مسار أستانة واتفاق سوتشي في إدلب مستمرّان

25

أعلنت موسكو، خلال زيارة نتنياهو للكرملين آخر شهر فبراير 2019، عن إنشاء مجموعة عمل بشأن سوريا، تضمّ إسرائيل، وتسعى لضمّ دول عربية إليها. مهّد ذلك لزيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى قطر والسعودية والكويت، تليها إلى الإمارات. وتمهّد هذه الزيارة بدورها إلى زيارة تاريخية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المنطقة خلال العام الحالي.

دفعت هذه المستجدات المحللين إلى التكهن برغبة روسيا بالبحث عن بدائل لتحالف أستانة، ورغبتها بانهيار اتفاق سوتشي في إدلب، مع استمرار التصعيد العسكري للنظام السوري. لكن هذا التصعيد الذي بدأه النظام على ريف إدلب الجنوبي والجنوب الشرقي منذ بداية فبراير الماضي، توقف الجمعة بقرار روسي، بعد تنسيق جديد مع الأتراك على استكمال تطبيق بنود اتفاق سوتشي، المنعقد في 17 سبتمبر الماضي بين تركيا وروسيا، والخاص بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في ريفي إدلب وحماة، وبعمق 15 إلى 20 كيلومترا.

إيقاف القصف بقرار روسي يعني أنه بدأ أيضا بقرار وإرادة روسيين، رغم أن هدف النظام السوري، ومن خلفه إيران، غير المشارِكة في سوتشي، هو خرق الاتفاق وخلط الأوراق في إدلب، استعدادا لعمل عسكري لاستعادتها، كونها المنطقة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة المدعومة من تركيا؛ بينما كان هدف روسيا إحداث ضغوط شعبية، ومن الفصائل، على تركيا، للمفاوضة على وقف القصف، وتسيير دوريات تركية وروسية على طرفي الحدود بين النظام والمعارضة، تمهيدا لفتح الطريقين الدوليين الرئيسيين، دمشق- حلب واللاذقية- حلب، الضروريين لإعادة الحياة الاقتصادية إلى مدينة حلب.

بدأ تطبيق تنسيق جديد روسي- تركي، بتسيير دوريات تركية في نقطتي عندان والعيس، ونقطة دارة عزة في ريف حلب؛ وكل دورية هي عبارة عن سيارتين مصفّحتين برفقة سيارتين من فيلق الشام، تقوم يوميا بثلاث جولات ذهابا وإيابا بين نقاط المراقبة، ومزوّدة بأجهزة رصد لتبليغ الروس بمواقع القصف، والذين بدورهم يسيّرون طائرات استطلاع، وينشرون دورياتهم على الخط المحاذي في مناطق سيطرة النظام.

إذن، هذا ما كانت تريده روسيا من استمرار التصعيد لأكثر من شهر على جرجناز وخان شيخون ومعرة النعمان، والذي تسبب بقتل المئات من المدنيين، وتهجير أكثر من 100 ألف مدني؛ فقد يكون استكمال التنسيق الجديد بتأمين حماية تركية وبرفقة فيلق الشام المدعوم من أنقرة، استعدادا لفتح طريق حمص- حلب الدولي.

إدخال تركيا لفيلق الشام ضمن دوريات المراقبة له دلالات كبيرة، على صعيد تشكيل أمر واقع في المنطقة، على هيئة تحرير الشام قبوله، في خطوة تشكل ضغطا كبيرا وتحديا للهيئة، التي روّجت في الفترة الأخيرة لسيطرتها على كامل المنطقة، عبر حكومة الإنقاذ التابعة لها، مع صمت بقية الفصائل المعتدلة.

ومع اتضاح النوايا الأميركية شرق الفرات، بالبقاء، وبعدم رغبتها في إشراك روسيا والنظام في المنطقة الأمنية، والتنسيق مع الأتراك حولها بدلا من ذلك، تضغط روسيا لحلّ ملفّ إدلب، وهو ما بدا واضحا في تصريحات لافروف الأخيرة في الكويت، بأن “اتفاق سوتشي حول إدلب لم ينفّذ بحذافيره”؛ لذلك تريد موسكو من أنقرة الإسراع في حلّ المعضلة الجهادية.

