مخيم الركبان خلال العام 2022: 3 أطفال فقدوا حياتهم في ظل الواقع الصحي الكارثي.. ونحو 1000 شخص غادروا نحو “المجهول” مع استمرار الحصار الخانق من قبل النظام والروس والإيرانيين

يقطن النازحون السوريون في خيام متنقلة لا تقيهم الحرّ ولا البرد القاسي، ما أجبر البعض على بناء أكواخ لمجابهة العوامل الطبيعة السيّئة.. إنّهم سكان مخيم “الركبان” المنسي الواقع عند مثلث الحدود العراقية – الأردنية – السورية، في منطقة صحراوية قاحلة.
سكّانه يعتبرون أنفسهم عالقين مابين الحياة والاعتقال الاختياري، يعانون في صحراء قاحلة من أجل البقاء، هم سكان المخيم “الركبان” المنسي، يتعايشون مع واقع سيّء يحوم حوله الجوع والخصاصة والحاجة.
يكابد سكان المخيم مرّ العيش وقساوته في بلد مقسّم يعيش أغلب سكانه بين مخيمات النزوح ودول اللجوء ويصارعون الجوع في مكان تنعدم فيه الخدمات الأساسية والمعيشية بين خيارات معدومة، تضعهم أمام إجبارية العيش في ذلك المخيم الذي تنعدم فيه الحياة في ظل حصار المخيم من قبل النظام والروس والإيرانيين أو الخروج نحو مناطق نفوذ النظام دون وجود أي ضمانات والكثير منهم من تعرض للاعتقال بعد خروجه وليس ذلك بحسب بل منهم من قضى نحبه تحت التعذيب في معتقلات النظام الأمنية.
أكثر من 8000 سوري يعيش في المخيم الذي تناساه العالم وباتت المساعدات الإنسانية عبارة عن مساعدات موسمية وسط حصار مستمرّ من قبل القوات آنفة الذكر ومنع إدخال المواد الأساسية والمستلزمات المعيشية وعدم قدرة قوات التحالف التي يقع ضمن نفوذها عن تقديم المساعدات.

167 عائلة غادرت المخيم في 2022
وللهروب من ذلك الواقع المأساوي، تحاول شهريا بمعدّل مابين 3 و15 عائلة الخروج، حيث بلغ عدد العائلات التي غادرت المخيم في العام الحالي 167 عائلة، أي مايقدر بـنحو 1000 شخص، وفق إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان، وذلك نتيجة سوء الخدمات وانعدامها أحيانا وكارثية الوضع الطبّي في ظل الحصار المتواصل من قبل الروس وقوات النظام والميليشيات الإيرانية.
ورصد المرصد السوري لحقوق الإنسان، في إطار عمله خروج العائلات على هذه الشاكلة شهريا:
– شهر كانون الثاني: خرجت 11 عائلة أفرادها من القريتين وتدمر وعشيرة النعيم وعشيرة بني خالد.
– شهر شباط: خرجت 7 عوائل أفرادها من تدمر وعشيرتي النعيم وبني خالد، بالإضافة إلى خروج 7 شبان.
– شهر آذار: غادرت 10 عوائل أفرادها من تدمر وعشيرتي النعيم وبني عز.
– شهر نيسان: خرجت 24 عائلة أفرادها من مهين وتدمر والقريتين وعشائر بني خالد والسبعة والعمور والنعيم، بالإضافة إلى خروج 19 شابا.
– شهر أيار: خرجت 29 عائلة أفرادها من سلوك وتدمر ومهين وعشائر المشارفة وبني خالد والتركي والعمور.
شهر حزيران: غادرت 9 عوائل أفرادها من القريتين ومهين وتدمر وعشيرتي بني خالد والعمور.
– شهر تموز: خرجت 13 عائلة أفرادها من حلب وتدمر والقريتين ومهين ودير الزور وعشيرة الجحيشات، بالإضافة إلى خروج طفلين و5 شبان.
– شهر آب شهد خروج 20 عائلة أفرادها من تدمر ومعين والقريتين ودير الزور وعشائر الفواعرة وبني خالد والعمور.
