“مزار الدُّب”.. ميشيل كيلو روائياً

كثيرون منّا عرفوا المناضل والكاتب السياسي السوري ميشيل كيلو (1940 ــ 2021) حكّاءً وهو يروي، في مقابلة مع الإعلامية زينة يازجي، إحدى أكثر القصص تأثيراً في الوجدان السوري، ذلك لأنّها حكاية تلتصق بمصير البلد كَكُلّ وتشبهه. وهي حكاية طفلٍ وُلد في الزنزانة، لا يعرف ما هو العصفور ولا ما هي الشجرة، وليس من المبالغة القول إنّه لا يعرف حتى ما هي السماء. حكاية تُعيد إلى الأذهان قصّة فيلم أمير كوستوريتسا، “تحت الأرض” (1995)، في مشهد الشاب الذي يرى الشمس للمرة الأولى، وهو الذي وُلد وعاش تحت الأرض؛ فيما والده يطلب من السائق أن يأخذه إلى يوغسلافيا، ليخبره السائق أنّ يوغسلافيا، بلده، لم تعد موجودة. يمكن لهذه الحكاية المؤثّرة، القادمة من عالم السينما، أن تحدث بالضبط في سورية.

تُصدّر ابنةُ الراحل روايةَ “مزار الدُّب”، الصادرة حديثاً عن “دار الجديد” في بيروت، بمقدّمة عن حسرة المخطوط الضائع والوطن الضائع بالنسبة إلى كيلو. ذلك أنه كتب هذه الرواية بين عامي 1988 و1990، ثمّ يبدو أنّها فُقدت في ظروف لا تذكرها ابنة الراحل التي عثرت عليها بعد وفاة أبيها بشهور. إذاً، كتب كيلو روايته الأولى في سنوات نشر الأعمال الأولى لروائيّين سوريّين بارزين من أمثال ممدوح عزام وفوّاز حداد. ويُقارب ميشيل كيلو في الرواية، التي تركها مخطوطاً، بيئة الأرياف السورية مقاربةً تؤكّد لقارئهِ كم أبعده النضال السياسي عن مساره الأدبي ــ ولو أنّ روايته بذاتها تدور في فضاء الحكاية السياسية.

بالنسبة إلى كاتب لم يعهده القارئ إلّا كاتباً سياسياً، تُلقي السياسة ظلالها على قرّاء عمله الأدبي. لكنّ “مزار الدُّب” روايةٌ في النهاية، وليست مجرّد مخطوط ضائع. وهي تطبيق مثاليّ لمقولة الروائي هاني الراهب (1939 ــ 2000)، أحد أكثر المجرّبين في الرواية السورية، في حديثه عن خصوصيّة بيئة الأرياف السوريّة، إذ رأى أنّ الواقعية السحرية تُتَرجَم محلّياً بالحديث عن المزارات. رواية ميشيل كيلو بالفعل روايةٌ عن المزارات، وهي بذلك محاولة لكتابة واقعيّة سحريّة باستخدام مفردات البيئة المحلّية عبر الحديث عن الينابيع التي تنتقل من أماكنها، وعن تحوّل الكائنات، كالصبيّة الجميلة التي تتحوّل إلى ضبعة. وهذه تحوّلاتٌ ضاربة في القِدم، قرأناها في كتاب الشاعر أوفيد: “التحوّلات”. فالضبعة التي صارت إليها الصبية ليست حيواناً من غير تفكير أو ألم، وإنّما تُعاقبها إرادةٌ غيبيّة لأسباب لا يوردها كيلو، باستثناء جَمالها.

تترك الضبعة ابنتها عند أحد الفلّاحين، وتطلب منه، إلى جانب الاهتمام بابنتها، أن يتصدّق بقارورة زيت باسمها على مزار الشيخ يحيى، كي يرأف بحالها ويرفع عنها اللعنة. هذه تفاصيل، لو بدت هامشيّة، إلّا أنّها تَخرج من بيئة الريف السوري نقيّةً وتمتدّ جذورها إلى الإغريق. أمّا عن المولودة كلثوم، فهي أيضاً مثالٌ عن النّساء الساحرات اللواتي يصنعن بجمالهنّ تاريخ شعوبهنّ.

