مستغلة حالة العوز والفقر لدى أهالي مناطق غرب الفرات.. “الـ ـمـ ـيـ ـلـ ـيـ ـشـ ـيـ ـات الإيرانية” تتعمد غسيل الأد مـ ـغـ ـة لتنفيذ مخططاتها عبر نشر مذهب “ولي الفقيه”

منذ سيطرة قوات النظام مع الرّوس والإيرانيين على مدينة دير الزور والأجزاء الواقعة جنوب نهر الفرات من ريفها أواخر عام 2017، والحرب على النفوذ في المنطقة مستعرة بين الجانبين الإيراني والروسي، حيث يتّخذ كلّ منهما فيها وسائل مختلفة تتّسق غالباً مع طريقته في العمل.

فبينما يحاول الجانب الروسي بسط سيطرته على المواقع النفطية والمقرات الحكومية والإدارية الأساسية، إضافة إلى القطعات العسكرية النظامية ضمن التراتبية الرسمية لجيش النظام، ركّز الإيرانيون على استمالة شيوخ العشائر وبناء الحسينيات والمعاهد الدينية التبشيرية ذات الجهود الإغاثية، مع نشر الميليشيات غير النظامية التابعة بشكل مباشر أو شبه مباشر لـ”الحرس الثوري الإيراني” وتجنيد الأهالي فيها مقابل رواتب مغرية نسبياً، بغية تحويل قاطني المنطقة إلى التشيّع المذهبي ومن خلفه السياسي.

وتعتبر المليشيات التابعة لإيران هي أبرز المليشيات الموجودة في المحافظة حيث تلعب دوراً مهما في تثبيت أقدام النظام وزيادة النفوذ الإيراني على الأرض.

وفي منتصف عام 2018، افتتح “الحرس الثوري الإيراني” في مدينة ديرالزور في حي القصور “المركز الثقافي الإيراني”، والذي يشرف عليه “الحاج صادق” وهو إيراني من مرتبات الحرس الثوري، إضافة إلى إعادة افتتاح الميليشيات عدداً من الحسينيات في المنطقة أو بنائها، أبرزها الحسينية الموجودة في موقع عين علي الأثري، والتي تحولت إلى مزار يستقبل وفوداً من “الحجاج” الشيعة من محافظات أخرى إضافة إلى العراق وإيران.

وتواصل إيران اللعب على الوتر الديني والمذهبي في منطقة غرب الفرات، من خلال استمرارها بنشر التشيّع بين أوساط الأهالي والأطفال على وجه الخصوص على غرار ما كان يفعله تنظيم “الدولة الإسلامية” سابقًا والذي كان يجند الأطفال ويغسل أدمغتهم إبان سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي السورية وذلك في إطار استغلال إيران لحالة العوز والفقر الي يعيشها سكان مناطق غرب الفرات.

أما من الناحية المعيشية فيعيش الأهالي في المنطقة الخاضعة لسيطرة قوات النظام و”الميليشيات الإيرانية” في ديرالزور اليوم أوضاعاً مأساوية، فجلّ العائدين يستنزفون مدّخراتهم في محاولة ترميم منازلهم وأماكن رزقهم، ومع ندرة فرص العمل وخسارة ريف منطقة الجزيرة كسوق اقتصادي، يجتذب التجنيد في الميليشيات الإيرانية التي توفّر رواتباً بمعدل 150 دولار للشخص، إضافة إلى إعفاء من الخدمة في جيش النظام، أعداداً كبيرة من الشباب في المنطقة، كما يجد الأهالي أنفسهم مجبرين على الوقوف في طوابير توزيع المواد الإغاثية للمؤسسات التبشيريّة الإيرانيّة للحصول على أساسيّات العيش.

كما أن الوضع الفوضويّ في المنطقة التي تشهد حرب نفوذ على طريقة العصابات بين الميليشيات التابعة للإيرانيين والتشكيلات العسكرية النظامية وشبه النظامية التي تدين بالولاء للروس، يدفع الأهالي للبحث عن حمايةٍ يجدونها في الانتساب إلى الحسينيّات والتحوّل المذهبي أحياناً، وأحياناً أخرى في إرسال أطفالهم إلى دروس المعاهد التبشيرية في المساجد والمقرّات التي تسيطر عليها الميليشيات الإيرانية