– شهر أيلول: خرجت 26 عائلة أفرادها من تدمر وعشائر العمور وبني خالد
– شهر تشرين الأول: خرجت 15 عائلة أفرادها من مناطق سورية متفرقة.
– شهر تشرين الثاني: خرجت 3 عوائل فقط، بينما لم يشهد شهر كانون الأول أي عمليات خروج.

الأطفال ضحية الأوضاع الكارثية
ويتواصل الحصار اللا إنساني الذي يطبقه النظام السوري وحلفائه على مخيم “الركبان” المنسي منذ أكتوبر 2018 بدعم من موسكو أمام مرأى العالم، حيث عمد إلى قطع جميع الطرقات المؤدية إليه، وتشديد الرقابة عليه من قبل قواته والشبيحة، وتضاعفت معاناة سكانه خاصة من الأطفال الذين تضرروا بشكل مضاعف نتيجة الوضع المزري من جميع النواحي، ولم تكن وفاة الطفلة “أشواق” البالغة من العمر 3 سنوات في كانون الأول من العام الجاري بسبب انعدام وجود الكوادر الطبية المختصة وشح الأدوية ، سوى أمر عادي لدى المتلاعبين بحق البشر في الحياة التي تضمنها قوانين حقوق الإنسان، ولم تكن حادثة فقدان الفتاة للحياة بسبب مرض التهاب السحايا درسا لأي طرف، ولو تحركت الضمائر لما ماتت الرضيعة “يقين عيسى” في تشرين الأول، بعد آلام رافقتها منذ ولادتها ومعاناة عجزت أسرتها عن التعامل معها بعد أن تمت مصادرة حقها في العيش ومنعها من الخروج من ذلك السجن لتلقي العلاج في مناطق النظام.
وفي شهر آب، توفي طفل 6 أشهر وهو من أبناء مدينة تدمر، نتيجة إصابته بالحمى مع انعدام وجود الأدوية في مخيم الركبان.
وأكد والد الطفل في حديثه مع المرصد السوري، بأن طفله عانى من ارتفاع حرارة والإسهال، دون أن تتمكن عائلته من خفض درجة حرارته اعتمادا على الكمادات والأقمشة المبلولة بالماء، دون جدوى، في ظل فقدان الأدوية بالمخيم.
ويضيف والد الطفل بأنه عجز عن إسعافه إلى خارج المخيم بسبب الحالة المادية السيئة، حيث طلب منه أحد السائقين مبلغا مقداره 800 دولار أمريكي، لإخراج الطفل من المخيم، في حين أكد والد الطفل أنه عجز عن تأمينه.
صرخات الأطفال لم تحرك ساكنا لضمائر ونفوس اختارت منطق القوة وطريق الموت والدم لقمع شعبها، ولن تكون هذه القصص المأساوية ختام المآسي التي وجب ذكرها وإيصالها إلى العالم لعله يفقه ويسمع ويستجيب لمعاناة قصص الرعب التي كانت تشاهد في قاعات السينما وباتت مشاهد واقعية تتلذذ الحكومات والأنظمة الشوفينية القمعية بمشاهدتها.. إنه فيلم تدار أحداثه في صحراء سورية، أبطاله بشر لا تربطهم ببلدهم وأرضهم غير هوية وطنية وانتماء بالفطرة، فأي حب لوطن دمر أطفالَه الجوعُ والعطش والمرض والخوف والقهر والقمع والموت؟!
في مخيم “الركبان” يُخير القدر الأمهات بين أن تنجبن ويتعذب أطفالهن بالمرض والخصاصة أو أن تبدأ معاناتهن منذ حملهن، ولم تكن قصة المرأة السورية التي فقدت جنينها في شهر حزيران نتيجة الأوضاع الصحية الصعبة وغياب الأطباء والمراقبة لحملها، غير نقطة صغيرة من عشرات قصص الحوامل هناك اللواتي يذقن المر مضاعفا: مر الخوف على فقدانهن حياتهن بسبب حرارة أو نزيف مفاجئ بسبب انعدام التغذية الصحية والراحة النفسية أو فقدانهن جنينهن بعد أشهر من المعاناة والتحمل.. قصص واقعية -وليست أفلام رعب- ينقلها المرصد السوري لحقوق الانسان بكل موضوعية وبتجرد، بغاية دغدغة هذا الضمير العالمي لفك حصار أشنع من حصار كوبا، حصار الجوع والقمع والموت.
