مدارس منبج تنفض غبار «داعش» رغم مخاوف من عودته

25

طوت مدينة منبج صفحة مؤلمة من تاريخها التعليمي، إذ عطل «داعش» على مدى عامين العملية التربوية، ولاحق القائمين عليها كمجرمين حيث أخضعهم إجبارياً لدورات «شرعية» باعتبارهم مرتدّين شاركوا في تدريس مناهج كفر لوّثت عقول المسلمين.

يُذكر هنا، أنّ التعليم الأساسي لم يتأثر كثيراً بالأحداث السورية في مدينة منبج قبل سيطرة «داعش»، فقد عرفت المدينة فائضاً بالمعلمين، إذ نزحت أعداد كبيرة منهم الى منبج حيث كانت آمنة نسبياً مقارنة مع غيرها، وتغلبت على نقص الكتب بالاعتماد على الجمعيات والمكتبات الخاصة. يقول المدرس صالح الموسى:»لم يتدخل الثوار نهائياً بالعملية التربوية أثناء سيطرتهم، بل ساعدوا في تأمين الحماية عبر المكتب التربوي»، ولم يتدخلوا بالمناهج إلا نادراً، يتابع الموسى:»اقتصر تدخّلهم على حذف كل ما يمجّد النظام من العملية التدريسية، كما منعوا تدريس مادة التربية القومية التي تتحدث عن حزب البعث وتمجّده».

ويجد أهالي منبج اليوم، أنفسهم أمام واقع جديد بعد طرد «داعش»، بعد سيطرة قوّة لا تمثل أهل المدينة وتطلعاتهم، ويقول الناشط الإعلامي يوسف العلي من مدينة منبج: «نخشى أن تسير قسد على نهج داعش، وللأسف هذا ما نلمسه، ونشعر به، فللكرد المتطرفين الكلمة الفصل داخل قسد»، وقد بدأ ذلك فعلاً. ويشير المدرس جمال من منبج: «فاجأ الكرد الجميع بإغلاق المدارس والمعاهد الخاصة كخطوة أولى»، علماً أنها مدارس مرخصة وخرّجت أجيالاً من الأطباء والمهندسين وغيرهم. ولم يتدخل الجيش الحر بعمل هذه المعاهد والمدارس نهائياً».

ويرى أهالي منبج أنّ حيثيات المنع والإغلاق وأسبابهما أخطر من الإلغاء نفسه، فيشرح أحد المدرسين أن: «حجتهم للإغلاق هي أنّ الدستور الفيديرالي لا يسمح بالتعليم الخاص»، ويتابع موضحاً مخاوف الأهالي: «خطتهم معروفة تغيير المناهج، وطرح منهج أوجلاني، فنحن لا نعترف ولا نقبل أصلاً بدستورهم المزعوم».

ويرفض المدرسون في منبج إملاءات القوى الكردية ويهددون بالإضراب إذا لم تكفّ عن ممارساتها وتدخّلها بالعملية التربوية، ويقول عمر الأحمد من منبج: «تُقاد العملية التربوية من آنسة اسمها سهام، وشخص اسمه زنار، والاثنان من خارج منبج ولا نعرف مؤهلاتهما ولا تاريخهما تماماً كملثّمي داعش»، ويضيف:» ولا يمكننا بالتالي الخضوع لأجندتهم الضيّقة، وتربية أبنائنا على هواهم».

ويقول مواطنون من منبج، أنّ المجالس التي أوجدتها «قسد» صورية ولا عـــلاقة لأبناء البلدة فيها، ويتابعون: «عقــــدت اللجنة التربوية اجتماعاً قبل نحو شهــر وحضرته 30 شخصية من الموجهين وأعضـــاء المجلس المحلي، وصوّت 27 مع فتــــح المــدارس الخاصة، لكن ديموقراطيتهم أخذت برأي الأصوات الثلاثة المعترضة».

وتصطدم العملية التربوية بالدمار الكبير الذي لحق البنية التحتية نتيجة الحرب الطاحنة التي شهدتها المدينة، فقد دمر عدد كبير من المدارس كمدرسة عقيل بايرام، ومدرسة رمضان حجو، ومدرسة الغسانية، ومدرسة الحواتمة، ويقول الناشط يوسف العلي: «سويت مدرسة عمر أبو ريشة قبل سنة ونصف سنة، بالأرض بقصف من طيران التحالف، وكذلك لحق الدمار المدرسة الشرعية، ومدرسة الزراعة ناهيك عن تعرّض مدارس المدينة للقصف بالطيران السوري قبل سيطرة داعش».

