن التعاطف. في لحظات كثيرة، كنت أتعاطف مع بعض من ألتقي بهم عبر العالم الافتراضي. أشخاص موالون للنظام، لكنّهم لم يتورّطوا في الدم السوري. أمجد متورّط. أمجد ابن المؤسسة ويصعب التعاطف معه. لديه هوية أعلى من تلك الهويات الطائفية الفرعية. الهوية العسكرية هي الأعلى والأقوى”.

وتتابع: “خضنا أور وأنا نقاشات كثيرة مع أصدقاء يعملون في الشأن ذاته، في محاولة لفهم هذه الشخصيات وفكفكتها. التدريب العسكري، وما يتعرّضون له من إهانات يومية، يصنع منهم أشخاصاً قساة، ويصبح العنف مجرّد ممارسة وظيفية، كالكتابة والتمثيل والطب. وأمجد بهذا المعنى ليس ضحية، بل صناعة وإنتاج مؤسسة عسكرية ترتكب الإجرام”.

أمجد صنيعة محيطه

يحكي أوغور عن منهجية البحث الاستقصائي الذي أعدّاه، وعن المخاطر الكثيرة المرافقة له. بعض زملائه في الجامعة يركّزون في أبحاثهم وعملهم مثلاً على العلاقة مع “المرتكبين” و”الجناة”، وعلى خطر التعاطف معهم، ما يحيل إلى تبرير تلك الجرائم والسلوكيات: “والد أمجد ضابط مخابرات، فما هي فرصته لأن يكون مختلفاً؟ والدي مثلاً مدرّس في الثانوية العامة، وأنا صرت مدرّساً في الجامعة. أمجد صنيعة محيطه، وإن كان ذلك لا يخفف من فداحة جرائمه، إلا أنه يشرح لنا ما يمكن أن تصنعه البيئة المحيطة المشجّعة على الإجرام وعلى ممارسة العنف”.

يكتسب عملهما أهمية إضافية لانطلاقه من البحث الأكاديمي. فمعظم الدراسات والأبحاث المتعلّقة بسورية، أو بأي رقعة حرب أخرى، تنطلق من ردّة فعلها على جريمة بعينها، بينما جاء فيديو “مجزرة التضامن” ليدعم ما كانا قد بدآ به قبل سنوات: البحث في جذور العنف وآلياته استناداً لعملهما في قسم الهولوكوست والإبادة الجماعية.

ترى أنصار أن “الخوف الوجودي يحيل إلى العنف. السلطة السياسية قالت منذ اليوم الأول إن الشخص الآخر، المضادّ، هو تهديد، وإن لم تقضوا عليه، قضى عليكم. الخوف عامل أساسي. حتى التظاهرات السلمية صارت تهديداً لوجود الآخر. النظام جرّهم إلى العنف، قال لهم إن لم تحملوا السلاح لن تعيشوا، لأنني لن أستطيع حمايتكم”.

يحكي أوغور عن الخوف بطريقة مختلفة، فهو لم يعشه، لكنه كان شاهداً عليه في أعين الهاربين من الحروب والقمع، والبلدان التي تحكمها المخابرات، ممن التقى بهم خلال السنوات الماضية.

يرى أوغور أن “الخوف بات جزءاً من الهوية السورية. ثمة عائلات، خرجت بأكملها من سورية، لم تعد لديها صلات مع الداخل، ومع ذلك، يُثقلها الخوف في أوروبا. الخوف يشلّ القدرة على التغيير وعلى القيام بعمل سياسي منظّم مرافق للثورة”.

ويقول إن “الفرق محزن بين طلابي الهولنديين في الجامعة وطلابي السوريين. طلبت منهم مرة أن يرفعوا أيديهم إن كانوا ضدّ الملك. معظم من رفعوا أيديهم كانوا من الطلاب الهولنديين، لأنهم يريدون نظاماً جمهورياً، بينما يخاف الطلاب السوريون من هذه الـ”ضد”، التي تودي بصاحبها في بلد كسورية إلى المجهول. الخوف يشلّ القدرة على الرفض وأيضاً على التفكير. إنه طبقة جلد ثانية بالنسبة للسوريين”.

أنصار التي عاشت خوفاً كبيراً خلال تواجدها في سورية وبعد خروجها منها، اختارت للمرة الأولى أن تظهر إلى العلن عبر التوقيع باسمها الحقيقي على الدراسة المنشورة في الصحافة العربية والأجنبية وفي تقرير صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، لأنها ضجرت من الخوف.

وتقول: “إن انتهى الخوف، ينتهِ النظام”. إلا أن خزّان الخوف في الذاكرة الجمعية السورية لا ينضب كما جرائم النظام. والخوف، الذي يبدأ محسوساً وواضح المعالم من الآخر الذي يشكّل خطراً على البقاء، يتحوّل مع مرور السنوات إلى خوف مبهم من أي آخر، وإلى عجز عن الخوض في المسائل الأساسية، خشية الوقوع في الخطأ وفي المساءلة والمحاسبة والتنميط وثم التخوين.

