مخيم الركبان.. مأساة تناساها العالم في ظل واقع مرير ضمن صحراء قاحلة لا تلد غير الموت والدمع والمأساة

المرصد السوري يطالب المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لإنقاذ 11 ألف مدني سوري تحاصرهم قوات النظام والروس

وسط ظروف معيشية وصحية قاهرة، يتعايش النازحون في مخيّم الركبان الواقع عند مثلث الحدود العراقية – الأردنية – السورية، في منطقة صحراوية قاحلة، أين يتكبدون عناء الحياة وقسوة الطقس بصيفه وشتائه، في واقع الجوع والعطش والعراء، محاصرون بين مرارة البقاء وصعوبة الرحيل إلى مناطق آمنة، إنه المخيم “المنسي” حيث تكاد تنعدم فيه جميع مقومات الحياة المادية والنفسية والصحية والتعليمية، وتتم المتاجرة فيه حتى بالمساعدات الإنسانية من قبل بارونات الفساد والإثراء على حساب بؤس البشر.
المخيّم الذي يقطنه نحو 11 ألف نازحاً سورياً يشهد وضعاً مأساويا لا بل كارثياً أمام أعين العالم أجمع وتعامي المجتمع الدولي عن هذا الملف، وهو وضع يستحقّ التدخّل العاجل لإنقاذ قاطنيه سيما في ظل الحصار الخانق والموت البطيء الذي تمارسه قوات النظام والروس.
وقد شهد المخيم خلال العام 2021، مغادرة عشرات العوائل منه بعد أن ضاقت بهم سبل الحياة ولم يعودوا قادرين على التعايش مع الوضع الكارثي في الركبان، متوجهين إلى مناطق نفوذ النظام السوري، وهو أمر لا يقل خطورة عن بقائهم، حيث يتعرضون للملاحقة من قبل قوات النظام وتم تسجيل الكثير من حالات الاعتقال، فضلاً عن إجبارهم على إجراء “تسويات ومصالحات” في حمص، علماً أن المغادرة تكون بعد دفع مبالغ مالية كبيرة لقوات النظام والميليشيات المحاصرة للمخيم.
ووفقاً لتوثيقات المرصد السوري فقد بلغ تعداد العائلات المغادرة للمخيم خلال العام 2021، 179 عائلة مؤلفة من 780 شخصاً.
حيث خرجت 17 عائلة تعدادها 95 شخصا في كانون الثاني، فيما غادرت في الشهر الثاني 15 عائلة متكونة من 66 شخصا.
و17 عائلة تعدادها 80 شخصا خرجوا في الشهر الثالث، كما غادرت 15 عائلة تضم 62 شخصا في الشهر الرابع، و14 عائلة من 51 فردا في الشهر الخامس، و17 عائلة تعدادها 81 شخصا في الشهر السادس.
في حين شهد الشهر السابع خروج 13 عائلة تعدادها 45 شخصا، فيما غادرت 14 عائلة عدد أفرادها 57 شخصا في الشهر الثامن، وخرجت في الشهر التاسع 15 عائلة مكونة من 66 شخصا، وبلغ عدد المغادرين للمخيم المنسي في الشهر العاشر 13 عائلة مؤلفة من 44 شخصا.
أما في الشهر الحادي عشر فقد تم تسجيل خروج 10 عائلات تكونت من 33 شخصا، وفي آخر شهر خلال العام غادرت 19 عائله تعدادها 100 شخص.