وانعكس ذلك على الصفوف الدراسية، إذ يتراوح عدد الطلاب في كل منها بين 70 و90 طالباً. وتشرح إحدى المعلمات في مدرسة التطبيقات المسلكية: «وصل عدد طلاب الصف الأول الى 700 طالب، ووزعوا على عشر شعب، وفي الصف الثالث وصل العدد الى 90 طالباً»، وهذا يدل على رغبة الأهالي في تعليم أبنائهم، لكن الأمر يسبب معوقات للعملية التعليمية، وتتابع :»عند إحدى زميلاتي 72 طالباً، وإذا أرادت تعليمهم حرفاً واحداً فذلك يحتاج الى نصف الدوام لكتابة الحرف على دفاترهم ثلاث مرات وقس على ذلك». ولا يقتصر الأمر على أعداد الطلاب الكبيرة والدمار الذي أصاب مباني المدارس، فقد تعرضت المحتويات والوسائل التعليمية لعملية نهب ممنهجة، ويقول يوسف العلي: «حرق داعش كل السجلات والوثائق بما في ذلك شهادات الطلاب، وأقدم أيضاً على الاستيلاء على الأثاث، وتحويل بعض المدارس الى مقرات، فحوّل مثلاً ثانوية حنيضل الى محكمة شرعية».

وتعاني المدينة من فقدان الكتب لا نقصها فحسب، ويقول عمر الأحمد: «لا توجد كتب نهائياً، فقد أحرقها داعش بدعوى أنها مناهج كفرية، كما لا توجد ألواح للكتابة».

وتفتقر منبج حالياً، الى الخبرات التعليمية، فقد هاجر معظم أصحاب الخبرات من المدينة الى مناطق الثوار أو النظام أو تركيا، ولن يعود معظمهم وفق ما يرى المربي حسام الذي يتابع: «معظم من ترك منبج من المعلمين بدأ حياة جديدة، ولن يعود الى المجهول، كما سافر المدرّسون تحت 30 عاماً خوفاً من عمليات التجنيد الإجباري التي بدأت فعلياً شرق نهر الفرات». ويمكن تغطية نقص المعلمين بالاعتماد على الخبرات والكوادر الموجودة، لا سيما في حال نفذت «قسد» وعدها بدفع رواتب كل المدرسين الذين لهم مشاكل مع النظام، ويزيد يوسف العلي: «دفعت هذه الوعود أعداداً كبيرة من الناس للتسجيل من أجل التدريس.

ويشكو أهالي منبج من صعوبة تأمين القرطاسية لأبنائهم، لا سيما بعد تدهور أحوالهم المادية نتيجة الحرب والحصار والنزوح، ويقول المدرس سعد الجاسم: «غالبية أهالي منبج لا يستطيعون شراء الكتب والقرطاسية لأبنائهم باستثناء من له داعم خارجي، فالحصار والنزوح أتيا على كل مدخراتهم»، وتقول أم نوال: « أردأ حقيبة مدرسية للصفوف الأولى ثمنها 2000 ليرة سورية، وإذا كان لديك خمسة أولاد فنصف الراتب يذهب للحقائب».

ويبقى الهاجس الأمني مصدر القلق الأوّل الذي يربك العملية التربوية، فما زال كثر من المعلمين والأهالي يتخوفون من عودة «داعش»، ويقول المدرس مصطفى: «نخشى حقيقة عودة داعش، فقد خضعنا لدورات استتابة، وعودتنا للتدريس تعني ردتنا وفق مفهوم داعش»، ولا يقتصر الأمر على «داعش». فالمعلمون يتخوفون من ارتباطات «قسد» الأمنية مع النظام، ويخشون تسليم منبج له لاحقاً، ويتابع مصطفى: «يلاحظ الجميع ميلاً واضحاً من قسد نحو النظام، لا سيما بعد تعهّدها إيصال الرواتب من حلب النظام الى منبج.

ولا تغيب هنا المعارك التي تلوح في الأفق بين فصائل الجيش الحر و»قسد»، فالفصائل لن ترضى أن يحكم الكرد منبج، ويقول المربي تيسير: «هذا ما يفسر تساهل قسد نوعاً ما مع أهالي منبج، إذ تحاول عبثاً خلق حاضنة شعبية»، لكن الحرب مهما كانت ستترك أثراً في سير العملية التربوية.

ويبدو وضع منبج التعليمي ممتازاً مقارنة مع ريفها، ويقول معتز العلي: «صحيح أن عجلة التعليم لم تنطلق بعد في منبج، لكن مقومات انطلاقها موجودة، أما الريف فلا عودة في الأفق القريب لانطلاق عجلته».