ففي 19 آذار الفائت، رصد نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن ما يسمى بـ “دار الزهراء” التابع للمركز الثقافي الإيراني، بدأ بتسجيل أسماء الأطفال لإخضاعهم لدورات عقائدية جديدة في المذهب “الشيعي” في بلدة حطلة شمالي الواقعة بريف دير الزور الشمالي والتي بات غالبية سكانها يتبعون لهذا المذهب، بالإضافة إلى افتتاح دورات جديدة بمدينة البوكمال، ويتم عمل الدورات في الحسينيات التي أنشأتها إيران في بلدة حطلة وفي مركز الحيدر الكائن بالقرب من المسجد الكبير وسط البوكمال، حيث يتم إعطاء الدورات من أصحاب “العمائم العراقيين” وتكون الدورات مغلقة بشكل كامل لمدة 30 يومًا، وبعد الانتهاء من الدورات يتم أخذ الأطفال إلى مدينة النجف في العراق ويبدأون بتسجيل الأطفال بهذه الدورات عن طريق “أبو القاسم العراقي” وهو من مدينة البوكمال وسبب اختيار اسمه للعراقي لتقربه من “أبوعيسى المشهداني” المسؤول عن ميليشيا “قوات 47” التابعة لإيران في البوكمال ونواحيها.

وفي 9 تموز، تم تخريج دفعة جديدة من الأطفال من “حسينية الإمام الرضا” تحت مسمى “موكب هيئة خدام أهل البيت” في قرية حطلة بريف دير الزور الغربي، ضمت نحو 100 طفل من الإناث والذكور، بعد خضوعهم لدورات تعليمية عن مذهب “آل البيت” حيث جرى توزيع مبالغ مالية وهدايا على الأطفال بعد الانتهاء من الدورة “المذهبية”.

وفي 27 أيلول، وزع المركز الثقافي الإيراني في مدينة الميادين بريف دير الزور الشرقي، كمية من الحقائب والقرطاسيات المدرسية على عدد من طلاب المرحلة الابتدائية في مدارس المدينة.

ووفقاً لنشطاء المرصد السوري، فإن الحقائب والقرطاسيات كتبت عليها عبارة “هدية لأصدقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، حيث شمل التوزيع بشكل خاص أبناء العناصر السوريين الموالين لـ”الميليشيات الإيرانية”، ويأتي ذلك في إطار استمرار “الميليشيات الإيرانية” تنفيذ مشاريع تهدف لنشر “التشيع” بين أبناء دير الزور.

وفي 7 تشرين الأول،، نظم المركز الثقافي الإيراني رحلات ترفيهية لمجموعة من طلاب المدارس في مناطق نفوذ “الميليشيات الإيرانية” بمدينة دير الزور، ويأتي ذلك في إطار مساعيها الرامية إلى التغلغل في مفاصل المجتمع السوري.

ووفقا للمعلومات التي حصل عليها نشطاء المرصد السوري، فإن المركز الثقافي الإيراني، قام بتنظيم على مدار يومين متتاليين رحلات ترفيهية للطلاب برفقة ذويهم، حيث تم نقلهم عبر حافلات تابعة للمركز إلى حديقة “كراميش” الواقعة في حويجة صكر بمدينة دير الزور.

وتضمنت الفعالية، نشاطات ترفيهية وسط ترديد تراتيل وأناشيد إيرانية خاصة، وتقديم مبالغ مالية ووجبات غذائية، كخطوة لكسب ولاء ذوي الطلاب لهم، ولنشر فكر “التشييع” في المنطقة.

وفي مطلع تشرين الثاني افتتحت “الميليشيات الإيرانية” ديوانا للوجهاء وشيوخ العشائر في منطقة حي فيلات البلدية في دير الزور، تحضيرا لاجتماع موسع بقصد استمالة الوجهاء والشيوخ وتلميع صورتها.

وفي 3 تشرين الثاني،، افتتحت ميليشيات إيران المتواجدة في مدينة دير الزور، روضة مجانية سميّت “الخطوة الأولى”، ويشرف على الروضة مدرسين سوريين وإيرانيين، وتستهدف الفئة الأصغر سنا الذين تتراوح أعمارهم مابين الـ 7 – 15 سنة من الذكور والإناث.

وافتتحت الروضة، مع بداية العام الدراسي الجديد 2022-2023، في حي فيلات البلدية، حيث تسيطر “الميليشيات الإيرانية” على غالبية منازله، وهي تدفع أجور مرتفعة للمعلمين الذين يرغبون بالتدريس في الروضة، وذلك على خطى “أشبال الخلافة”، و”طلائع البعث”، لخلق أجيال تواليها في المنطقة.