لا شيء يضاهي حياة آمنة ومستقرة بعيدا عن الرقابة والقمع.. أحلام معلقة على أبواب مخيمات النزوح واللجوء التي أصبحت بيوت ملايين السوريين، فأي عالم هذا الذي يتلذذ بقهر امرأة ملتاعة وبكاء رضيع جائع تخلط له أمه الماء بالحليب؟.. أي عالم ينام وأطفال يفترشون التراب بردا وحرا ويشربون من حفر تمتلئ من مياه الأمطار.. إنها مآسي سيذكرها التاريخ على قسوتها بتفاصيلها السيئة والمؤلمة، إنه تاريخ مظلم أبطاله بين المعتقلات والمخيمات يكابدون وينتظرون الموت.
ليس الجوع فقط يقتل أطفال سورية وشعبها، وحتى الجهل نوع من القتل والموت، لا أحد يهتم لعشرات الأطفال في مخيم “الركبان” ظلوا سنوات طويلة محرومين من حقهم في التعلم بسبب الأوضاع الصعبة، حيث سينعكس الحرمان من التعليم بشكل كبير على مستقبل هؤلاء البراعم، بعد تسرب عدد كبير منهم إلى العمل لتأمين لقمة العيش، كما يلجأ الكثير من أطفال المخيم إلى البحث عن مواد تصلح لإشعال النيران سواء أكانت للتدفئة أو للطبخ مضطرين إلى هجر المدارس..
وبرغم ذلك حاول الأهالي في المخيم بناء مدارس من الطين حتى يتمكن أبناؤهم من إكمال دراستهم ، وتنعدم صلب هذه المدارس من الطين وسائل التدفئة فضلا عن دخول مياه الأمطار إلى داخل الصفوف.
وبرغم تلك المعاناة يسعى السكان إلى مساعدة بعضهم ومساندة أطفالهم لتعلم حتى الأبجديات خوفا من خلق جيل كامل جاهل وأمي، علما أن مهمة توفير المساعدات الإنسانية وبناء المدارس في المخيمات مهمة المنظمات الدولية التي تتحدث عن أهمية مساعدة الإنسان للعيش والنمو وتوفير أبسط متطلبات الحياة، إلا أن ذلك بات غائبا في مخيم “الركبان” المنسي في الصحراء وعديد المخيمات العشوائية في سورية، في حين أن سكان المخيمات لا تنقذهم البيانات والمساندات بقدر حاجتهم إلى دعم حقيقي للخروج من هذا الوضع، وهذا الدعم يبدأ من تنفيذ القرارات الدولية وإعادة الأعمار حتى يعودوا إلى ديارهم ويبدأوا حياة أخرى لطي صفحة عقد مرير ثقيل من العذاب والقهر.

وضع مأساوي كارثي
يعيش سكان مخيم “الركبان” المنسي أوضاعا صعبة بفعل الحصار حيث بات عبارة عن سجن في قلب الصحراء السورية، خاصة مع غياب توفير أساسيات الحياة من مأكل وملبس ومياه صالحة للشراب وأدوية، حيث يجد الأهالي أنفسهم عاجزين عن توفير القوت اليومي خاصة مع صعوبة وصول المساعدات من قبل المنظمات الدولية إلى المخيم، وما زاد الأمر سوءً كثرة الأمراض كالكوليرا والحمى والإسهال والفيروسات بسبب التلوث ومياه الصرف الصحّي وضعف وجود إطارات شبه طبّية وطبيّة لعلاج المرضى وتوفير الأدوية.
من المشين الحديث عن مكان ما في هذا العالم يصعب فيه وصول الإمدادات الطبّية إلى الناس وبخاصة الفئات الهشة في تخلٍّ واضح عن أولئك الذين أجبرتهم الحرب على الهجرة والنزوح، مجبرين لا مخيّرين.. ومن المشين حقا أن يرى العالم رضيعا في مكان ما تعجز أمه عن توفير الحليب بسبب ارتفاع الأسعار أواستحالة توفيره.