تواجه تركيا متاعب في تنفيذ خطتها بشأن حلّ هيئة تحرير الشام، وإشراك عناصرها السورية ضمن الفصائل المعتدلة؛ فقد شهدت الهيئة انشقاقات المتشددين وانضمامهم إلى تنظيم حراس الدين؛ وهي ما زالت تفضّل التعامل مع ملفّ الجهادية بروّية، منعا لفتح تصعيد في المنطقة يتسبب في عمليات نزوح كبيرة لا تحتملها.

تتمسّك الدول الضامنة بتحالف أستانة، وكل له أسبابه المختلفة عن الآخر؛ فطهران تربط مصير بقائها في سوريا ببقاء الأسد، وتعلن بأنّ لها ديونا في سوريا، وعليه الإيفاء بها، وهي متوغلة عسكريا وسياسيا في قرارات النظام، ولن تتنازل بسهولة عمّا صرفته في سوريا لمصلحة روسيا، لذلك استدعت الأسد إلى طهران الأسبوع الماضي، في ردّ واضح لنسف إمكانية تنسيق روسي- إسرائيلي- عربي، يُخرجها من اللعبة.

وتربط أنقرة حصّتها في سوريا برعايتها للمعارضة المسلّحة في الداخل السوري، والمعارضة السياسية في تركيا؛ وبالتالي تتمسك روسيا بالحلف مع تركيا لإخضاع هذه المعارضة وقبولها بالحل الروسي، في حين أن حلّ مخاوفها الأمنية شرق الفرات مرهونٌ بالتنسيق مع واشنطن.

وتريد موسكو التفرّد بالقرار السوري؛ وهذا يوجب عليها العمل في ملفّات منفصلة: تنسيق دائم مع واشنطن، وهو ما أكده لافروف مؤخرا في الكويت، حيث تدرك موسكو أن اعتراف واشنطن بأحقيتها في السيطرة على سوريا مشروط بالتخلي عن الحليف الإيراني، وبإجراء تغيير سياسي في النظام تفرضه العقوبات الأميركية عليه، والملاحقات القضائية دوليا لأركانه، وتنسيق مع إسرائيل حول فتح الأجواء السورية لها لاستئناف قصف المواقع الإيرانية على الأراضي السورية. إلى جانب محاولة موسكو أيضا فتح ملفات التطبيع مع النظام وإعادته إلى الجامعة العربية، وملف إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين.

لذلك خطت موسكو منذ أشهر خطوات كبيرة مع دول عربية، ما سيحدّ من النفوذين التركي والإيراني، لكن ذلك توقف بسبب فرملة الولايات المتحدة لها. وتسعى موسكو مجددا إلى عقد هذا التحالف، بسبب حاجتها إلى الأموال الخليجية، إضافة إلى الأوروبية، وربما الصينية، من أجل المضي في مشاريع إعادة الإعمار، وحصد غنائم احتلالها لسوريا، وهو الهدف الأساسي لتدخلها العسكري في خريف 2015.

وخارج سوريا، ترتبط الدول الضامنة بعلاقات تجارية هامّة، تزيد من فرص استمرار تحالفها في سوريا؛ فأنقرة لم تلتزم بعقوبات البيت الأبيض على طهران، بسبب حاجتها إلى النفط والغاز، وتسعى إلى رفع حجم التجارة بينهما إلى 30 مليار دولار، حيث يلوح التكامل في اقتصادي البلدين.

في حين أن الميزان التجاري بين موسكو وأنقرة حقق فائضا لصالح روسيا في 2017 بقيمة 16.8 مليار دولار، كما أن 50 بالمئة من واردات الطاقة التركية تأتي من روسيا، ووصل عدد السياح الروس إلى تركيا 3.5 مليون شخص عام 2017؛ وهناك مشاريع قيد الإنشاء في تركيا، كخط الغاز الطبيعي (السيل التركي)، ومحطة (أقويو) للطاقة النووية، وصفقة شراء منظومة صواريخ أس- 400 الروسية، رغم معارضة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لها.

رانيا مصطفى
المصدر: العرب

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.