محور الممانعة: تعويم نظام الأسد مقابل صفقة القرن؟

23

نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية ما كان يقوله معارضو نظام الأسد منذ سنوات. الأسد حليف استراتيجي لإسرائيل. العبارة الأخطر والأكثر أهمية في حقبة تاريخية تمتد منذ العام 1973 حتى اليوم. محورية هذه العبارة تتجلّى اليوم بأبهى حللها في الجنوب السوري، حيث يقضم نظام الأسد بغطاء روسي وإسرائيلي وأميركي ودعم إيراني، أحد أبرز معاقل المعارضة السورية. هي العبارة السحرية ربما، أو الشيفرة التي كان الأسد يحتفظ بها ويراهن عليها، لإعادة الاعتبار لنفسه. والأخطر هو ما يأتي في متن نص هآرتس، إضافة إلى ما كان يرد في غيرها من وسائل الإعلام الإسرائيلية وعلى لسان المحليين، الذين كانوا يعتبرون أن مواقفهم المنددة بتصرفات الأسد ووحشيته وإجرامه تنطوي على هدفين. الأول إظهار “الرحمة الإسرائيلية” تجاه الشعب الفلسطيني، وبأن العرب يفعلون بشعوبهم أكثر مما يفعل الكيان الصهيوني بأعدائه. والثاني هو ما يتكرر كثيراً داخل إسرائيل بأنه كلّما هاجمت إسرائيل الأسد أو أمعنت في إهانته وإدانته، وفّرت له مزيداً من المشروعية. تلك المشروعية التي حان وقت إبرازها اليوم، في إعادة إحياء إتفاق 1974، وضمان النظام السوري الأمن القومي الإسرائيلي.
هي العبارة الشيفرة التي قالها إبن خال بشار الأسد في العام 2011، بأن أمن النظام في سوريا من أمن إسرائيل. والأخطر هو ما تنطوي عليه أبعاد هذا المضمون الذي كشفته الصحافة الإسرائيلية، وتكشفه الوقائع أكثر، وما زال مكتوماً ربما هو أخطر. في أبعاد مضمون الكلام، تتضح استراتيجية إسرائيل، في كيفية التعاطي مع الشعب العربي والأنظمة العربية. والأهم أن الإسرائيليين يعرفون العرب أنظمة وشعوباً أكثر مما هم يعرفون أنفسهم. فيتعاطون معهم بضخّ جرعات من أدرينالين القومية والممانعاتية. وما ينطبق على الأسد في الهدف الإسرائيلي الثاني، أي كثرة الذم به وانتقاده تمنح مزيداً من المشروعية، قد ينطبق على غيره من رافعي لواء مواجهة العدو الإسرائيلي. هذا قد ينطبق على طهران أيضاً في مسائل استراتيجية تتخطى مسالة السلاح الكاسر للتوازن والذي يبقى عرضة للغارات والاستهدافات الإسرائيلية. هذه الضربات تندرج في إطار التنافس بين الدول، وإن كانت تجمعها علاقات، تماماً كما هي حال التنافس التجاري والضرائبي والإجرائي اليوم بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. بمعزل عن القياس والتشبيه.
منذ سنوات، وتحديداً بعد العام 2006، يكرر الإسرائيليون تهديداتهم بضرب حزب الله وشن حرب مدمرة على لبنان، وصولاً إلى ضرب العمق الإيراني. تبقى هذه التهديدات في إطار الحرب الكلامية، وربما تأتي في إطار منح المشروعية لـ”عدوّيها”، إذا ما أراد المرء الاعتداد بما تقوله الصحافة الإسرائيلية والمسؤولون الإسرائيليون الذين توّج مواقفهم قبل أيام أفيغدور ليبرمان، حين اعتبر أن لا قواعد عسكرية إيرانية في جنوب سوريا. وهو موقف يتماهى إلى حدّ بعيد مع موقف الأسد والموقف الإيراني.
أوصل الإسرائيليون العرب إلى التناتش والتنافس بشأن من يتبنى وجهة نظر إعلامهم أكثر، ومن يستند إلى دراساتهم وتقاريرهم أكثر. يستشهد السيد حسن نصرالله كثيراً في الصحافة الإسرائيلية وبكلام المسؤولين هناك، وطبعاً في السياق الذي يخدم وجهة نظره. وخصومه يتحّينون الاستفادة مما يرد في الكتابات والخطابات الإسرائيلية ويدين حزب الله أو محوره. وهذا ما فعلته هآرتس مؤخراً. الثابت هنا، هو تحوّل إسرائيل إلى محور قضايا المنطقة، ومنبع التحولات السياسية فيها. فإيران إذا ما ضيق الخناق عليها، تلجأ إلى التهديد بهز الأمن الإسرائيلي، والعربي إذا ما أحرجت في مكان، تلجأ إلى التنازل لإسرائيل. يختلف العرب في تفسير مضامين المواقف الإسرائيلية، فيما تجتمع إسرائيل على الكسب، أمنياً وعسكرياً واستراتيجياً من إيران وممانعتها، وسياسياً من الأنظمة العربية الأخرى.
ما نشرته هآرتس، لا ينفصل عن سلسلة أحداث وتطورات تحصل في المنطقة. نقطة الانطلاق في الجنوب السوري وما سيجري في درعا، وصولاً إلى صفقة القرن، مروراً بتسوية جنوب لبنان وترسيم الحدود التي كانت محور التباحث بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو والرئيس سعد الحريري، واتفق خلال الاتصال على متابعة البحث بشكل عملاني أكثر من خلال زيارات متبادلة بين البلدين، للاسراع في حلّ النقاط العالقة برياً وبحرياً. والأهم أيضاً أن ما نشرته الصحافة الإسرائيلية، لا يتعارض مع ما قاله وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل قبل أشهر، بأن لا إشكال وجودياً مع إسرائيل. لربما باسيل لم يكن ينطلق من خلفيات “قومية لبنانية” أو يعود إلى منطق إنعزالي، بل ربما كان يتحدّث باسم المحور، أو يستشرف ما سيصل إليه هذا المحور، المهتم بإعادة تأهيل حلقة محورية فيه وهي سوريا والتي يُعاد تعويم نظامها، لقاء تمرير سلس لصفقة القرن. الأيام المقبلة، حبلى بالمفاجآت الإسرائيلية.

منير الربيع 

المصدر: المدن