مخيم ذات أرض ترابية لا يتحمّل فيها ساكنه حرّ الصيف ولا برد الشتاء القارس، وأصبح مستنقعا لأودية وأوبئة في غياب وسائل التدفئة بسبب غلاء الحطب وصعوبة التنقل لأماكن بعيدة لاقتنائه، فضلا عن غلاء سعر المازوت مايضطرهم إلى استخدام الفحم الحجري من بقايا النفط المضرة أصلا بالصحة والمسبّبة في أمراض تنفسية وصدرية للأطفال والكبار، إنه مشهد من مسلسل المأساة في سورية تتكرر حلقاته يوميا على مدار أربع وعشرين ساعة في مخيمات النزوح.
تراكمات من المعاناة تحط بثقلها على سكان المخيم زادها تعقيدا إغلاق النقطة الطبّية من الطرف الأردني وهي الوحيدة في المخيّم المنسي من العالم الأصم، في ظل نقص الأدوية بل انعدامها أصلا في أغلب الأحيان مع عدم توفّر أطباء مختصين أو مستوصف لعلاج المرضى أو ضمان نقلهم إلى مستشفيات النظام أو إلى المصحات الأردنية لتمكين أي مريض من حقّه البسيط في الحياة الذي تكرّسه المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، وهذا الحق هو الأساس الذي تقوم عليه جميع حقوق الإنسان، لكنه حق ظل مسلوبا في أغلب المخيمات ومنها مخيم الركبان.
يذكر أن المرصد السوري وثق وفاة الكثير من الأطفال حديثي الولادة في المخيم خلال العام 2021، نتيجة فقدان الرعاية الطبية والصحية، كان آخرها طفل من أبناء مدينة تدمر المهجرين والمتواجدين في مخيم الركبان، توفي بعد يوم واحد من ولادته داخل المخيم في 9 كانون الأول 2021، نتيجة حاجته للرعاية الصحية ضمن مشفى.
لم يُسلب الأهالي الحق في الحياة والمعالجة الطبّية فحسب، بل سُلب الحق في الغذاء الكافي، خلافا للقانون الدولي، وما نصت عليه المادة 25 في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تنخرط فيه سورية ضمن بقية الدول على أنه اتفاق ملزم، في حين ظل النازح يعاني الأمرّين بسبب تلاعب المافيا والمهربين بقوته وبفعل الغلاء الفاحش لأسعار المواد الغذائية الأساسية كالطحين والزيت، في ظل تفشي البطالة وعدم وجود دخل يضمن الأساسيات الضامنة للحياة بكرامة.
في ذلك السجن الكبير الذي يضمّ 11 ألف شخص تتواصل معاناة الأطفال الذين حرموا من حقّهم في الحياة والتمدرس وأصبح واقع الجهل مرّا وكابوسا مرعبا معرقلا لحياتهم المستقبلية، فهدف البقاء على قيد الحياة هو فقط ما يشغل عائلاتهم التي تسعى بقدراتها الضعيفة إلى توفير القوت اليومي، ما اضطر العشرات من النساء إلى الخروج إلى العمل في مهن كغسيل الملابس وتنشيفها مقابل مردود مادي ضئيل.
واقع مرير في صحراء قاحلة لا تلد غير الموت والدمع والمأساة، وقد صمّت آذان أغلب الدول عن سماع أنّات الأبرياء، إنسانية صارت تباع في مزاد القرارات والمناقشات في فنادق فاخرة، إنه واقع سوري فيه البقاء للأقوى وفيه الكرسي أغلى من أرواح البشر، وفيه كعكة تقسم منذ عقد من الزمن ولم تشبع جوع المتكالبين على السلطة والنهب.
ولا ينفد حبرُ القلم قبل أن نشير إلى آفة التلوث في المخيّم المنسي وانتشار الحشرات السامّة والبعوض بسبب مشاكل الصرف الصحيّ، ولا ينفد قبل الحديث عمّا خلفته جائحة كورونا من مآسي إنسانية عمّقها نقص حملات التلقيح والأدوية الضرورية لتجاوز الأزمة المستمرّة سيما مع السكن الضيق والاكتظاظ ومحدودية المعلومات والخدمات الصحية وعدم توافر نظافة صحية ملائمة ماجعله بؤرة عدوى خطيرة.
ولا يفوت التطرّق إلى معاناة النساء الحوامل بمخيم “الركبان” بلغت حدّ وفاتهن مع أجنتهن بفعل غياب متطلبات الولادة القيصرية، لا سيما بعد إغلاق النقطة الطبية التابعة لليونيسف منذ عام 2019، ما يضطرهن إلى مغادرة “المستوطنة البائسة” باتجاه مناطق النظام لتصعب بعد ذلك عودتهن إلا بعد دفع مبالغ مالية أو احتجازهن ما تسبب في تفرّق العديد من العائلات بين مناطق النظام والمخيّم، ومنهن من اختارت الولادة عن طريق قابلة تقليدية في مكان غير مؤهل للإنجاب عمّقه عدم وجود أساسيات عيش الرضيع.
والأكثر مرارة تلك الحواجز القائمة التي تحول دون حصول النازحين داخليًا والمهاجرين على خدمات الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، وصعوبة وصول المنظمات الدولية والأممية المختصة في تقديم المساعدات الإنسانية والرعاية الاجتماعية والصحّية علاوة على انتشار المليشيات والشبيحة التي تعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها وصعوبة توزيعها بسبب الاستيلاء عليها أحيانا وبيعها بالسوق السوداء.
ومع كل هذه المآسي يواصل النازحون في كل المخيمات رحلة البحث عن الدفء والعيش الكريم في تحدٍّ لرائحة الموت نتيجة المرض والخصاصة والجوع، في ظل غياب إرادة دولية لإنهاء المعاناة عبر فرض التسوية السياسية على أساس القرارات الدولية.
لن ينتهي الوجع السوري ومأساة النازحين مادام القصف مستمرا ومادام الصراع على تقسيم الكعكة وفرض التغيير الديمغرافي قائما، ومادامت أطراف عديدة تلعب على ورقة الفوضى عبر منطق السلاح والعنف.
ويشدّد المرصد السوري لحقوق الإنسان على أهمية تسهيل تقديم الخدمات والمساعدة الإنسانية في مخيم الركبان المنسي من قبل عالم يبدد مليارات الدولارات على التسلح والعسكرة، خلافا لمبادئ السلام والوئام التي تنادي بها منظمة الأمم المتحدة والقوانين والعهود الدولية المتعلقة بكرامة الإنسان وحريته وحقوقه الأساسية.
ويؤكد المرصد السوري على أهمية ضمان حقوق المدنيين السوريين في الركبان في الأكل والصحة والشرب، وتعزيز الجهود للمحافظة على وحدة العائلات.
ويناشد المرصد المرصد، المنظمات المعنية بضرورة السماح للمرضى والحالات الإسعافية لقاطني مخيم الركبان بالعلاج داخل المشافي الأردنية أو فتح مستوصف يضم أطباء مختصين داخل المخيم.
كما يدعو إلى تكاتف جهود المنظمات القانونية والإنسانية ليس فقط من أجل تخفيف المعاناة والاكتظاظ في المخيمات، بل الضغط باتجاه موقف من الدول المؤثرة لإيجاد حل نهائي وجذري بالانخراط في مسار سلمي يتيح عودة المهجرين والنازحين إلى ديارهم وأراضيهم بضمانات محلية ودولية تحت رعاية المنظمة الأممية ووكالاتها المشهود لها بجهودها وحرصها على كرامة الأفراد والشعوب.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد