محنة الأسد مع الالتزامات الروسية

بغض النظر عما يمكن أن تصل إليه محادثات الآستانة، صار واضحاً أن الاستراتيجية الروسية لمستقبل المسألة السورية لا تتطابق مع ما كان يتمناه بشار الأسد. فروسيا لا ترغب ورُبما لا تستطيع أن تخوض حرباً شاملة ضدّ جميع مناوئي الأسد في كل المناطق، ليعاود الأخير بسط سيطرته العسكرية وهيمنته السياسية على سورية بحيث يجعلها مطابقة لما كانت عليه قبل آذار (مارس) 2011.

ثمة مُركّب سياسي واضح المعالم يدفع روسيا إلى أن لا تسير وفق رغبات الأسد تماماً، يتألف من مسؤوليتها كدولة كبرى مع حرصها على عدم الانجرار إلى الإنهاك في حرب طويلة، قد تدفع أثمانها الاقتصادية والسياسية في الداخل ومع القوى الكبرى، وفوقهُما أن لا تظهر كعدوٍ مناوئ للعالم الإسلامي السنّي من دون مبرّر.

 

يسعى الروس راهناً لأن يلتزم الأسد خيارهم الاستراتيجي الذي يستطيع ضمان مصالحهم على المدى البعيد، وذلك كنتيجة لما بذلوه خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، علماً أنه لولا التدخل الروسي الحاسم لانهار نِظام الأسد على رغم كل الدعم الإيراني المفتوح. لذلك، روسيا تُراقب جيداً كُل تفاصيل سلوكيات النِظام السوري، خصوصاً إذا حاول تجربة اللعبة القديمة، عبر اللجوء إلى التحالف الاستراتيجي مع إيران، كُلما تعرض لضغط روسي واضح، أو العكس.

في المحصلة، تطلب روسيا من النظام السوري أربعة أشكال من الالتزامات، للحفاظ على متانة العلاقة بين الطرفين. فمن جهة على نظام الأسد أن يقر بأن الحرب الشاملة والسعي للسيطرة العسكرية والأمنية على سورية غير ممكنين، وأن ما يسيطر عليه راهناً هو أفضل الممكن، وأن أي مسعى بغير هذا الاتجاه يعدّ مخاطرة عسكرية وخلخلة حقيقية للسلام الإقليمي.

من جهة أخرى، يجب أن تدفع هذه السيطرة النسبية على الجغرافيا السورية، النظام إلى القبول بالسيطرة السياسية النسبية على البلاد مستقبلاً. وجوهر هذا الأمر هو القبول ببدء عملية سياسية حقيقية، يستطيع مناوئو الأسد بموجبها مشاركته في حكم سورية وإدارتها. ربما هذه بالضبط هي النقطة الأكثر إزعاجاً للأسد، ليس لأنه يدرك أن نفوذه السياسي أقل بكثير مما يدعيه فحسب، ولأن طبيعة نظامه الأقلوية سياسياً ومناطقياً ستظهر في أي انتخابات، لكن أيضاً لأن هذه العملية ستسحب جزءاً من «الدولة» من تحت سيطرة الأسد، بمؤسساتها وأدواتها وشرعيتها.

ومعلوم أن «الدولة» بهذه الأدوات كانت مكمن قوة الأسد في مصارعته لخصومه الذين سيشاركونه فيها، بينما لن يتخلوا هم عن أي من أدواتهم. ثالث الالتزامات المطلوبة من الأسد وفق الاستراتيجية الروسية، هو تخفيف شبكة علاقاته الأمنية والعسكرية مع إيران والمليشيات التابعة لها. لأن إيران تزاحم روسيا في مصالحها البعيدة المدى في شرق المتوسط، ولأنها الطرف الوحيد القادر على تعكير ما تصبو روسيا لأن تُرتّبه في هذه المنطقة، والذي قد يمتد من سورية إلى دول أخرى تقع راهناً ضمن النفوذ الإيراني.

يشكّل هذا المطلب حرجاً كبيراً للأسد، فهو لا يثق بالعلاقة الاستراتيجية مع روسيا وحدها، لأنها غير عقائدية مثل إيران في علاقتها مع الأسد، ولأنها ليست جُزءاً انتحارياً ومن دون حسابات في «حروب الكراهية» التي تخوضها إيران دفاعاً عن حلفاء لها مثل الأسد. وكذلك لأن روسيا تملك شبكة من الالتزامات الدولية السياسية والأخلاقية النسبية التي لا تعتد بها إيران بأي شكل من الأشكال، وهذا ما لا يُناسب تطلعات نظام الأسد. أخيراً، تسعى روسيا لأن يقبل بشار الأسد بتحديد لفترة حكمه لسورية بستة أشهر أو سنة. أي أن موسكو تريد من حليفها أن يقتنع بأن بقاءه حاكماً بشكل مفتوح غير ممكن، حتى لو استمر إلى نهاية ولايته الراهنة.

والأكيد أن موسكو تعلم أن هذا الأمر ليس مجرد مطلب تفصيلي يمكن أن تتفاوض عليه مستقبلاً، بل هو جوهر تكويني لما يمكن أن تحققه الاستراتيجية الروسية في مسعاها الجديد، وأن شيئاً لن يتحقق من دون هذا الالتزام، سواء مع قوى المعارضة السورية أو مع داعميها الإقليميين، أو حتى مع القوى الكبرى. كل هذه «الفروض» الروسية توجع الأسد تماماً، لأنها تُخرجه من موقعه وتدمّر سلطته، وإن بطريقة بطيئة.

لكن هل يملك قدرة على رفض ما يريده الروس، وهو الذي يدرك أكثر من غيره حقيقتين جوهريتين تتعلقان بوضعه، الأولى أن تخفيف الدعم الجوي الروسي لنِظامه سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه صيف عام 2015، حين كان تخرج مدينة سورية تلو الأخرى من سيطرته، وكانت قوات المعارضة تقترب من مناطق نفوذه الطائفي، وهو يعني انتحار النِظام عسكرياً، على رغم كل الدعم الإيراني. وتقول الحقيقة الثانية إن القدرة الإيرانية على استباحة المنطقة ستكون أكثر حذراً مع الإدارة الأميركية الجديدة التي ستسعى إلى التفاهم مع روسيا على حساب إيران، إذ يبدو تحجيم الدور الإيراني هدفاً مشتركاً لواشنطن وموسكو.

جوهر محنة الأسد كامن في أنه ضعيف سياسياً وعسكرياً، ويسعى في الوقت نفسه لأن يحكم ويستمر بقوة الآخرين، ومن دون اعتبار لمصالحهم التي قد تتطابق مع مصالحه حيناً وتتباين أحياناً، بل قد تؤدي إلى التضحية به في أحيان أخرى.

 

الكاتب:رستم محمود

المصدر:الحياة