بطالة وفقر
وزاد ارتفاع نسب البطالة في المخيم وانعدام فرص العمل من مآسي النازحين الذين يعانون جراء ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب مصادر الرزق في تلك الصحراء القاحلة، وحتى من اختار مغادرة المخيم للعمل قد لا يعود إليه أبدا، فالخروج منه نتيجته اعتقال أو قتل أو اختفاء أو الإجبار على الالتحاق بجبهات القتال.
وبرغم اشتداد الأزمة الإنسانية ونفاد المواد الضرورية لا يزال المجتمع الدولي غير متفاعل بتلك القوة التي تفاعل بها في القضية الأوكرانية أو غيرها لإيقاف مآسي سكان هذا المخيم المنسي الذي كان يضم عشرات الآلاف حتى عام 2018 وظلّ فيه اليوم 8000 تقطعت بهم سبل الحياة والمعيشة ولم يجدوا طريقا لمغادرته لتحسين وضعهم.
هذا المخيم الذي يعتبر قاطنوه محتجزين تغيب فيه مقومات الحياة البسيطة حيث تحرم المنظمات الحقوقية من الوصول إليه لصعوبة التضاريس أوّلا إلى جانب تمركز المليشيات والشبيحة المكلفة بالاستيلاء على المساعدات القادمة إلى هناك.
ولا يفوتنا أن نُذكّر بأن أعدادا من القاطنين بالمخيّم يفضّلون البقاء برغم الظروف المأساوية خوفا من الاعتقال والتعذيب حين المغادرة والخوف من الضياع والعجز عن تأمين أدنى مقومات الحياة خاصة في ظلّ الانهيار الاقتصادي غير المسبوق الذي تعيشه سورية اليوم.
ولطالما تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن محاولات التضييق على سكان المخيم لإجبارهم على مغادرة المخيم إلى مناطق سيطرة النظام علما أنّ أغلبهم ملاحقون أمنيا وعسكريا.
ونتيجة الظروف الصعبة وغياب الأكل الصحي والمياه الصالحة للشراب انتشرت عديد الأمراض الفتاكة التي كان الأطفال أوّل ضحاياها، وقد حذرت عديد المنظمات من تواصل الاستهانة بوضعية سكان المخيم المنسي وطالبت بتعجيل النظر في ملفه بمساعدة النازحين ومساعدتهم على المغادرة بضمانات واضحة حتى لا يتم التنكيل بهم من قبل أي جهة كانت.
وقد حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من استمرار النظام في منع وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المخيم وعرقلة عمل المنظمات التي بات غيابها واضحا نتيجة سياسة الضغط عليها ، وسبق أن تعرضت قوافل كثيرة كانت محملة بالأكل والأدوية لعملية استيلاء من قبل الشبيحة لبيعها في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، ما دفع تلك المنظمات الاغاثية إلى التوقف عن أداء مهامها.
ويدعو المرصد إلى تحييد الملف الانساني عن كل الصراعات السياسية والعسكرية، ويجدد دعوته لنقل الأطفال المرضى والنساء إلى دول الجوار لعلاجهم.
ويؤكد المرصد السوري على أهمية ضمان حقوق المدنيين السوريين في الركبان في الأكل والصحة والشرب، وتعزيز الجهود للمحافظة على وحدة العائلات.
كما يدعو إلى تكاتف جهود المنظمات القانونية والإنسانية ليس فقط من أجل تخفيف المعاناة والاكتظاظ في المخيمات، بل الضغط باتجاه موقف من الدول المؤثرة لإيجاد حل نهائي وجذري بالانخراط في مسار سلمي يتيح عودة المهجرين والنازحين إلى ديارهم وأراضيهم بضمانات محلية ودولية تحت رعاية المنظمة الأممية ووكالاتها المشهود لها بجهودها وحرصها على كرامة الأفراد والشعوب ، في مساعي لإنقاذ جزء من البشرية يعاني الأمرّين، في بلد دمرت الحرب مقومات الحياة وقسمته وشردت الملايين من الأشخاص في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.