كما عبّر عنه أوغور، يتراكم الخوف طبقة بعد الأخرى، ويكتسب سماكة تجعله غير محسوس. هذا ما جعل ردود الفعل حول الدراسة متباينة جداً بحسب الباحثين، فهما طرحا للنقاش مواضيع ما زالت تنتمي إلى “المحرّمات”، ولم يبدأ السوريون الخوض بها بعد.

يقول أوغور إن ردود الفعل حول الفيديو المسرّب، والتقرير الذي نشراه، والتي عبّر عنها كثيرون، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام، جاءت سطحية في كثير من الأحيان وخاطئة.

ويضيف: “صحيح أن ما نشرناه يحيل إلى مسائل كثيرة، كالطائفية وغيرها، إلا أننا قررنا التركيز على أمور معينة بشكل عميق، كدور الطائفية وتعريفها في سورية. التغريدات والتعليقات التي جاءت حول عملنا، كانت في كثير من الأحيان سطحية ومغلوطة. وعندما قلنا إننا لم نعثر على خطاب طائفي في 27 فيديو شاهدناها عن مجازر وعمليات إبادة جماعية، فهذا حقيقي”.

لم ينس السوريون بعد أوجاع السنوات العشر الماضية، إلا أن الرداءة التي وصلت إليها حالتهم، وقتامة حياتهم اليومية، أغلقتا الحفرة إلى حين، وأقفلتا أعينهم على مشاهد العنف والقتل، وحلّت أحاديث الجوع والبرد وفقدان الحاجات الأساسية محلّ تمثيل النظام بالجسد السوري. الفيديو المسرّب والبحث المرافق له، وهذا الجهد الجماعي الذي قام به أشخاص تحرّروا من مخاوفهم بعض الشيء، أعادت فتح الحفرة، وذكّرت برائحة الموت والعنف، وبالسؤال عن الكراهية أيضاً.

أعاد طرح الفرضية حول قدرة ملايين السوريين على العيش المشترك، وعلى تجاوز خزّان الخوف والتحايل على ذاكرة السنوات العشر الماضية.

الحقيقة أهم من المحاسبة

تقول أنصار إن “الحقيقة أهم من المحاسبة. وإن السوريين قادرون على العيش معاً مجدداً، لكنهم بحاجة ماسّة للتعامل مع الماضي دون إقصاء الآخر ودون تجاهل سرديّته. عليهم الاعتراف بالخطأ. لن نستطيع العيش معاً إن لم نتصارح بما اقترفناه”.

ترى أنصار أن الحديث عن الماضي دون حقد أو نقمة، أو محاولة لتهميش الآخر المختلف عنّا، من شأنه أن يهزم الجهاز الأمني الذي يخاف من الحقيقة. وتقول إن “المشكلة أن مفهوم الضحية، الذي يمكن تعميمه على الأكثرية في الحالة السورية، يُقدَّم بطريقة انتقامية وليست حقوقية. الضحية تمتلك حقوقاً، وليس الانتقام هو السبيل لنيلها”.

شحّود: خزّان الخوف في الذاكرة الجمعية السورية لا ينضب

إلا أن السوريين كما تعتقد أنصار لا يمتلكون أرضية مشتركة. ثمة نبذ مناطقي برأيها، والكلّ يدفع ثمن أفعال البعض. وتقول: “مجرّد أن تكون من حي الزهراء الموالي للنظام في حمص على سبيل المثال فأنت مجرم. وابن حي السبيل سيقاتل ابن حي الزهراء من دون أن يعرفه، والعكس صحيح. المشكلة أنهم تقاتلوا وقاتلوا بعضهم، قَتلوا وقُتلوا وكرهوا دون أن يعرفوا عن بعضهم شيئاً”.

وحتى إن كانت انتهاكات النظام لا تقارن بتجاوزات المعارضة، إلا أن هذه الأخيرة أخطأت، بحسب أنصار، في اقتحامها المسلّح لحي التضامن وإقدامها على الخطف، ما دفع إلى مزيد من العنف. خاصة وأن حي التضامن يضمّ أشخاصاً لم يتورّطوا في الدم السوري.

وتعتبر أنصار أن التسليح ردّ فعل طبيعي للدفاع عن النفس، إلا أن دخول مجموعات مسلّحة إلى مناطق مختلطة، كحي التضامن، هو قرار سياسي. وتقول: “عنف ضئيل من جانب المعارضة كان كفيلاً بإشعال مخاوف الآخر، وبالتالي إشعال جرعة أكبر من العنف”.