تصلح رواية كيلو أن تكون دراسةً في أدبياته. بالتالي، لن يكون مُفاجئاً معرفةُ أنّها تتحدّث عن الاستبداد، وعن الاستبداد الذي يأخذ طابعاً دينيّاً بصورة خاصّة. فالقائد الملهم في قرية مزار الدُّب ليس سياسياً أو سليل عائلة حاكمة، وإنّما هو شيخ، وفي حقيقته هو دجّال. النّص حكايةُ اختطاف القرية، التي ينجزها الدجّال بمساعدة عدد من الأتباع، وهم أتباع بالقدْر الذي منحهم إيّاه من الصلاحيات والسلطات على الآخرين من بشر وحجر وأشجار.

أمّا عن انتكاس البشر أنفسهم وخضوعهم اللامعقول، فقد رتّب ميشيل كيلو لذلك بدراية السياسيّ، وكانت له ــ عندما كتب مخطوطَه ــ جولاتٌ في المعتقلات وفي العمل والتنظير السياسي وترجمة الكتب الفكريّة، إلى جانب معايشته عن قرب ومعرفته لتفاصيل حياة الأهالي في قُرى اللاذقية، حيث نشأ. الأمر الذي جعل عملية اختطاف القرية أشبه بإرشادات لصناعة الخنوع وقهر الناس. لكنّ كيلو، بالمقابل، وبحساسيّة فنّان، جعل الجَمَال محرّك الأحداث؛ جَمال كلثوم، التي تخطف قلوب أهالي القرية بسحرها وبمأساة الاختفاء الغام  ض لوالدتها. الاختفاء الذي أحالته عجائز القرية إلى أسطورة ضبعة تسكن المغارة بين الصخور.

تختفي كلثوم أيضاً ضمن حبكة أشبه باللغز، وتتناوب المصائب على أهل القرية مدّة ستة أيام، حيث تغزوهم الذئاب والأفاعي، فهم متاخمون للبرّية، أو، بالأحرى، البرّية هي موطنهم. ثمّ تظهر كلثوم، وينقذها الشيخ حمدان باشتراط الزواج منها. ويُقصي بفعلتهِ البطولية ــ بالنسبة إلى الأهالي ــ تيّاراً آخر في القرية، هو تيّار مُعارضيه، بائسي النهايات. إذ يسيطر الشيخ حمدان على أهالي القرية تدريجياً عبر محو ذاكرتهم، وإعادة تشكيل علاقاتهم، كما لو أنّ الولاء المتجدّد أو الذي يُجدّد نفسه بصورة أبديّة، يفترض لدى كاتب سياسي، مثل كيلو، غياب الذاكرة. فالأحلاف تتغيّر وأعداء الأمس هم أصدقاء اليوم، أو العكس. ثمّ نكتشف أنّ الشيخ حمدان هو مَن خطف كلثوم منذ البداية، وهو مَن مَثّل إنقاذها، وهو أيضاً مَن أفنى جمالها.

رواية ميشيل كيلو نصٌّ كاشف، نقرأه اليوم بانزياح زمني يُقارب الثلاثة عقود. وهي بمثابة الحدث المتأخّر بمقدار تأخُّر اكتشافه. فالكاتب تناول الريف السوري تناولَ الواقعية السحرية من جانب، ومن جانب آخر أظهرَ واقعَ قهْر الإنسان وجعْلِه خانعاً بأقسى الصور.

في الرواية صفحة مفقودة، تذكّرنا أنّه مخطوط مُستعاد من زمن ما قبل الثورات، على الرغم ممّا فيهِ من وعي بما يحرّك الجماعات، وهو في “مزار الدُّب” وعيٌ جماليّ، وكأنّما المجموعة، التي تعيش هناك، كانت تبحث عمّن ينقذ الجَمال كقيمة. الأمر الذي أودى بمصائرهم أمام العصابة التي تحكمهم. لكنْ، ماذا يكون الجَمال إن لم يكن سعياً للحرّية؟ حرّية الاعتقاد والتفكير والرأي. كان كيلو مثالاً لكلّ هذا، وهو في سرديته المُستعادَة لم يَحِد عمّا عرفه متابعوه من مواقف وآراء، خصوصاً قبل أن تنهار ــ مع انتكاس الثورات ــ كلّ جماليّة كانت مرتقبة.

المصدر: العربي الجديد