وفي 8 من الشهر الحادي عشر، قدمت ابنة “قاسم سليماني”، “زينب”، منحة مالية قدرها 100 ألف ليرة سورية، ما يعادل 20 دولار أمريكي، تقدم لمرة واحدة، لكافة المنتسبين إلى”المركز الثقافي الإيراني” والعناصر المحلية المنتسبة لصفوف المليشيات المدعومة من “الحرس الثوري الإيراني” في ديرالزور والميادين والبوكمال، ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات النظام والميليشيات الإيرانية.

وفي 9 تشرين الثاني، نظم المركز الثقافي الإيراني رحلة ترفيهية لطلاب الجامعات إلى ملاهي الأصدقاء “حديقة كراميش” في حويجة صكر ضمن المناطق التي تسيطر عليها الميلشيات الإيرانية بمدينة ديرالزور.

وفي مطلع كانون الأول، أعلن مدير “المركز الثقافي” الإيراني في مدينة الميادين شرقي دير الزور المدعو”أبو هاشم”، عن افتتاح دورات مجانية لتدريس مواد عدة من أهمها الرياضيات والتربية الإسلامية والفنون والموسيقى واللغة العربية، لمرحلتي التعليم الابتدائي والإعدادي، خلال الأسبوع القادم ولمدة 3 أيام في الأسبوع.

ووفقاً للمعلومات التي حصل عليها نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن المركز “الثقافي الإيراني” عبر فروعه بدير الزور، يعمل على إيجاد حاضنة شعبية لدى أهالي المنطقة، وذلك من خلال إقامة فعاليات ورحلات ترفيهية وثقافية بالإضافة إلى توزيع بعض المساعدات أثناء فعالياته مستهدفاً في ذلك الأطفال بالدرجة الأولى.

ويقابل التمدد الإيراني تحركات شعبية رافضة للوجود الإيراني، ففي الخامس من حزيران، أقدمت مجموعة تطلق على نفسها “أشبال القادسية” على حرق صورة “الخميني” معلقة على عمود إنارة في منطقة حوض الفرات بمدينة دير الزور، ثم لاذوا بالفرار إلى جهة مجهولة.

وعمدت مجموعة تطلق على نفسها “ثوار البوكمال” إلى إلصاق منشورات ورقية على جدران شوارع مدينة البوكمال وأريافها شرقي دير الزور، وذلك بتاريخ 3 تشرين الثاني، مناهضة للوجود الايراني في المدينة، وجعلها نقطة لنقل الأسلحة والذخائر والصواريخ إلى سوريا.

وحصل المرصد السوري لحقوق الإنسان على نسخة ورقية جاء فيها: “نحن ثوار البوكمال، نوجه كلامنا لإيران وأذنابها في سوريا، وخاصة في بوكمالنا الحبيبة، التي لا تزال تحت رحمة المدعو “حج عسكر” وكلابه، المستمرون بنهب خيراتنا، نقول لكم، أعلموا أيها المحتلين الخونة، أننا متواجدون بينكم، وأقرب إليكم من حبل الوريد، وشايفينكم، لا تعتقدوا أن صمتنا يعني أننا لسنا موجودين، نراقبكم من من حيث لا تشعرون، نحن أبناء هذه الأرض، ولن نبقى مكتوفي الأيدي تجاه تصرفات إيران وأذنابها ومليشياتها في سوريا.

إن مناطقنا الحدودية التي كانت آمنة غنية قبل أن تدنسوها بوجودكم أصبحت من أخطر وأفقر المناطق، وذلك بسبب أنشطتكم المشبوهة التي يمارسها كلا من المدعو “أبو راما العراقي”، وبعلم من المدعو “حج عسكر”، اللذين جعلوا المنطقة ممراً لنقل السلاح إلى سوريا والمخدرات إلى العراق، إن وادي الفرات الذي ولدت على ضفتيه الماضي حضارات عريقة، وكان موئل للحياة، هو اليوم بسبب إيران وأذنابها موئل ونذير الحرب وطريق للموت، وتصفية الحسابات، في كل يوم، تمر شاحنات الموت عبر معبر القائم، ومعابر أخرى غير شرعية، تنقل الأسلحة والذخائر والصواريخ، شايفينكم، مراقبينكم، نعرف جيداً من أنتم، لن نهدأ حتى نجبركم على الرحيل”.

أما استمرار الاحتلال الإيراني للمنطقة، وإطلاق يدها في مساعيها الحالية دون دور روسيّ مناهض على الصعيد الاجتماعي، سيؤدي في النهاية إلى ديرالزور شيعيّة تتّخذ من إيران مرجعيتها الدينية وقيادتها الروحية، فالتاريخ حافل بإنجازات منتصرين يستخدمون الحديد والنار في تحويل قارّات بأكملها إلى مذاهب وأديان جديدة إن انعدم الخيار والارادة لدى الشعوب.