تبدو الأحاديث عن النزعة الإقصائية، أو عن الرغبة بالانتقام، ترفاً أو تنظيراً في ظلّ افتقار السوريين وعائلات الضحايا بشكل أساسي للعدالة والمحاسبة.

يرى أوغور أن النقمة ستلعب دوراً كبيراً في سورية، كما أن ثقافة المنطقة العربية لا تساعد على تحييد هذا الدور، لأنها ثقافة غير متسامحة عموماً، وتعتمد مبدأ العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم. ويقول إن “لم يخرج من سورية شخص كنيلسون مانديلا ستشهد تلك المدن التي فتك النظام بأهلها انتقاماً مريراً. غياب العدالة يولّد النقمة والحاجة للانتقام”. والانتقام بمعناه المجازي الذي لا يخلو من المبالغة، يتحوّل إلى واقع.

ويضيف أوغور: “أمجد انتقم لأخيه، لكنه قتل في المقابل أكثر من 300 شخص! هنا خطورة الأمر. أن يتحول التعبير المجازي عن الرغبة بردّ الصاع صاعين إلى حقيقة. وهذا ما شهدناه في حالة أمجد، وفي حالة أشخاص كثيرين غيره. فعله الانتقامي ينتمي إلى الفانتازيا”.

أمجد يختصر اليوم كل الإجرام الذي شهده العديد من المناطق السورية منذ انطلاق الثورة قبل 11 سنة. كما يختصر الظلم الذي يعيشه أهالي الضحايا.

برغم فداحة ما ارتكبه (وما شاهدناه هو بعض تلك الجرائم فقط) إلا أنه لا يزال حرّاً طليقاً، يتجوّل في أحياء دمشق، بينما الملايين من السوريين لاجئون أو مهجّرون أو مغيّبون. وكيف لنا أن نحلم بأن تغيّر تلك المشاهد المرعبة المعادلة، وأن تُسقط نظاماً فاق إجرامه الخيال، ونحن لم نشهد بعد ولا ومضة عدالة واحدة، باستثناء الجهود الجبّارة التي بذلها حقوقيون سوريون في ألمانيا، وأدّت إلى بعض المحاكمات.

وبالعودة إلى الرغبة بالانتقام وعلاقتها بغياب العدالة، تقول أنصار إن من حقّ السوريين أن يكرهوا، شرط ألا تؤدي تلك الكراهية إلى العنف.

وتوضح: “ثمة ما يقارب 5 ملايين سوري تورّطوا في العنف برأيي. بدءاً من الذي اقتاد الناس إلى السجون، وصولاً إلى الذي قدّم لهم الطعام، أو سلبهم حقّهم في تناول الطعام، مروراً بمن شارك في حفر تلك الحفرة، أو ذلك الذي أبلغ عن جاره. ماذا نفعل أمام هذا الرقم المرعب؟ هل نقصي 5 ملايين سوري متورّطين بشكل أو بآخر بالعنف، أم نبحث عن آلية عدالة تناسب الحالة السورية، بحيث تُحفظ الذاكرة دون أن تعالج بالعنف؟”.

المعضلة تكمن في أن حجم التضحيات التي قدّمتها الأكثرية السورية، وحجم الخسائر البشرية والعاطفية والمادية يُفقدان هذه السردية أهميتها التاريخية المستقاة من تجارب شعوب أخرى تعرّضت للإبادة الجماعية أو للمجازر والعنف الممنهج. إذ كيف يمكن لمن سرقت منه البراميل الموجّهة على مناطق بعينها أعزّ من يملك أن يقبل بالسردية القائلة إن النظام ليس طائفياً، وإن أمجد لم يقتل بدافع طائفي، بل بدافع انتقامي ضدّ كل من يخالفه الرأي بغض النظر عن انتمائه الضيّق.

يقول أوغور في الإجابة عن السؤال حول العلاقة بين السردية والتجارب البشرية: “العنف يكتب تاريخ المجتمعات ويقسّمها إلى شرائح. في البوسنة مثلاً، أغلبية الناس اعتبروا أنفسهم بوسنيين، لكن عندما أتى المتطرفون القوميون من صربيا قتلوا الناس عرقياً فأعادوا تقسيمهم”.

ويضيف: “العنف يؤدي إلى تلك التقسيمات الجديدة. كثيرون اعتبروا سابقاً أنهم سوريون قبل كل شيء. إلا أن العنف الذي بدأ على أساس طائفي، ساهم في تلك التقسيمات الطائفية وأنشأها. ثمة فرق بين الطائفية والتقسيم. العنف يؤدي إلى التقسيم وليس العكس”.

ويوضح أنه “في الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا في العام 1994 مثلاً، أجبر المتطرّفون من الهوتو باقي الروانديين على أن يتخلّوا عن انتمائهم الأوسع، ويختاروا في لحظة مصيرية انتماءهم الضيّق أو يفقدوا حياتهم. ليست الهوية هي التي تنتج العنف. بل العنف هو الذي ينتج تلك الهويات المتعددة والمتناحرة”.

ترى أنصار أن النظام استطاع أن يخترق بمؤسّسته العسكرية كل مفاصل المجتمع والدولة السورية، فجيّش المجتمع وعسكر الحياة. وتقول: “هو الذي أسّس للطائفية في سورية واستخدمها أداة سياسية يستبدّ بها عند كل أزمة. (الشعب السوري واحد) ليس سوى شعار. الشعب السوري لم يكن قادراً ولا مرة على الانتماء لهوية واحدة، هوية المواطنة. لم يكن قادراً لأن النظام سلبه هذه اللحظة”.

ومع أن الشعب السوري ليس واحداً من وجهة نظر أنصار، إلا أن الطرفين باتا مدركين أن النظام هو الذي أوصلهما إلى هذه الحالة العدمية وإلى هذا الحدّ من العنف.

وتقول: “كلا الطرفين خسر، كل الطوائف والمذاهب من مجرمي الحرب إلى ضحاياهم. الكلّ خسر معركته بسبب النظام، والكلّ ضحية للنظام”. وكما ساهمت سياسة النظام الإقصائية عبر عقود في تضييق الخيارات أمام السوريين وفي إلغاء أي أفق للتغيير، ساهمت إقصائية بعض القوى المعارضة في انسحاب شرائح كثيرة من صفوف المعارضة لتعود إلى كنف النظام.

وتضيف أنصار: “لم يكن عنف النظام هو السبب الوحيد لهجرة الكثيرين، أو لالتحاقهم في جبهات قتاله. بل إن رفض ممارسات بعض القوى السياسية المعارضة بطرق تذكّر بالنظام هو السبب وراء هروبهم. المعارضة لديها سجون، وتؤسس لنفس الحالة التي أسّس لها النظام السوري”.

إعادة اعتبار للضحايا

“أن نحكي قصة المجزرة الموثّقة هو إعادة اعتبار للضحايا واعتراف بهم وبكينونتهم وبتضحياتهم. الحفرة كادت تصبح من الأساطير. يروي أهالي الحي والأحياء المجاورة شكوكهم حول وجود حفرة، تراودهم الكوابيس من فكرة وجودها، يعانون في منطقة تابعة للنظام تماماً، لكنهم ليسوا متأكدين. من حقّهم أن يعرفوا هوية المجرم” تقول أنصار.

عندما وصلته تلك المقاطع المسجّلة من مجزرة حي التضامن، لم يفكّر أور سوى بالعمل عليها كمقاطع مصوّرة. إلا أن أنصار رأت سياقاً أوسع لهذه الفيديوهات التي تعبّر بشكل أو بآخر عن عملية التطهير الجارية في سورية، إضافة إلى التهجير والاغتصاب ومصادرة الممتلكات الخاصة العامة.

يقول أوغور: “ارتأت أنصار أن نضع هذه الفيديوهات في السياق الصحيح والأوسع لما يجري في سورية. لأن ثمة فرقاً بين المجزرة والإبادة الجماعية. فالمجزرة هي لحظة ارتكاب فعل القتل، أي اللحظة التي أردى فيها أمجد 41 مدنياً في الفيديو الذي انتشر قبل أيام، خلال فترة زمنية لا تتجاوز نصف ساعة”.

ويضيف: “نعم هذه مجزرة. بينما الإبادة الجماعية هي سياسة المجازر في فترة زمنية ممتدة يسعى النظام من خلالها إلى تدمير المجتمع وتفتيته. ثمة فرق بين المجزرة كلحظة، وبين الإبادة الجماعية كفترة، والهدف هو “التطهير”. حتى أن النظام نفسه استخدم هذه المفردة في الكثير من المناسبات. والنظام السوري ارتكب الجريمتين معاً، المجازر والإبادة. التطهير والتدمير”.

ماتت “آنّا” وسُلّمت الفيديوهات كلّها للشرطة الهولندية والألمانية عسى أن تخطو في طريق العدالة والمحاسبة. أنهى أور وأنصار مهمّتهما في الوصول إلى مرتكب المجزرة أولاً، وفي البحث في خبايا هذا “الصندوق المغلق” كما يسمّيه أور الملقّب بـ”أبو خليل”.

إلا أن الإنجاز الأكبر بالنسبة إلى أنصار إلى جانب الكشف عن مجزرة موثّقة وعن هوية مرتكبيها، هو النقاش الذي فتحته في الداخل، وحالة الرفض والاستنكار التي وصلتهما بعدما شهدها العديد من العائلات الأقرب إلى النظام منها إلى المعارضة.

المصدر: العربي الجديد

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد